فصل من رواية: “العاصمة باب السور”

هذا ما حكاه "مختار العاصمة"، كما اعتاد أن يُسمّيه، لأنّه كان يشيع بين الناس حلمه الكبير: أن يجعل من باب السور عاصمةً للبلاد عندما يصبح الرئيس.

فصل من رواية: “العاصمة باب السور”
علي صلاح بلداوي (رحبة)

2014

في البدء ظننّا أنَّ أحدهم أطلق على رأسهِ رصاصةً وأقعدهُ في مكانه. رأسهُ مُلقىً على صدرهِ، ويداهُ مُسبلَتان، جسدهُ مغمورٌ بالظُلمة، ولا يُرى منه إلاّ ما يلتقطه الرّائي، مستعينًا بضوء القمر وخيالاتهِ التي ستؤوِّلُ ما يَرى. دخلنا الباب الرئيس، أقودُ عربة السَتّوتةِ، وصديقي قاقا من الخلف يدفعها. حين وقفتُ أمامه مُمسِكًا بالمقودِ، أفاقَ مذعورًا، كأنَّ أحدهم لكزهُ بقوّةٍ فجفلَ منها. تفاجأ بِرَجُلين يُحدّقانِ فيه، ومعهما عربةٌ، وفي حوضها الخلفيِّ ثلاثةُ جُثثٍ مُغطّاةٍ بشرشفٍ تبقَّع بالدَم.

ماذا تفعلُ هذه الجُثث في محطّة الوقود؟!

تساءل، لكن من دونِ صوت، كانت ملامحهُ الفَزِعة، وحركاتُ عينيه المتسارعة بالتنقّلِ منّي إلى قاقا إلى الجثث التي تتدلّى أقدامها من الخلف، هي التي تفعل. لم ينطقْ بحرف، بالطَبع حاولَ أن يستعيدَ طاقَته، ويستجمعَ وَعْيَه، ليتأكّد إنْ كان ما يُشاهدُ كابوسًا، أم حقيقةً، أم أنَّها هذياناتُ مُنتصف الليل.

“خَلَّصْنا بانزين، ونْريد نفوّل”.

وفَّرتُ عليه الإجابة السَريعة، فبدا وكأنَّهُ أصمّ، لم يتفاعلْ مع كلامي ولم يتحرَّكْ، على الأكثر تحجَّرَ أمامنا، ولم يعدْ باستطاعته حتّى أن يرمش.

كنّا قد حَملنا الجُثَثَ الثلاثَ من البستان، ولم يكنْ معنا سوى سَتّوتةٍ أوصَلنا فيها بعض تبرّعات الجيران والأصدقاء من الأفرشةِ والأطعمةِ للمقاتلين في السّاتر المتقدِّم، لا ندري كيف تسلَّلوا وعَبَروا الطَوق العسكريِّ المُحكم، لكنَّهُ الليل، استطاعوا بطريقةٍ ما التَغلغل بين الأحراش، والوصول عند أقربِ بستانٍ تؤدّي طريقهُ إلى المدينة.

الحكاية هيَ كالآتي: كنتُ أتبوَّلُ بينما ينتظرني قاقا أمام مِقود العربة ويدخّن سيجارته، سمعتُ صوتَ سُعالٍ لم يكتملْ حتى انقطعَ فجأةً، كأنَّ أحدهم خنقَ نفسه كيلا يسعل، صوتٌ يأتي من العُمق، مُريبًا، ويشي بغرابةٍ ما. لم يكنْ هيِّنًا عليَّ أن أُخبِّئَ قضيبي، وأركب السِتّوتة وأهرب، ومع ما يحيط المكان من كابوسيَّةٍ مُخيفة، لبستُ ملابسي، وأشّرتُ لقاقا فَلَحِقَ بي، كان خائفًا، مُتردِّدًا من مجازفةٍ غير محسوبةٍ، ونحنُ لوحدنا فيما يُشبه غابةَ أشباح.. وجَّهنا أسلحتنا، وبقينا ساكنين خلف نخلتين. كان الصَوت يقترب ببطءٍ شديد؛ تكسّرُ أغصانٍ، انسحاقُ شيءٍ ما، حركةٌ تشي بوجود كائناتٍ تتحرَّك، وليس مجرّد طيرٍ عابرٍ أو كلبٍ قد يفرُّ ويختفي. ومثلَ الجان يظهرون فجأةً أمام العين، صارت سواداتهم أمامي، وفي الظلام المُجلَّلِ، لمحتُ وجهين، بلِحًى طويلةٍ، وملابسَ سود، ولا يشبهانِ إلاّ أولئكَ الذين نقاتلُهم.

إذا أردتُ أن أصفَ لك المشهدَ من جهتهم، فلم يكونوا تلك اللحظة يرونَ سوى العُتمة التي يمسكونَ بضوءِ القمر الشَفيف كي يُزيحوها ويكملوا طريقهم، ولم ينتبهوا لمن يقطنُ لهم في كَرَبِ النَخيل، صعبت عليهم الرُؤية، غيرَ أنَّ النار التي اندلعت في وجوههم، كان آخر ما يرونه، قبل أن يُسحلوا، ويوضعوا في حوض العربةِ الخلفيّ.

ماذا سنفعلُ بثلاثِ جُثثٍ في الليل، وليس معنا أحدٌ يُعيننا عليها؟

كنت أقود العربة، بينما قاقا، يجلسُ بجانبي على صندوقٍ حديديٍّ مُثبَّتٍ بمسامير صغيرة، ويتشبَّثُ بي لئلا يسقط.. أقود، وبين لحظةٍ وأخرى، تتعالقُ نظراتنا معًا، وليس فيها من ملمحٍ سوى: فلنسرعَ أكثر قبل أن تستيقظ الجثث الثَلاث. كنا نشعرُ بها تتحرَّكُ في الحوض الخلفيّ، وكنتُ أهوِّنُ ذلك عليه بأنَّها مطبّات الشارع. بينما كان يسألني بارتجافةٍ في شفاههِ: إلى أين؟ إلى المستشفى بالتَأكيد، سنرميهم هناك، وهم يتصرَّفون معهم، يحرقونهم، يرمونهم للكلاب، يدفنونهم، لهم ما يشاؤون، فقط، نريد أن نتخلَّص منهم.

كان جعفر أشبه بساعي البريد، كلَّما عاد من الواجب، نقل له ما رآه بعينيه على السّاتر الفاصل بينهم وبين “الجُرذان”

لم يكنْ قد تبقّى لوصولنا إلى المستشفى سوى كيلو مترٍ واحدٍ، حتى بدأت العربةُ بالصَهيل، بالعُطاس، ثمَّ بالانطفاء التّام. يا لهذا الغضب الإلهيّ. أيُعقل؟! نعم، نفد البنزين، وليس أمامنا سوى أن ندفعها حتّى نصل. غيرَ أنَّ الانفراجة التي أراحتنا قليلًا، مرورنا بقربِ محطّةِ الوقود. فإذا ببابها مفتوحٌ. هذا يعني أنَّ البنزين قد توفّر في المحطّة. تَرَكْتُ العربة، وركضتُ إلى الباب، مددتُ رأسي، فوجدتُ في البعيد، يجلسُ رجلًا على كرسيٍّ، ورأسهُ مُلقىً على صدره.

للوهلةِ الأولى تبدو حكايةً ساخرة. كنتُ أرمقُ قاقا بنظرةٍ تعقبها قهقهاتٌ خفيَّة، لا أنكر غرابة الموقف، ومدى أن يُخبِّلَ من يتعرّض له، لا سيّما عند منتصف الليل، وبهذه الطريقة غير المُتوقّعة. نتذكرهُ الآن ونتمرَّغُ على الأرض من الضَحك.

كانت يدُ العاملِ ترتجفُ حينَ مدَّها إلى مضخَّةِ البنزين وسحبَها، ثم مدَّها إليَّ من دون أن يقترب، فقط يده وعيناه، هما اللتان تتحرَّكان، باقي جسدهُ ساكنٌ وكأنّه مصبوبٌ في الإسمنت. وضعتُ المضخّة في فتحة الخزّان، وضغطتُ أصابعي على العتلة، فتدفَّق البنزين بسرعةٍ كبيرة، بينما عيناي لم تفارقْ عينيه، كنتُ مُستمتعًا في أن أعيش دورَ الجِنيّ، ذلك الذي يخرجُ فجأةً في الليل، ويمارس خبائثهُ على أُنسيِّ وحيد. المشهد كلّه، كان يساعد العامل على أن يؤمن أنَّنا جان، وكانت ملامحهُ تصرِّحُ بهذه الحقيقة. لهذا مارستُ عليه خبائثي، بأن لم أطمئنْه، لم أقلْ له من نحن، ولِمَ نضع هذه الجثث في حوض العربة! بقينا صامتين، ولا نتحدّث سوى بالإشارة. كان يريدُ أن يُغرقنا بالبنزين، الذي لشدّة شحّته، كان يُقدَّر بالذَهب، مقابل أن نأخذ عربتنا، ونخرج. لا شكَّ أنَّها كانت أطولَ ليلةٍ في عمره، بل وأتعسها. يمكن لممرِّضٍ أو طبيبٍ أن تصادفه هذه الحالة، فيتعامل معها بشكلٍ طبيعيّ، لكن يا لحظِّ عامل المحطّة، الذي لم يكنْ ليتخيَّل سوى طوابير السيّارات المتراصفة، وتملّق النّاس له، ورزم الأموال ذات الفئات المختلفة التي يمسك بها بكفّيه، شاءت له الصُدف البائسة أن يفتح عينيه على مشهدٍ غريبٍ، في ليلةٍ مظلمة.

لم أعطِهِ مقابل البنزين، بل هو لم يطلب أساسًا. ضربتُ هندر العربةِ بقدميّ، فدوّى صوتها العالي، ونفث دُخانًا أبيضَ صار مع الظُلمةِ رعبًا مُضاعفًا. مشينا باتّجاه الباب، بينما كانت الجثث الثلاث في الخلف، وعامل المحطّة في مكانه واقفًا، ويتلاشى شيئًا فشيئًا في الدُخان.

***

هذا ما حكاه له جعفر في اتصال هاتفي سريع، أو “مختار العاصمة”، كما اعتاد أن يُسمّيه، إذ أطلق عليه هذا اللقب لشدّة إلمامه بالمحلّة وبيوتها وأسرارها، ولأنّه كان يشيع بين الناس حلمه الكبير: أن يجعل من باب السور عاصمةً للبلاد، عندما يصبح الرّئيس. ومع مرور الأيام ترسّخت الصفة على الألسنة، وكُلّما نادوه بها، كان يفتح ذراعيه، يرفع صدره، ويُحرِّك بفكّهِ يمينًا ويسارًا بتغطرسٍ، ولا يلبثُ حتى يطلق ضحكته المجلجلة.

في تلك اللحظات لم يكن عليه سوى أن يجيد التفاعل: مرّة يصرخ “عزااا!”، وأخرى يمدّ صوته قائلاً “أياااابه!”. وحين يريدُ أن يُعبِّرَ عن دهشته العظيمة ممّا يسمع، يدَّعي عدم تصديقه: لا لا، معقول!! فلا يلتفت لهُ، بل يُكمل حديثهُ، ثم يُغلق الهاتف.

كان جعفر أشبه بساعي البريد، كلَّما عاد من الواجب، نقل له ما رآه بعينيه على السّاتر الفاصل بينهم وبين الجُرذان، (لم يكنْ أهالي المدينة يعرفونهم بغير هذا الاسم، لا إرهابيّين ولا دواعش، كانت الكلمة الوحيدة التي يتبادلونها عند الحديث عنهم، هي: الجُرذان). أعدادهم هائلة. كان يقول. لكنَّنا ليلة البارحة جعلناهم كعصفٍ مأكول. لم يكن يخشى الموت رغم صغر سنِّه، أُعجب بهِ قادة الجبهة حين عبر السّاتر ليلًا وتسلَّل عبر أجمات الأشجار الكثيفة، عَلَّق على بضعة أغصانٍ أجهزةً صوتيّةً عالية الضَجيج وتثقب الأذن، جاء بها من محلِّ إلكترونياتٍ في المدينة، خزَّن ببعضها أصواتَ إطلاقاتٍ ناريّة، وببعضها الآخر صياحَ رجالٍ وقذائفَ تتفجَّر وأغانيَ حماسيَّةً وصهيلَ خيولٍ وجنازير دبّابات. “صارت ديسكو حربي”. قال لأصدقائهِ في الواجب، وهو يشرح لهم عن خطَّتهِ الخطيرة، بعدها استطاع أن يُشغِّل الأجهزة عن طريق التَّحكم بها عن بُعد، وفجأةً ظنَّ الجُرذان تلك الليلةَ أنَّ هجومًا كاسحًا قد حدث، أصابهمُ الهلع، ففرّوا من جُحورهم بلا مُقاومة، تاركين وراءهم أسلحتهم وسيّاراتهم وقذائفهم، ليندسّوا في جحورٍ بعيدةٍ مع جُرذانٍ آخرين.

***

في المساء، كان يُراقب السَماء يتغيَّرُ لونها إلى الأحمر، ويصير الليل، كلَّما اندلعت من الطّائرة الحربيّة النِيرانُ وانطلقتِ الصَواريخ، وكأنَّهُ راكدٌ على فوهةِ بركان، بينما هو يخورُ في الصّالة المستطيلة، كان عقله يعيد سرد حكاية جعفر، ويسترجع المشهد المُخيف: الجثث الممدَّدة في حوض العربة، عامل المحطّة، الظَلام، الدَّم… يهزّ رأسه بقوّة، كأنّما يحاول أن ينتزع الحكاية من ذاكرته، أن ينساها.

في البعيد الذي لا يبلغ في بعدهِ ما يَمنعُ السَمع أو يحجب النَظر، كان الرِجال مُدجَّجينَ بالسِلاح ويتهافتون على تِلال التَراب ناصبينَ بيارقهم، ومنتصبين، كما النَخيل الذي تنامُ في طلعهِ أعينُ القنّاصة.

لم تكنْ طائرةً واحدة، كانت أكثر، يُستَدلُّ على كُثرتها بكثافة النِيران التي تطلع من السَماء المظلمة ومن جهاتٍ كثيرة. كان يخبر أُمَّهُ أنَّ الطّائرات تُحلِّق واطئة، وربّما لو صعد السَطح لاستطاع أن يتشبَّثَ بإحداها، لكنَّها كانت ترمقهُ بالنَظرة ذاتها التي يعرفها، نظرةٌ تعني ألاّ صُعودَ على السَطح ولا خروجَ من البيت.

كان موقنًا بأنَّ لا أحد يستخدمُ الهواتف الأرضيّة، حتى أنَّ دائرة البريد صارت مأوىً للجن، كما يتناقل النّاس

يَسمعُ صوت سيّارات الإسعاف تَمرقُ مثلَ أزيز الرَصاص عبر الشّارع العام، ويسمع بين الفينة والأُخرى، صَرخاتٍ ونُباحَ كلابٍ ونداءاتٍ في الجوامع، تُرفع عاليًا من أجل أن يخرج الجميع للدِفاع عن المدينة. أيُّ جميعٍ يقصد؟ كانت أُمَّه تقول: أنتَ لست من الجميع. يعرف أنَّهُ ليس منهم حتى من دون أن تخبره؛ ذلك أنَّ ذهابهُ يعني موتها قبل أن يجتاز عتبة الباب.

ظلَّ يذرعُ الغرفةَ جيئةً وذهابًا، يراقبُ السّاعة الجداريّة وهي تغوص في ظلمة الليل. تفحَّص هاتفهُ الذي شارف على الانطفاء، لكنَّه أغلقه؛ إذ لا كهرباءٌ في البيوت. أُحرِقتِ المحطّات، قُطِعتِ الطُرق، وباتوا عالقين في قبضة الموت.

مرَّر عينيهِ على بعض عناوين الكتب في المكتبة الصَغيرة، لم يعجبْهُ أن يقرأ شيئًا، رغم أنَّ الطّائرات ابتعدت وسكن الليل قليلًا. من يأبهُ للكتب والموتُ يطوفُ على البيوت؟ قال في نفسه، وأرجع كتابًا إلى مكانه. لفتَ نظرهُ الهاتف الأرضيّ الذي تكسوهُ طبقة غبارٍ خفيفة، كان قد احتفظ بهِ من أغراضٍ كثيرةٍ، لم تعدْ لها أهمية، بعد أن انتقلوا من بيت جدّهِ القديم إلى بيتٍ جديدٍ، يعود تاريخهُ للقرن الماضي، هكذا يُخيَّلُ لمن ينظر إليه، سلكهُ لولبيٌّ وتُجانِبُ الأرقامَ المُربَّعةَ صورةٌ لوالدهِ ببذلةٍ أنيقةٍ وربطةِ عنقٍ حمراء، كان قد التقطها في أحد استديوهات شارع السَعدون حينما كان جنديًّا في الحرس الجمهوري.

رفعَ سمّاعة الهاتف إلى أُذنه، تخيَّلَ للحظةٍ أنَّهُ يتّصلُ فَيُجيبهُ أحدٌ ما. كان يفعل ذلك في طفولتهِ، يختار بضعةَ أرقامٍ عشوائيًّا، وفجأةً تأتي الإجابةُ بعد رنينٍ متقطِّع: نعم؟ وكثيرًا ما أفلح بالفتيات اللاتي كان يأنسُ بأصواتهنَّ ولهجاتهنَّ التي يعرفُ من خلالها على أيِّ محافظةٍ وقع، لكنَّ صوته لم يكن قد اخشوشن بعد، وهو ما لم يؤهّلْه للمُغازلة، كُنَّ سرعان ما يُغلقنهُ بوجههِ حينما يكتشفنَ أنَّ الاتّصال عبثُ أطفال.

كان يحفظ رقم هاتف بيت جدِّه، ستَّةَ أرقامٍ منقوشةٍ في ذاكرتهِ. تخيَّلَ أنَّهم ينتظرون اتّصاله، فضغط على الأرقام وهو يردِّدها همسًا: ثمانية، خمسة، اثنين، اثنين، أربعة، واحد. لم يرنّ الهاتف مثلما كان يحصل في الماضي، فليس هناك سوى سوى الصَمت وصفّارتهُ البعيدة، كما لو أنَّه يصغي بتمعّنٍ لبئرٍ لا قرارٌ لها.

لم يكنْ يعرف من المُعجزات سوى ما سمعه من الخطباء على المنابر أيّامَ العزاءات، كان ينبهر بها دائمًا، فينقلها إلى أمّه، التي كانت ملامحها تتقلّص وعيناها تجحظان كلّما سمعت ما لا يمكن تصوّره، فلم يسبق أن اختبرها بنفسه، أو شَهِد أيًّا منها في المدينة.

كانتِ الخوارقُ هي آخر ما يُفكِّر بها في رتابة أيّامهِ، وقد لا يُفكّر أبدًا، لكنّه حين راودَه الشكّ في أنَّ رنينًا ما يخرج من عمق الصَفير، ثمَّ تحوّل إلى رنينٍ خالصٍ لا صفيرٌ فيه، وكأنَّهُ يتّصل أكيدًا على أحدٍ ما.. توت توت. راح يُتمتم بذهولٍ، من دون أن يُسيطر على لسانه: معجزة. معجزة!!

في الثَواني القليلة التي دوّى فيها الرَنين من السمّاعة، راودتهُ آلاف السِيناريوهات، منها أنَّ الهاتف لم يزلْ يعمل، لكنّه كان موقنًا بأنَّ لا أحد يستخدمُ الهواتف الأرضيّة، انقرضت، وحلّت محلّها الهواتف المحمولة، حتى أنَّ دائرة البريد صارت مأوىً للجن، كما يتناقل النّاس، ومنها أنَّهُ يهذي؛ فالقتال الدّائر منذ الصَباح وحتّى الليل لم يُمهلهُ لحظة نومٍ أو هُدنةٍ تُخفِّفُ قلقه، أو لعلَّ شبحًا ما يسكن في السماعة المُثقّبة وينفخُ فيها، فيأتي صوتهُ على هيئةِ صفيرٍ ورنين، لكنَّ كلَّ تلك التَأويلات تبدَّدت حين سمع أحدهم يُجيب: “ألو….”.

 

فصل من رواية قيد  النشر تصدر قريباً عن “دار صفصافة للنشر والتوزيع” في القاهرة.

شاعر وكاتب عراقي، من مواليد مدينة بلد عام 1996. حاصل على شهادة البكالوريوس في القانون، يعمل في الصحافة الثقافية والتصميم الغرافيكي. له في الشعر “ما أردتُ قولهُ من البداية” (2024)، وفي الرواية “العاصمة باب السور” (2026).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • دينا الخالدي
    29 مايو 2026 | 17:04

    قرأت هذا الفصل مرتين.مرة بسرعة لأني ما ردت أتوقف، ومرة ببطء لأني ما ردت أن ينتهي.

    هذا الكاتب عنده شيء نادر يكتب الرواية بروح الشاعر، فتلگه نفسك أمام جملة تقراها وتعيد قراءتها مو لأنك ما تفهمها، بل لأنها أصابت شي بداخلك بدقة مخيفة. قريت ل علي اشعاره من قبل وكنت أظن أن شعريته راح تخف في السرد، لكنه أثبت أنه يحمل لغته معاه أينما ذهب.

    الشخصيات عنده مو مكتوبة، هي مُعاشة. والأفكار لا تُقحَم في النص، تخرج منه بشكل طبيعي كأنها كانت مختبئة في الكلمات منذ البداية.

    أنا من المنتظرين للرواية كاملة بفارغ الصبر. شكراً للموقع على نشر هذا الفصل.

قصص قريبة