غاندي.. معجم صغير للإمساك بـ”روح كبيرة”
(غاندي في لوحة لـ دومينيك أمندولا)

غاندي.. معجم صغير للإمساك بـ”روح كبيرة”

يحبّ الزعيمُ الهندي أن يفكّر بأبسط الوسائل وأن يُزعزع أكبر المعضلات. ربما يستطيع أن يفعل ذلك مع معضلات كثيرة يشهدها عالمنا اليوم. هنا معجمٌ صغير نستطيع من خلاله سماعه في ما هو أبعد من أقواله المكرّسة ورؤيته في ما هو أكثر دلالةً من ردائه الفريد.

ليس من الضروري أن نشاطر غاندي (1869 – 1948) المعتقد الديني أو الانتماء العرقي كي نتقاسم رسالة حياته: “ترويض” الإنسان بجعله حيواناً مسالماً تجاه الطبيعة وبقية الكائنات، وتجاه البشر، وتجاه نفسه.

في ذكرى ميلاده، اليوم، يعود المهاتما غاندي ككائن أسطوريّ مرّ بعالمنا منذ زمن قريب. علينا أن نخترق قشرة الأسطورة هذه كي نصل إلى الأدوات البسيطة التي كان يحقّق بها غاندي طموحاته وطموحات شعبه. صحيح أن الهند التي حلُم بها لم تتجسّد على أرض الواقع، وأن العالم الذي طمح إليه لم يولد بعد، لكن حضور غاندي الرمزي لا يزال يدفع نحو هذه الأحلام، ويصرّ بأنها ممكنة التحقيق.

ماذا لو استحضرنا المهاتما في أفق خارج الهالة الأسطورية التي تحيط به، وتجعل منه قديساً معاصراً بعيداً جداً عنا. على عكس ذلك، كان غاندي يحب الالتصاق بالأرض، والاندماج بالناس، ومعالجة القضايا الكبرى وكأنه يصلح قفل باب أو يترق ثوبه. بأبسط الوسائل وأكثرها هشاشة يحبّ غاندي أن يفكّر، تكفي الكلمة الصادقة والفكرة العميقة لزعزعة أكبر المعضلات. ألم يفعل ذلك وهو يهزّ عرش الاستعمار؟

معضلات أخرى كثيرة يشهدها عالمنا اليوم، لعلّ في رأس غاندي بعض حلولها. إلى تلك “الروح الكبيرة” نعود، نستخرج مجموعة من المفاهيم التي ابتدعها أو التي أحياها وأجرها مجرى الفعل التاريخي. معجمٌ صغير نسمع من خلاله غاندي في ما هو أبعد من أقواله المكرّسة ونراه في ما هو أكثر دلالة من ردائه الفريد.

■ ■ ■

أهيسما (اللاعنف): لم يكن غاندي مخترع المفهوم، فقد ظهر لدى مفكّرين وكتّاب ألهموه مثل هنري ديفيد ثورو وليون تولستوي، كما أنه أحد المبادئ الهندوسية. ما فعله غاندي هو أنه جعل لهذا المفهوم قدمين وأطلقه كي يتحرّك في التاريخ. ليس اللاعنف لدى غاندي مجرّد مبدأ؛ إنه ممارسة تهدف إلى ترقية الضحية إلى مستوى قيَمي أرفع من الجلاد ما يخلق علاقة جديدة بينهما توازن العلاقة غير المتكفئة في القوة المادية،وهو وضع وفرض شروط تفاوض جديدة بينهما.

ليس اللاعنف بالضرورة شكل مقاومة سلبيّ، إنه إستراتيجية تعتمد الحلول المتوفّرة بشكل براغماتي (العصيان المدني، المقاطعات الاقتصادية…).بحسب غاندي، يقلب اللاعنف مركز ثقل القوة رأساً على عقب، فإذا كان العنف يمثّل شرط القوة ظاهراً فإن مجابهته باللاعنف تفرغ تلك القوة من محتواها.

لا يزال هذا المفهوم يلهم كل حركات المقاومة. لقد بُعث مفهوم غاندي في أميركا السيتينيات مع مارتن لوثر كينغ وأعطى نتائج لم تحقّقها خيارات المقاومة المسلّحة، كما ألهم مفهوم الأهيسما نيلسون مانديلا وهو يقود مسيرة تحرير شعبه من الميز العنصري. ولا شكّ أن المفهوم لا يزال مثمراً، في مواجهة الاحتلال أينما كان، وفي مقاومة الشعوب للديكتاتورية.

■ ■ ■

ساتياغراها: تتحاشى اللغات ترجمة هذه الكلمة، فتستعيرها كما هي، حيث أن دلالاتها تجمع بين معان عدة: “قوة الحقيقة”، و”الصراع من أجل الحقيقة”، و”الإصرار على الحق”. وهو المفهوم الأكثر ارتباطاً بغاندي لأنه يلامس مشروعه الروحي والسياسي والفكري في آن، كما أنه يمثّل نظريته الفردية والجماعية في نفس الوقت.

ارتبط هذا المفهوم بمسيرة الملح (1930)، حتى أن البعض يعتبرها التجسيد الأكمل لفكرة الساتياغراها، وقد أطلق غاندي تلك المسيرة تعبيراً عن رفض الهنود لاحتكار البريطانيين للملح وفرض ضريبة عليه. قرّر الزعيم الهندي أن يمشي على قدميه إلى البحر ليستخرج الملح بنفسه ويضرب مثلاً على إنتاج الشعب لما يحتاجه، وقد صحبته جموع كبيرة كانت قد تلقت تعاليم الساتياغراها وكأنها تلقّت رسالة سماوية جديدة.

نجد أثر “الساتياغراها” أيضاً حين كتب غاندي سيرته ذاتية وقد سمّاها “تجربتي مع الحقيقة”. كان في غاية الجرأة في تقديم نفسه في لحظات الضعف والشك والحيرة. ومن المفارقات أنه قد اكتشف هذا المبدأ وبلوره نظرياً وعملياً خلال سنوات دراسته في لندن، والتي عاد فيها بشكل قوي إلى التراث الروحي للهند، ووجد أن أسباب نهضتها تقوم على استعادة العلاقة الحميمية مع الحقيقة والنفس، بعد أن كان يؤمن أن خلاص الهند يمرّ من استلهام أسباب نجاح الحداثة الغربية.

■ ■ ■

سارفودايا (الازدهار للجميع): قادت قناعات غاندي بـ”اللاعنف” والساتياغراها إلى هذا المفهوم الذي التقطه من قراءاته لجون روسكين حين كان مقيماً في جنوب أفريقيا. وكان مفهوم سارفودايا محاولة لترجمة الفكرة العامة لكتاب روسكين Unto this last. لقد رأى غاندي أن السبيل الوحيد لإرساء حالة من السلام الدائم يمرّ من توفير ما يحقّق رضا كل الأطراف، ورغم أن هذه الفكرة طوباوية فإن غاندي كان يرى أنه لا مانع من محاولة تحقيقها، فالمحاولة في حدّ ذاتها تحقّق مكاسب لجميع الأطراف.

خلال مفاوضاته للحكومة الاستعمارية البريطانية، أبدى غاندي الكثير من الحب للثقافة الإنكليزية، ورحّب بالبريطانيين في شبه القارة الهنديةشريطة أن يلتزموا باحترام الهنود ويعيدوا لهم السيادة على أراضيهم، كان يطبّق هنا أيضاً أحد مبادئ الساتياغراها.

كما حضر مفهوم السارفوديا في تصوّره للهند التي تتعايش فيها الطوائف والأديان واللغات والثقافات جميعها، وهو موقف مرن وتصالحي دفع حياته ثمناً له حين أصرّ على ضرورة اشتراك الهندوس والمسلمين في وطن واحد، فيما دفع العنف الشعبي (وبريطانيا من ورائه) إلى تقسيم البلد الواحد بين الطائفتين.

■ ■ ■

سواراج (الاستقلالية): بدا تحرّر الهند شبه مستحيل في النصف الأول من القرن العشرين، ليس بسبب تفاوت ميزان القوى عسكرياً، بل جرّاء المعادلات التي فرضتها بريطانيا على الأرض، حين ربطت مصالح الأعيان بها، ووضعت الطوائف والعرقيات في نزاع دائم.

ما انتبه إليه غاندي، دون بقية السياسيين في زمنه، أن الحبل الذي يربط البقرة الهندية بالذئب الإنكليزي هو اقتصاد الحياة اليومية، ليبدأ في تحريض شعبه على قطع هذا الحبل، وقد جعل من المغزل رمزاً لهذه الاستقلالية حين قرّر ألا يلبس إلا ما يخيط بنفسه، وألا يستهلك ما يزيد عن حاجته.

أثبت هذا المفهوم فاعليته في مقاومة الاستعمار، واليوم يمثّل حجر أساس في مقاومة أشكال الاستعمار الجديد إذا كانت الشعوب تريد أن تقاومه، لكنه يبدو قليل التفعيل حيث تواجه تفتر حركات المقاطعة الاقتصادية مع مرور الشحنة العاطفية التي دفعت إليها، ناهيك عن فرض الشركات الكبرى إرداتها على الدول بل واستخدام هذه الأخيرة لاستغلال الشعوب في أحيان كثيرة. يحتاج مفهوم سواراج إلى تفعيل وإيقاظ وإعادة تطوير كي يؤدّي دوره من جديد.

■ ■ ■

مهاتما (الروح الكبيرة): لماذا يُدعى المهاتما غاندي بهذا الاسم في حين أنه ولد باسم آخر: موهنداس كارامشاند غاندي؟ إنه تكريم شعبيّ لأحد أبرّ أبنائه. عاش غاندي لسنوات خارج الهند، في لندن حيث درس المحاماة، وفي أفريقيا الجنوبية حيث مارسها، وحين عاد إلى الهند قال أنه لم يعد يعرف الكثير عن شعبه وعن بلاده. هجر النخبوية التي ولد فيها وتهيّأت له كل أسبابها لاحقاً وقرّر أن يظل أقرب ما يكون من حياة البسطاء.

أخذ غاندي يجوب الهند، ويتعرّف على طموحات الناس، وفي الأثناء أخذ يمرّر عناصر فلسفته (ويشذّبها) حول السياسة وإدارة مشروع الاستقلال، والحياة عامة. كان يقدّم في نفس الوقت أفكاراً نظرية وخطوات عملية سرعان ما يكتشف الناس انعكاسها الإيجابي على حياتهم.

ولما كان غاندي لا يفصل بين الخطابين السياسي والديني، سرعان ما جرى رفعه إلى مرتبة متقدّمة لم يحظ بها أحد في الهند منذ قرون. لكن هذه المكانة لم تفده في شيء حين ضربت الفتنة الطائفية الهند وهي تعيش سكرة الفرح بالاستقلال، فقد اغتيل غاندي في صيف 1948 على يد أحد أبناء شعبه.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • محمد عادل زكي
    02 أكتوبر 2021 | 10:38

    تسلم ايدك، ويسلم ذهنك، مقال رائع

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة