في حوض أسماك زوكربيرغ

بتنا أشبهَ بأسماك في حوض بلّوري عملاق يَرمي فيه زوكربيرغ ما يمدُّنا بالحياة متى شاء. فإن سها عن ذلك لحظةً واحدة، متنا على الفور. تحوّلَت المنصّاتُ الاجتماعية إلى رحِمٍ كبيرة، ونحنُ داخلَها مثل أجنّة لا تحيا من دون الحبل السرّي الذي تمدُّنا بِه هواتفُنا.

في حوض أسماك زوكربيرغ
(رسلم لـ باول كوزنسكي/ بولندا)

“التقدُّم والكارثة صنوان، أو وجهان لعملة واحدة”. قفزَت مقولة المفكّرة الألمانية حنّة آرنت إلى ذهني مباشرةً بعد توقُّف “فيسبوك” الإثنين الماضي. لم يدُم الانقطاع سوى ستِّ ساعات، لكنّها كانت دهراً عند رُوّاد الموقِع. كانت الساعاتُ الستُّ كافيةً لإصابة العالَم بالذعر، وكأن وباء جديداً قد اكتُشف.

ازدهَرت سوقُ الإشاعات والفرضيات، قبل أنْ يتنفَّس الجميعُ الصُّعَدَاء بعودة حساباتهم، ثم سرعان ابتلعَت روايةُ مؤسِّس الشركة، على أنّ ما حدثَ سببُه عطب تقني، الكثيرَ من الغضب والمخاوف؛ فقد نجَح مارك زوكربيرغ في الظهور بدور الضحية مِن خلال فيضٍ مِن الإحصائيات التي تُعدّد الخسائر التي تكبَّدها. أمّا نحن، فعلَينا أنْ ننسى الأمر ونُواصِل محادثاتنا وألعابنا.

لكن، ماذا لو نظرنا إلى الأمر مِن زاوية حنّة آرنت، أي مِن زاوية الوعي بالكارثة؟ المقصودُ بالكارثة، هنا، هو الارتهان إلى شركةٍ ميزانيّتُها أضخمُ مِن معظم ميزانيات دُوَل العالَم، ولو جرى عدُّ المتداخِلِين بخدماتها لقُلنا إنّها بمثابة قارّة جديدة.

كانَت لحظاتُ التوقُّف تلك أشبهَ بانقطاع الأنفاس عن ثُلُث سكّان الأرض. ارتبك مُدمِنو الخدمة وهُم ينتقلون مِن منصّةٍ إلى أُخرى فيجدون أنفسَهم منقطِعين عن العالم، عن الزمان والمكان، واعتقدَ كثيرون أنَّ هواتفهم تعرّضَت للاختراق. ويومها، رأَينا معنى العولمة متجسِّداً ومكثَّفاً في مساحةٍ زمنية قصيرة.

العولمةُ، بهذا المعنى، هي إمكانيةُ انقطاع أصواتنا جميعاً حين يكبس أحدهم على زرّ من الأزرار… إمكانيةُ قطع أوصال العالَم لسبب مدروس أو غير مدروس، أو مِن دون سبب أصلاً. إنه “ثقبٌ أسود” جديد يبتلع الحياة الحقيقية لكلّ سكّان هذه الأرض.

وقد أثبتَت تجربةُ الساعات الستّ تلك أنَّ سكّان الأرض باتو أشبهَ بأسماكٍ في حوض بلّوري عملاق، يَرمي فيه زوكربيرغ (وغيرُه) ما يمدُّهم بالحياة متى شاء، وإن سها عن ذلك لحظةً واحدة، ماتوا مِن فورهم. تحوّلَت المنصّاتُ إلى رحِمٍ كبيرة، ونحنُ داخلَها مثل أجنّة لا تصلها عناصِر الحياة من دون الحبل السرّي الذي تمدُّنا بِه هواتفُنا. لنتذكَّر مَشاهد من فيلم “ماتريكس” الذي بشّرَنا، قبل أكثر مِن عقدَين، بهذا العصر الجديد.

لم يَخسر زوكربيرغ شيئاً مقارنةً بما خسرنا مِن حياتنا واستقلاليتنا الفكرية؛ فقد أصبَحنا سجناءَ في زنزانة كبيرة كلُّ نوافذها تُطلّ على ساحة “البنتاغون”، أو رهائنَ في جزيرة لا تقودُ محاولةُ الهرب منها سوى إلى العدم، وربما إلى مشهدٍ أكثر فظاعة. هل ننسى أنّنا أودعناه كلّ صُوَرنا، كلّ تفاصيل حياتنا وذكرياتنا وميولاتنا وحروبنا الصغيرة وصور أحبابنا وبوحنا لأقاربنا وأصدقائنا؟

ماذا لو كان العطب القادم انهيارَ كلّ برامج الحماية فجأةً؟ ماذا لو كان حرباً معلوماتية تُشكّل فيها تفاصيلُنا الدقيقة ورقةً في ملفّ ابتزاز سياسي؟

هكذا دخلتُ لعبة حنة أرنت، فكانت أشبهَ بإطلالة على الهاوية، ووجدتُ أنَّ سؤالاً سيظلُّ يُلحّ عليَّ بلا هوادة: هل ستكون هناك حياةٌ خارِج مواقع التواصل الاجتماعي؟

ناشطٌ مدني وكاتب مقال ورسّام كاريكاتير تونسي من مواليد 1975. يعمل في القطاع المالي والاستشاري، ويهتمُّ بأدوات تجديد الثقافة السياسية وتنظيم التطوُّع الشبابي لخدمة قضايا الشأن العام والبيئة.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة