في نقد النيوليبرالية

يحاول الكتاب إعادة تشكيل المعنى المفقود في نقد المنظومة النيوليبرالية التي لا يُنظر إليها عادةً سوى من منظور سياسي واقتصادي، ويرمي من خلال تبنّي مقاربة فلسفية إلى الوقوف أيضاً عند التوجُّه البديل نحو مفاهيم يمينية مثل "الأمّةّ"، و"السيادة"، وكذا الدين.

في نقد النيوليبرالية
(غابرييلي غوزي، يمين، وجيمينيلو بريتيروسي)

“في وجه جالوت: بيانٌ من أجل الديموقراطية السيادية” (2020) عنوانُ إصدار يفتتح سلسلةَ بحوث سياسية عن “منشورات روغاس” في إيطاليا، وهو عبارة عن محاوَرة بين الخبير الاقتصادي غابرييلي غوزي (Gabriele Guzzi) والفيلسوف جيمينيلو بريتيروسي (Geminello Preterossi) حول مواضيع كأزمة التمثيل الديمقراطي وتصحُّر القيم بعد ثلاثين سنةً من ممارسة النيوليبرالية مِن دون أن تواجَه بمقاومة حقيقية. الكتاب محاولةٌ لتقديم اقتراح سياسي تقدُّمي جاد، بعيداً عن النماذج الفيتشية كنموذج غريتا تونبرغ، ومِن دون “تزمُّت التقليديّين الجُدد أو معاداة الجنس”، وبعيداً أيضاً عن هوس التميع الجندري.

هي عملية مضادّة للتيار السائد، بالنظر إلى أنه وبعد مناهضة البرلوسكونية ومناهضة السالفينية، ومناهضة دعاة السيادة الوطنية، ومناهضة الفاشية في نسختها المحدَّثة ـ على طريقة برامج الكومبيوتر ـ قد يقوم اليسار الإيطالي على الأرجح باختراع شبح جديد من أجل خوض معاركه غير المفهومة. فقد غدا من المعروف أنَّ شريحة ناخبي اليسار التاريخيّين في إيطاليا لم تعُد قابلةً للإغواء من خلال مقترح “المناهضة” هذا، ولا حتى من خلال تلوينه بالأخضر أو بألوان قوس قزح. والواقع أنه ومنذ سقوط الاتحاد السوفياتي لم يتمكَّن اليسار من صنع هوية خاصة به بعد أن فَقد كلّياً البوصلة.

إلا أنه، وفي خضمّ نقد كوارث النيوليبرالية، قد يكون من السهل الانزلاق إلى مقترحات العودة إلى الماضي والأنظمة السياسية البالية، أو مِن وجهة نظر فلسفية تبنّي تطلُّعات التقلديّيين الجُدد. لكنَّ الحداثة غير قابلة للإلغاء، تماماً كما هي العلمنة. وفي المقابل، يُمكن تقديم نقد نيو محدث للحداثة من أجل “تجاوز النيوليبرالية حيث فشلت… انطلاقاً من وعدها الذي لم تتمكّن من الإيفاء به في تحرير الأفراد”. فبعد ذلك “الوعد التحرُّري”، هل أصبحنا فعلاً أكثر حرية بعد ثلاثين سنة؟ هل أعطت مرونة العمل انطلاقةً جديدة للاقتصاد، أم أنَّ العمل المؤقَّت يزيد من حدّة تبعات الأزمة الاقتصادية؟ هل نموذج التنمية المقترَح هذا يُمكن أن يمنح لـ”الجميع” السعادة ويُرضي حاجاتهم الأساسية، والتي قد تؤدّي للرفاه، المفهوم الذي بقي متروكاً على قيد الحياة من أجل جذب التأييد للشيوعية؟

على الأرجح، قد يقوم اليسار الإيطالي باختراع شبح جديد من أجل خوض معاركه غير المفهومة

خطرٌ آخر لا يمكن إغفاله أيضاً هو التطرُّف النيوليبرالي الذي يُغذّيه شعور مُتجدِّد بمناهضة الدين من أجل تشتيت الانتباه عن الإخفاق الذي لا يمكن لأحد أن يُنكره لهذه الأيديولجيا وإيعاز فشلها التحرُّري إلى الأخطار المتوهَّمة الناجمة بحسبها عن عدم اكتمال عملية العلمنة المطلقة للمجتمعات. صحيح أنّنا نعيش اليوم هيمنةً إعلامية لصالح تعداد الأموات، لكن هذا لا يجب أن ينسينا أنه، وقبل عام واحد فقط، كان هناك من لا يكفّ في إيطاليا عن التذكير بالخطر الإسلامي. لقد مرّت عشرون سنة على مناقشة تيزيانو تيرزاني (Tiziano Terzani) لـ أوريانا فالاتشي (Oriana Fallaci)، وخروجه بنتيجةٍ مفادُها أنَّ الغرب يحاول جعل الإسلام العدوَّ الذي لا بدّ من الاستعاضة به عن الشيوعية بُعَيد سقوط الاتحاد السوفييتي.

في المقابل يرى غوتزي وبريتيروسي، في هذا الكتاب، أن الفكر الديني من شأنه أن يلعب دوراً هامّاً في إعادة تشكيل “رؤيةٍ أكثر اتّساعاً للحاضر وللإنسان المعاصر”، وذلك من أجل إعادة تشكيل ذلك المعنى المفقود في نقد النيوليبرالية، والتي لا يُنظر إليها سوى بكونها نموذجاً فكرياً سياسياً واقتصادياً، بالرغم ممّا “تعجّ به من صور، ورموز، وأساطير، ورؤىً جدّ قويّة” تُغذّي “حلم التحررُّ الشامل” الذي لم يتحقَّق قَطّ.

المسائل الأخلاقية في الأجندة النيوليبرالية

عندما تتعرّى الفكرة مما علق بها من رواسب لعشرات السنين من انعدام التأمُّل، سيكون مصير كل ما صنعه طوطم الأيديولوجيا من أوهام هو التحلُّل. وبالنسبة إلى المسائل الأخلاقية، فهي يمكن أن تُطرَح من زوايا مختلفة في المجتمعات الحرّة، لذا لا بُدّ أن تكون هناك مساحة لنقاش تعدُّدي حقيقي فيها. ففي وجه “الليبرالية في الإنجاب”، مثلاً، لا يوجد فقط متزمّتون منغلقون، ولكن أيضاً فلاسفة ملحدون من أمثال يورغن هابرماس (Jurgen Habermas).

لذا، فإن مربط الفرس بالنسبة إلى غوزي وبريتيروسي، في هذا الكتاب، تكمُن في أنَّ الحرية الكاملة للفرد وكرامته يفترضان “رفض تسليع الذات، وتحويل الإنسان إلى سلعة، سواء من طرف الأفراد أو من أرباب العمل”. وعلى على هذا الأساس، إذا ما وقفنا على اليسار لا يُمكن إلّا نسأل أنفسنا: “نحن لسنا سوى غبار كوني، مادّة عضوية، يمكن أن تُسيَّر، وتسلَّع، وتقارَب تقنياً، تماماً كأيّ مادّة أُخرى، أم أنّنا إزاء شيء آخر؟”. مَن يعتقد أننا إزاء شيء آخر، عليه ـ وهو يناقش مواضيع كتأجير الرحم مثلاً ـ أن يمتلك الشجاعة ليُخبرنا بذلك…

التعدُّدية في إيطاليا

في إيطاليا، لا يزال الواقع يُخبرنا أنه لم يُفتَح أيُّ نقاش جادّ بشأن المجتمع المعولَم ما بعد العلماني، والعلاقة بين الأديان في الفضاء العام.

في عام 1993، ذهب جون راوز (John Raws) إلى التأكيد أنّنا، في عصر الحداثة، نشهد علمنةً للدول مِن دون أن يرافق ذلك علمنة للمجتمعات بذات الخطى المتسارعة. ومباشرة بعد أحداث الحادي عشر مِن سبتمبر/ أيلول، أطلق يورغن هابرماس نقده للعلمانية الجامدة في اليبرالية المعاصرة. وفي معرض تحليله للمجتمع المعلمَن الذي نحيا فيه، يؤكّد هابرماس أنَّ هناك بعثٌ للأديان لا يمكن التغاضي عنه، بل لا بُدّ من إشراكه في النقاش السياسي. غير أنه، وفي النسيج السياسي للعواصم الغربية الكبرى، على غرار روما وميلانو، ثمّة تعدُّدية دينية موضوعية لا تعكس، للأسف، واقع التعدُّدية المجتمعية.

في وجه جالوت

(غلاف الكتاب)

وقد نظّر مفكّرون كُثر لضرورة وجود تعدُّدية تضع على نفس المستوى المؤمنين وغير المؤمنين، فضلاً عمّن يملك معتقدات دينية مختلفة. مفكّرون يؤمنون بغايةٍ من وجود الإنسان على الأرض، مثل فيلسوف الغائية الجماعانية تشارلز تايلور (Charles Taylor)، ومفكّرون ليبراليون معارضون للغائية من أمثال أشعيا برلين (Isaiah Berlin) ولم يكن برلين يؤمن ببشر هناك هدف من وجودهم في هذه الحياة، لا مِن وجهة نظر دينية ولا من وجهة نظر أرسطية، إلّا أنه مع ذلك وضع مفهوماً هامّاً للغاية حول “الحرية السالبة”، إلى جانب “الحرية الموجبة”.

ففي مجتمعات حرّة فعلاً، لا بُد مِن أن نكون أحراراً حتى في إظهار درجة علمنتنا. لكنَّ هذه الحرية على اليسار بالتحديد ليست مكفولة البتّة. في مجتمع حرّ حقّاً، لا ينبغي إقصاء سوى عدم التسامح من النقاش العام (مفارقة بوبر، 1945)، وهذا الأخير (أي عدم التسامح) ليس حكراً على الفكر الديني.

تطرُّفٌ نيوليبرالي يُغذّيه شعور بمناهضة الدين لتشتيت الانتباه عن الإخفاق الأيديولوجي

في إيطاليا، وعندما يجري الحديث عن دور الدين في الفضاء العام، هناك مواقف متنوّعة إزاء الكاثوليكية، أمّا عن اليهود فلا يمكن الكلام، وأمّا في زاوية ضيّقة جدّاً اسمُها “الحوار بين الأديان”، فيجري زجُّ الأقلّيات الأُخرى، لا سيما الإسلامية. هذا المخطَّط يُعتَبر لا ليبرالياً من حيث أنه أشبه بحبس عقائدي يجعل كلّ الأقليات الدينية ترزح تحت وطأة الكنيسة الكاثوليكية. هذه الأخيرة تبقى الديانة الوحيدة الوازنة في الفضاء العام، بكل ما يحيط به دورها منذ توحيد إيطاليا إلى يومنا هذا، ومروراً بالامتيازات التي عفا عنها الزمن ولا تزال الكنيسة تحظى بها منذ فترة العشرينيات الفاشية.

لكن، ومن أجل ضخّ الحياة مجدَّداً في النقاش العام حول دور الفكر الديني ووضعه على نفس الطاولة مع الفكر غير الديني، لا بُدَّ مِن خلق مساحة تعدُّدية للبحث عن أرضية تَوافق حول المبادئ، من أجل الوصول إلى “اتفاق تقاطُع” ضمن الليبرالية السياسية من منظور جون روس. وبالنسبة إلى هابرماس، لا بُدّ للفكر الديني، ضمن هذه الآلية، أن يُصاغ بلغة لا إيمانية، بسبب عدم فعاليتها، في حين أن هذا في الحقيقة لا يعني سوى أننا إزاء إشكالية إنكار حق الجنسية السياسية للفكر الديني.

كان لا بُدّ أن يثير أحدُهم أخيراً هذا الموضوع في إيطاليا.

ترجمة عن الإيطالية: رحبة – المصدر: صحيفة “لا لوتشي” الإيطالية

كاتب من إيطاليا

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة