عن المذيعة وطبيبة الأسنان

تُريد الطبيبة مِن الصحافة أنْ "تضعَ يدها في يد السلطات العليا"، وأن تبثُّ "رسائل تشجيعية للمواطنين للقيام بالتلقيح"، وهو كلامٌ ينمُّ عن سوء فهمٍ لدور الإعلام، يُقاسمه معها عددٌ مِن ممارسي المهنة ممّن يعتقدون أنَ على وسائل الإعلام أن تكون أبواقاً للسلطة.

عن المذيعة وطبيبة الأسنان
(غرافيتي في غزّة، ديسمبر 2020، تصوير: محمد عابد)

تساءَل مُعلّقون على مناوشةٍ جرت بين مذيعةٍ في قناة جزائرية خاصّة وطبيبةِ أسنانٍ تُخبرنا وسائلُ الإعلام المحلّيةُ بأنّها “أوّل مُواطِن يتلقّى لقاح فيروس كوفيد 19 في الجزائر” عمّا إذا كانت ردّةُ فعل الطبيبة المتشنِّجةُ تعكس أعراضاً جانبية للقاح “سبوتنيك 7”.

ومع ما في التساؤل مِن سخرية، فهو يتضمَّن في أحد وجوهه تبرئةً لسلوك الطبيبة بالقدر ذاته الذي يتضمّن إدانةً له؛ إذ يَفترِض أنَّ هذا السلوك ليس سوى “عَرَضٍ جانبي” للقاح، ما يعني عدم مسؤولية صاحبتِه عنه.

بدت مستغرَبةً وغيرَ مفهومةٍ ردّةُ فعل الطبيبة على سؤالٍ طرحَته عليها المذيعة عمّا إذا كانت قد تردَّدت قبل أخذ اللقاح. وسببُ الاستغراب أنَّ الضيفةَ انتفضت على جُزئيةٍ لم تُطرَح مِن الأساس، ومضمونُها أنّها تلقّت “مُقابِلاً” جرّاء قَبولها التلقيح.

لكنَّ الطبيبة ستُحاوِل، في فيديو بثّته على حسابها الشخصي، تبريرَ ردّة فعلها بوضعها في سياقٍ يجعلها مفهومةً؛ حين ستزعم أنَّ القناةَ عمدت إلى فبركة المقابلةِ التلفزيونية بتغيير “السؤال الأصليّ” الذي أثار تشنُّجها ومضمونُه: “كم كان المقابِل؟”. الهدفُ هو إحراجُها وإظهارُها بمظهر “البليد” الذي يُجيب عن سؤالٍ لم يُطرَح عليه.

ما حدث كان مؤامرةً، تُخبرنا الطبيبة… وهذا تبريرٌ سيجدُ هوىً لدى مَن يُشكّكون في مصداقية الإعلام في الجزائر، وهُم ليسوا قليلين.

ثمّة سوابق في فبركة القصص على وسائل الإعلام الجزائرية. غيرَ أنَّ تبرير الطبيبة لن يكون مُقنِعاً جدّاً؛ ليسَ فقط لأنَّ اللقاء التلفزيوني بُثَّ على الهواء مباشرةً، بل لأنَّها ستُقدِّم في معرض توضيحها تفسيراتٍ تجعل مِن الصعب التعاطُف معها؛ إذ ستربط المؤامَرة المفترضَة بأحكامٍ وأوصافٍ تخلو مِن السوية والاتّزان؛ مِن قبيل “التقزُّز” و”الدناءة” و”الخبث” و”الكُره” و”الحقد” و”الحسد” و”الرداءة”.

حتى وإن استعانَ بأسماء مثل نيوتن وميكيافيلي، سيصعب أنْ نأخُذ على محمل الجدّ كلام شَخصٍ يَفترضُ أنَّ مذيعةً لا تجمعها به سابقُ معرفة تكرهه وتحقد عليه، ويتصوَّر أنَّ التلقيح أمرٌ يجلب الحسد، وأكثر مِن ذلك يَعتبر أخذ اللقاح “شرفاً”، ربما لا يقلُّ عن “شرف” اكتشافه وتصنيعه.

إلى جانبِ اتهامها القناة بالفبركة، يُفترَض أن تجعل تلك اللغةُ صاحبَها تحت طائلة المساءلة القانونية.

حالة مِن التهافت في وسائل الإعلام على استضافة الوجوه نفسِها للحديث في المواضيع نفسِها

تُخبرنا الطبيبة، أيضاً، بأّنها توقّفَت عن عملها لفترةٍ مِن أجل الظهور في البرنامج التلفزيوني (الذي ستعترفُ بأّنها لا تعرف مضمونه وتوجُّهه حتّى)، وهُو كلامٌ ينمُّ عن تعالٍ لدى بعض ضيوف وسائل الإعلام الذين يَعتبرون ظهورهم فيها خدمةً جليلةً يمنّون بها عليها، وبالتالي على المشاهِد أو المواطِن الذي يحقُّ له الاطلاع على المعلومة وعلى الآراء المختلفة بخصوص مواضيع أو قضايا تهمُّه.

لكنَّه، وهو الأهمّ، مناسَبةٌ للإضاءة على حالةٍ غير مِهنيّة في وسائل الإعلام التي تتهافت على استضافة الوجوه نفسِها للحديث في المواضيع نفسِها، بينما يُفترَض أن تعدِل أيُّ قناةٍ أو صحيفةٍ عن استضافة أيِّ شخصٍ بمجرّد ظهوره على وسيلة إعلامية أُخرى وحديثِه فيها عن موضوعٍ كانت تريد إثارته معه.

ستذهب طبيبةُ الأسنان بعيداً في المزايَدة حين ستنتقد “الاستهزاء بالحكومة والسلطات”، وتُخاطِب الناس بالقول: “جابولكم لقاح حبّسوا”… هي تعترفُ بأنَّ ثمّة اختلافاً في الآراء بين مِن هُم مع اللقاحات ومَن هُم ضدّها، لكنّها لا تُريد سماعَ أيِّ صوتٍ مِن الفريق الثاني، وهذه بالتأكيد ليست الطريقة المُثلى لإقناع المتخوّفين منها بأخذها، وهُم كثيرون.

بناءً على ذلك، ستتصوَّر الطبيبة أنَّ “المفترَض مِن الصحافة الجزائرية هو أنْ تضعَ يدها في يد السلطات العليا… “، وأن تبثُّ “رسائل تشجيعية للمواطنين للقيام بالتلقيح”، وهو كلامٌ ينمُّ عن سوء فهمٍ لدور الإعلام، يُقاسمه معها عددٌ غير قليلٍ مِن ممارسي المهنة. يعتقد هؤلاء أنَّ على وسائل الإعلام، حكومية وخاصّة، أن تكون مجرّد أبواقٍ في فم السلطة.

قطعاً، مِن صميم عمل الإعلام طرحُ جميع الأسئلة بخصوص لقاحات فيروس كورونا المستجدّ، وهي أسئلةٌ تُطرَح حتى في الدول التي تقوم بتصنيعها.

لكن، هل أخطأت القناة؟ بالتأكيد نعم… فبالإضافة إلى تدوير شخصٍ كان ضيفاً على أكثر مِن قناةٍ خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، ليس من اللائقِ في البرامج الجادّة مخاطبَةُ الضيوف بأسمائهم الأولى* كما لو كان الأمرُ حديثاً بين صديقَين خارج الشاشة… لو لم يحدُث ذلك، ربّما لم نكُن لنرى ردّة الفعل المُتشنّجة تلك مِن الأساس.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة