“قناة الجزائر الدولية”: 365 يوماً من الإخفاق
من مدخل مقرّ "قناة الجزائر الدولية" في "قصر المعارض" بالجزائر العاصمة (تصوير: رحبة)

“قناة الجزائر الدولية”: 365 يوماً من الإخفاق

ظلَّت القناةُ الإخبارية الجزائرية شبه فارغةٍ من أيّة برامج لافتة، ولم تسجّل حضوراً يُذكَر في الأحداث التي شهدها العالَم طيلة سنة، وهو أمرٌ يستمرّ مع دخولها سنتها الثانية، والذي كان يُفترَض أن يكون مُناسَبةً لإطلاقها بحلّة وشبكة برامجية جديدتَين.

“قناة الجزائر الدولية تعتذر عن استخدام خريطة للوطن العربي غير تلك المعتمَدة مِن الجامعة العربية، وتُؤكّد أنّ ذلك لا يعدو إلّا أن يكون خطأً فنّياً مِن قسم الغرافيكس”.

بهذه الكلمات، اعتذرَت قناة ” AL 24 news”، السبت الماضي، عن نشرها خريطةً للمنطقة العربية، غير تلك المعتمَدة مِن قِبَل “الجامعة العربية”، التي تَعقد أشغالَ دورتِها العاديّة الحادية والثلاثين في الجزائر العاصمة اليوم وغداً.

 

… ما لا يفعله به عدوُّه

نقع، في النصّ المقتضَب، على خطأ لغوي لافت؛ فعبارة “لا يعدو إلّا أن يكون” تُفيد عكس ما أراد كاتبو الاعتذار قولَه: “لا يعدو الأمرُ أن يكون خطأً فنّياً”؛ أي “لا يتجاوز الأمرُ أن يكون خطأً فنّياً” أو “ليس الأمر سوى خطأ فنّي”. فبإضافة حرف إلّا، أصبح المعنى: “ليس ذلك خطأً فنّياً”.

غير أنّ أكثر ما يلفت في النصّ ليسَ الخطأَ اللغوي الذي يُمكن تصحيحُه بمجرَّد إزالة أداة الاستثناء منه، بل نِسبةُ نشر الخريطة إلى قسمٍ بعينه، كما لو كان قسماً مستقلّاً عن القناة أو يقع خارجها. وبذلك تُقدّم “قناة الجزائر الدولية” فكرةً مفادُها أنّها تعيش في حالة مِن الفوضى والتسيُّب، لدرجة أنّ العامِلين في قسم “الغرافيكس” يُصمّمون صوَراً وينشرونها بمعزل عن قسم التحرير.

وبالنظر إلى هذين الخطأين، اللغوي والمضموني، اللذين وردا في جملة لا تتعدّى سطرَين، يُمكن أنْ نفهم علّةَ المشكلة التي أدّت بالأمانة العامّة للجامعة العربية إلى إصدار ما سمّته “تحذيراً هامّاً” تضمَّن، بالإضافة إلى الحديث عن خريطتها المتعمَدة التي لا تُظهر حدوداً سياسية بين الدول “تعزيزاً لمفهوم الوحدة العربية”، نَفْياً لوجود شركاء إعلاميّين في تغطية أشغال قمّتها و”لوجود صلة لها بأيّة مؤسَّسة إعلامية تدّعي هذه الصفة”، في إشارةٍ إلى القناة الإخبارية التي تكون قد قدّمَت نفسها بصفتها شريكاً إعلامياً في تغطية القمّة مِن دون أن تكون كذلك فعلاً.

وجّهَت القناةُ بذلك ضربةً لدبلوماسية الجزائر التي تقول إنّها تعمل على “لمّ الشمل العربي” في القمّة العربية الرابعة التي تستضيفها على أراضيها، وقدّمَت خدمةً ثمينةً للذين تتّهمهم الجزائر بمحاوَلة إفشال القمّة، حتّى أنّ وسائل إعلام مغربية استثمرت في ما حدث بكلّ ما أوتيت مِن جهد، قبل أنْ تعمل على تصوير اعتذار القناة لمُتابعيها وللجامعة العربية على أنّه اعتذارٌ للمغرب.

هكذا، وبدل أنْ تستثمر القناةُ، التي تمرُّ اليوم سنةٌ على انطلاقتها، فرصةَ انعقاد القمّة في الجزائر لتقديم تغطية إخبارية متميّزة تجعلُ منها – ولو لأيّام – مصدراً للإعلام العربي والدولي، استبقَت المناسَبة بأنْ صارت هي نفسُها مادّة صحافية تتناقلها وسائل الإعلام العربية والدولية.

وفي المحصّلة، فإنّ المحطّة التي أُطلقت بهدف “تحسين صورة الجزائر دولياً”، أدَّت، مِن حيث يعلم أو لا يعلم القائمون عليهاً، دوراً في الإساءة إلى تلك الصورة.

 

ابحَث عن الارتجال

قبل سنةٍ من اليوم، انطلقَت “AL 24 news” مِن مبنىً صغير في “قصر المَعارض”، غربَي الجزائر العاصمة، بأهداف كبيرة؛ مِن قَبيل أن تكون “صوتاً للجزائر في الخارج وواجهتَها في العالَم”، و”حصناً متيناً للدفاع عن الجزائر بالصوت والصورة”، و”مُنافِساً لكُبريات القنوات الإخبارية العالمية”، وهذه العباراتُ سترِد على لسان سليم عقّار، الذي سيُعيَّن مُديراً عامّاً للقناة قَبل أقلّ من شهرَين على إطلاقها.

وخلال حفل إطلاق القناة، لم يكتفِ عقار، الذي كان مديراً لـ”سينماتيك الجزائر العاصمة” منذ 2018، بترديد كلام وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة الجزائرية حينها، عمّار بلحيمر – الذي أعلن في فبراير/ شباط 2021، اعتزام إطلاق قناة إخبارية دولية بهدف “تعزيز وجود الجزائر إقليمياً وتحسين صورتها دولياً” – بل راح يُبشّر بأنّ المحطَّة الجديدة ستُحدث “ثورةً في الإعلام، وفي المشهد الإعلامي العربي والمغاربي”.

منذ البداية، بدت هذه الأهداف والوعود أكبر بكثير مِن الإمكانيات البشرية واللوجستية المُخصَّصة للقناة، وغيرَ متناسبةٍ مع الاختلالات التي شهدتها حتّى قبل انطلاقها، وأيضاً مع الوقتِ القصير الذي خُصّص للتحضير لها.

فعلى صعيد الإمكانيات، لم تُوفَّر للقناة استديوهاتٌ متطوّرة وغرفة أخبار مجهَّزة بتقنيات حديثة، بل حُشرت داخل مبنىً صغير لا يحتوي سوى على القليل مِن التجهيزات المتواضعة، في انتظار الانتقال، في وقت لاحق، إلى مبنىً أكبر وأحدث، وهو ما لم يحدث إلى اليوم.

ومِن جهة أُخرى، عمدَت القناةُ إلى توظيف خليطٍ مِن الصحافيّين والتقنيّين القادمين من وسائل إعلام عمومية وخاصّة، كثيرٌ منهم ليسوا أفضَل مَن في الساحة، وجزءٌ كبير منهم قدِم من قناةٍ خاصّة متواضعة، في ظلّ مسابقَة الزمن للظهور على الهواء في الوقت المحدَّد.

وعلى عكس القنوات الإخبارية “الدولية”، لم تَستعن القناة بمُراسلِين حول العالَم ولم تَفتتح مكاتبَ لها في عواصم عربية وغربية، وكأنّ القائمين عليها اكتفوا بكلمة “الدولية” التي تَظهر في اسمها، كما لو كان مجرّدُ وجود هذه العبارة كافياً لأن يجعل منها قناةً دولية فعلاً.

قد تُفسَّر هذه المسألةُ، في جانب منها، بطبيعة المنظومة البنكية الجزائرية التي تجعل من تحويل أُجور المراسلِين وموظَّفي المكاتب في الخارج أمراً بالغ التعقيد، لكنّه قد يُفسَّر أيضاً بغياب الجدّية، أو الإرادة السياسية، في أنْ يكون للقناةِ حضورٌ فعليٌّ في المشهد الإعلامي الدولي.

يُضاف إلى كلّ ذلك عاملُ الوقت الذي لم يسمح بالتحضير للقناة بشكل جيّد وإعداد شبكة برامجية متكاملة قبل إطلاقها؛ إذ لم يَفصل بين لحظة الإعلان عن القناة ولحظةِ إطلاقها الرسمي سوى ثمانية أشهر، وهو وقتٌ غير كافٍ لإطلاق قناة تلفزيونية. كان واضحاً وجودُ إرادةٍ لإطلاق القناة في الأوّل من تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، بالتزامُن مع الذكرى السابعة والستّين لاندلاع الثورة الجزائرية، كيفما اتّفق، حتّى وإنْ أطلَّت على المشاهدِين بصورة هزيلة على مستويَي الشكل والمضامين.

 

بِاسمَين ورأسَين

قبل أنْ يستلم عقار إدارتها، عُهد إلى الصحافيَّين الجزائريَّين في قناة “الجزيرة” القطرية، نصر الدين علوي ومحمّد دحو، بالتحضير لما يُفترَض أن يكون قناةً إخباريةً دولية. وبالفعل، قدَّم الأخيران تصوُّراتهما حول المشروع، وبدآ بتشكيل فريق عملٍ صغير مكوَّن من صحافيّين ومرُاسلين ومحرِّرين. لكن، سرعان ما انسحبا مِنه، بعد أن تبيَّن لهُما أنّ أيّاً من مقترحاتهما لم يُؤخذ بعين الاعتبار؛ بل إنّهما سيُفاجآن بظهور محطّة جديدة على الأقمار الصناعية باسم “AL 24 news” مِن دون علمهما، ومِن دون إشراكهما في اختيار الاسم والشعار.

كان ذلك مؤشّراً كافياً على أنَّ القناة لن تحظى بالاستقلالية المطلوبة في التخطيط والتسيير، وأنّ جهاتٍ نافذةً كثيرة ومتداخلةً ستفرض رؤاها على المشروع، حتّى وإنْ لم تكُن تلك الرؤى سليمةً بالضرورة، مثلما هو الأمرُ بالنسبة إلى التسمية الذي كان جليّاً أنّ مَن اختارها كان واقعاً تحت تأثير قناة “فرانس 24” الفرنسية، فلم يستطع التفكير أبعدَ منها، وإنْ أضافَ عبارةً شارحة هي “قناة الجزائر الدولية” التي ستُصبح بمثابة اسمٍ ثانٍ للقناة. والنتيجةُ اسمٌ طويلٌ يتكوَّن مِن ستّ كلمات، بالعربية والفرنسية، يزدحم بها الشعار الذي يَفتقر إلى الإبداع.

انتهَت مرحلةُ علوي ودحّو قبل أن تنطلق القناة الإخبارية التي ستُلحَق إدارياً ومالياً بـ”المؤسّسة الوطنية للنشر والإشهار” (ANEP)، لتبدأ مرحلةُ سليم عقار وسعيد مقدَّم (رئيس القسم العربي) ونبيلة حسين (رئيسة القسمَين الفرنسي والإنكليزي)، والذين وجدوا أنفسهم مطالَبين بإطلاق القناة في وقت قياسي؛ فبدأوا رحلةً ماراثونيةً مِن أجل تحقيق ذلك، اتّسمَت بقليل من التخطيط وكثير مِن الارتجال.

اتّضحَ ذلك منذ اللحظة الأُولى من البثّ؛ إذ ظهرَت على الشاشة قناةٌ مُتواضعةٌ شكلاً ومضموناً، هي أقربُ ما تكون إلى القنوات الجزائرية الخاصّة، وأبعدُ ما تكون عن “كُبريات القنوات الإخبارية العالمية” التي وعد عقار بمنافستها. فباستثناء جودة صورتها مقارنةً بأخواتها، لم تُحقّق “الجزائر الدولية” أيّ اختراق في حقل الإعلام السمعي البصري في البلاد.

بعدَ أشهر قليلة، سيجد مقدّم وحسين نفسيهما خارج القناة، مع تعيين الصحافي السابق في قناة “الشروق نيوز”، فاتح بومرجان، مُديراً للأخبار بصلاحيات تفوق تلك الممنوحة لعقار الذي سيظلُّ محتفظاً بمنصبه مديراً عامّاً، لكن مِن دون أيّة صلاحياتٍ تُذكَر.

وفي المراحل الثلاث، ظلّت العلاقاتُ الشخصية، لا الكفاءة، المعيار الحاسم في التوظيف، مثلما ظلَّت القناةُ شبه فارغةٍ من أيّة برامج لافتة، ولم تسجّل حضوراً يُذكَر في الأحداث التي شهدها العالَم طيلة سنة، وهو أمرٌ يستمرّ مع دخولها سنتها الثانية، والذي كان يُفترَض أن يكون مُناسَبةً لإطلاقها بحلّة وشبكة برامجية جديدتَين.

 

أصل المشكلة

قد يكون في تحميلِ القائمِين المُباشرٍين على القناةِ وحدَهُم مسؤولية الوجهِ الشاحب الذي ظهرت به طيلة سنة مِن عمرها شيءٌ من عدم الإنصاف؛ إذ ينبغي تحميلُ الجانب الأكبر من المسؤولية لـ”العقول” المُدبّرة للسياسة الإعلامية في الجزائر، أو لنَقُل للمسؤولين عن تلك السياسة، والذين يبدو أنّهم لا يزالون يرون في الإعلام محضَ وسيلة دعائية بالأساليب السافرة القديمة، أو في أحسن الأحوال يفتقدون إلى تقدير أهمية القوّة الناعمة وما بإمكان الإعلام أنْ يُحدِثه من تأثير في عالَم اليوم.

يُفوّت ذلك على القناة بشكل خاصّ، وعلى الإعلام الجزائري بشكلٍ عامّ، الالتزام بالمهنية والدقّة العالية واتّزان الطرح والمعالجَة في جميع القضايا التي تتناولُها، بما في ذلك القضايا ذات الصلة المباشِرة بالجزائر، لأنّه يغفل عن حقيقة أنّ ما يُحقّقه الطرحُ الرصين والراقي، الذي يعتمد على المصداقية والموضوعية (الموضوعية لا الحياد)، ويهدف إلى كسب ثقة المُشاهِد، يَعجز الطرحُ الانفعالي عن تحقيقه.

مِن الضروري، هنا، الإشارة إلى أنّ “قناة الجزائر الدولية”، وبعد مرور سنةٍ على انطلاقتها، لا تزال تفتقر إلى هوية تحريرية واضحة وموحَّدة تعتمد مسطرةً دقيقة للمصطلحات. ذلك ما لفتني خلال متابعتي، مثلاً، لتغطية القناة للعدوان الإسرائيلي على غزّة في أغسطس/ آب الماضي؛ فبعضُ التعبيرات التي استُخدمت في نشرات إخبارية تترك انطباعاً لدى المشاهِد بأنّه يُتابع قناة ذات توجُّه إسلامي. فمثلاً عبارتا: “ارتقاء واحدٍ وأربعين شهيداً”، و”الكيان الصهيوني” (تكرّرت العبارة كثيراً) تليقان بقناة “الأقصى” التابعة لحركة المقاومة الإسلامية أو “المنار” التابعة لحزب الله، والأفضلُ منهما بالنسبة إلى قناةٍ إخبارية جزائرية تعبيرا “استشهاد واحد وأربعين فلسطينياً”، و”الاحتلال الإسرائيلي” (من المهمّ التذكير المستمرّ في الخطاب الإعلامي بأنّ القضيّة الفلسطينية تتعلّق باحتلال أرض).

يعكس ذلك، في جانب منه، احتكام القناةِ إلى الخيارات والتوجُّهات الأيديولوجية الشخصية للعاملين فيها، لا إلى توجُّهات الدولة الجزائرية.

وقبل ذلك، لفتني منشورٌ على صفحة القناة في فيسبوك أُرفق بمقطعٍ من برنامج بثّته. تضمَّن المنشور العبارة التالية: “الصحافي فلان يردّ بالثقيل على… “؛ وهذه لغةٌ تُذكِّر بأساليب القنوات الخاصّة ومنشورات مواقع التواصُل الاجتماعي التي تنتهج الإثارة الرخيصة بحثاً عن تفاعُل أكبر، وهي أساليب يُفترَض بقناة إخبارية رصينة أن تبتعد عنها، مثلما يُفترَض أن تبتعد عن أسلوب الإعلام الحكومي؛ لأنَّ تكراره يجعل من وجودها أمراً بلا معنىً من الأساس.

مِن المؤكَّد أنّ صناعة “صوتٍ للجزائر في الخارج وواجهةٍ لنها في العالَم”، و”حصنٍ متين للدفاع عنها بالصوت والصورة”، و”مُنافسٍ لكُبريات القنوات الإخبارية العالمية” و”ثورةٍ في الإعلام، وفي المشهد الإعلامي العربي والمغاربي” وغيرها من الشعارات الكبيرة لن تتحقّق باستنساخ تجربة القنوات الجزائرية الخاصّة أو اتّخاذها معياراً للمنافسة، ولا باستنساخ تجربة الإعلام الرسميّ (توجد بالمناسبة قناة إخبارية رسمية هي القناة الثالثة للتلفزيون العمومي)، بل من خلال ابتكار نموذَج ثالث لا يبدو أنّ ثمّة، في الوقت الحالي، إرادة سياسية لتحقيقه.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة