فات الميعاد

الرجُل المنشغل بقراءة جريدة في زاوية من المقهى يأسر قلبي منذ سنوات المراهقة. وها قد تحوّلت جلستي الآن، في وجود سي لخضر المستغانمي؛ شاعر الملحون الذي أحفظ كلّ قصائده وأحتفظ بصُوَره وتصريحاته وحواراته الصحافية، إلى لحظات من القلق الممزوج بفرحة طفولية.

فات الميعاد
"الغرفة الحمراء"، هنري ماتيس، 1908، زيت على قماش، 180 سم × 221 سم (متحف سانت بطرسبرغ، روسيا)

اعتدتُ الجلوس في مقهى “فات الميعاد” بأحد الشوارع الخلفية في حيدرة. كنتُ قد اكتشفتُ المقهى مِن خلال صديقتي بلقيس، وهي شاعرةٌ أتَت بأحلامها مِن سيدي خالد في بسكرة إلى الجزائر العاصمة لدراسة الطبّ، أملاً في تحقيق أُمنية والدتها، لكنّها ضاعَت بين أماني الطب ومخالب الشعر؛ فلا هي صارت طبيبةً، ولا هي استطاعت أن تُعلِن عن مواهبها الشعرية، رغم محاولاتها التي كانت تتحطّم، كلّ مرّة، أمام صخرة الخوف مِن تقاليد العائلة. التقاليدُ لها غضبٌ خاصّ.

اسم المقهى يُعبّر عنه… جلسة تقليديةٌ لا كراسيَ ولا طاولاتٍ فيها. القهوة الخضرا النايلية، التي يجري إعدادُها وفق طريقتها الأصلية، حاضرةٌ دائماً على إيقاعات أغنيات خليفي أحمد وعبد الحميد عبابسة، ورابح درياسة أحياناً. واضبتُ التردُّد على المكان، حتّى صار النادل يعرف موعد قدومي، فيُجهّز رُكني قبل وصولي، ثمّ يُشغّل أغنيةَ “حيزية” بصوت خليفي. كان ضروريّاً أن تحضر حيزية في خلفية المشهد.

بسببٍ مِن تلك الطقوس، يخالُني كثيرون نايليةً. والواقعُ أنّني قبايليةٌ مِن عائلة قدمَت مِن إحدى قُرى تيزي وزّو إلى العاصمة التي نشأتُ في أحد أحيائها الشعبية رفقةَ صديقةِ طفولتي وردة، ابنةِ جيران لنا مِن الجلفة. وقد أسهمت تلك الجيرة والرفقة في اكتسابي بعض عادات النوايل، خصوصاً ما يتعلّق بشرب القهوة.

– واش عمّي سليمان… الدعوة ميّتة اليوم. ماكاش الخدمة؟

كان مساءً خريفيّاً ارتسمَت في سمائه سُحُبٌ كثيفة إيذاناً بقدوم المطر. ركنتُ سيارتي أمام باب المقهى، ثمّ خاطبتُ النادلَ الذي كان واقفاً في الخارج. أجابني:

– تقَدْري تقولي…

صمت قليلاً، ثمّ أضاف كما لو كان يكشف لي عن سرّ:

– راه كاين واحد قاعد الداخل… ويبدو أنّ شخصيته غريبةٌ نوعاً ما.

تملّكني بعضُ الفضول، وربمّا الكثير منه، فدخلتُ مسرعةً، ولحق عمّي سليمان في إثري ليُجهّز طلبي.

 

■ ■ ■

 

تدور موسيقى غربيّةٌ هادئة داخل المقهى. وهذا يعني أنَّ الرجُل غريبٌ فعلاً، بالنسبة إلى ذوقَينا – أنا وعمّي سليمان. استرقتُ نظرةً إليه بينما كنتُ أهمُّ بالجلوس في ركني المعتاد، فوجدتُ أنّه ليسَ غريباً تماماً. أقصد أنّني أعرفه جيّداً.

بدا لي كما لو أنّه تقدَّم في السن قليلاً، غير أنَّ بياض شعره زاده وقاراً، وجعله أكثر إغراءً لامرأة لمّا تزل عذراء، ولم تُجرّب أوّل قبلةٍ لها مع رجُل إلّا في عيد ميلادها الثلاثين… رجُل مِن الماضي الذي تركته خلفي.

الحقيقةُ أنَّ الرجُل المنشغل بقراءة جريدة في زاويةٍ من المقهى يأسر قلبي منذ سنوات المراهقة. وها قد تحوّلت جلستي الآن، في وجود سي لخضر المستغانمي؛ شاعر الملحون الذي أحفظ كلّ قصائده وأحتفظ بصُوَره وتصريحاته وحواراته الصحافية، إلى لحظات من القلق الممزوج بفرحة طفولية وتساؤلاتٍ وفرضيات مُزعجة.

فكّرتُ في الذهاب لمجالسته. لكن، هل سيقبل تطفُّلي؟ والأهمّ، هل ستنجح شقراءٌ مثلي في أن تنسخ عشراتٍ من قصائده التي تغزّل فيها بجمال السمراء؟

مضت دقائق طويلة قبل أنْ يعود عمّي سليمان بفنجان قهوة، ويقول:

– واش بيك يا فرّوجة بنتي تايهة… كاش ما صرا لك في الخدمة؟

– لا يا عمّي سليمان.

ولأنّه كان صديقاً لا أخفي عنه شيئاً، حتّى ما تعلّق بحياتي الشخصية، فقد أضفت:

– هذا هو الشاعر الي كنت نحكي لك عليه.. هذا هو سي لخضر اللي حبّيتو من بعيد لبعيد.

قال ضاحكاً:

– خلاص رُوحي عندو واعترفي له. بصح يبان مزوّج وعندو الذراري.

– وهل تظنُّ أنَّ أمر الزواج يهمُّني بعد الذي حدث لي مع ذلك النذل الذي حاز قصب السبق في نَيل القبلة الأولى من شفتَيَّ، ثمّ قتل آمالي في أيّة علاقة سوية بعده؟

– يا بنتي، أنا قلت نبهك باش ما تغلطيش برك.

 

■ ■ ■

 

لعلّ تردُّدي دام قرابة ساعةٍ قبل أنْ أقتحم جلسته وأستأذنه في الجلوس معه لبعض الوقت.

رفع عينَيه عن الجريدة. وبالصدفة، كانت مفتوحةً على موضوع في الصفحة الثقافية مِن توقيعي حول دور الأغنية في الثورة التحريرية.

– لستُ في مزاج يسمح لي بالحديث مع أيّ كان، خصوصاً أنتم الصحافيّين.

سألته وأنا لا أزال واقفة: هل تعرفني؟

– ألست فرّوجة نتاع جريدة “الزمان”؟

ومن دون أنْ أُجيب، طفق يقول:

– ما تشعرين به نحوي منذ الملتقى الشعري في الأغواط قبل خمس سنوات، وربّما قبل ذلك، أُدركه جيّداً. مشكلتُنا أنّك وصلتِ متأخّرة يومها. حينها، كانت لي ابنتان، وعرفتُ أنّك ترفضين أنْ تكوني رقماً إضافياً في معادلة. كتمتُ الأمر وكتبت فيه قصيدةَ “الشقرا بنت الجبل”.

كان وجهه شاحباً. وبدا لي أنّه يتآكل من الداخل.

– اليوم تصلين متأخرّة أيضاً. لكنّ الأهمّ أنّني رأيتُك للمرّة الأخيرة.

قال ذلك وهو يُغادر، بينما رجعتُ إلى زاويتي أبكي سوءَ حظّ ابنة الجيل الشقراء وألعن جُبنها وقلّة حيلتها.

 

■ ■ ■

 

بعد عشرة أيّام، ليس إلّا، كنتُ أكتب، بصعوبة، خبراً في جريدة “الزمان” عنوانه: “رحيلُ شاعر الملحون لخضر المستغانمي بعد معاناةٍ طويلة مع مرض السرطان”.

صحافي جزائري مُقيم في قطر.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة