“قهوة الرمّانة”… يومٌ مع محمّد ديب وعلي عبدون
(تصوير: رحبة)

“قهوة الرمّانة”… يومٌ مع محمّد ديب وعلي عبدون

كان مِن الجميل لو ناولني عمّي الزبير كوب شاي بالنعناع. لكنّني اليوم شعرتُ أنها مريضةٌ بالوحدة. "قهوة الرّمانة" ليست بحاجة إلى ترميم بنيانها، هي بحاجة لأنفاس الزّوار وحركتهم، إلى سماع نُكَتهم وأخبارهم وأسرارهم.

بمعطفه الرّمادي الفخم، مرَّ مِن أمامي متأبّطاً جريدته التي تبلّلت قليلاً برذاذ المطر. حاولتُ تهجئة العنوان العريض المكتوب بالفرنسية، لكن خطواته السريعة منعتني. أيكون هُو أم شخصاً يشبهه؟ ماذا يفعل في درب سيدي حامد؟

تبعتُه وأنا أتخطّى الأكتاف حتى أوشكتُ على اللحاق به. انعطفَ يميناً كما توقّعت. لا شكّ أنّه هو… سيلج الباب الخشبيَّ حتماً ويجلس في مكانه داخل المقهى، سيطلُب شاياً من عمّي الزبير. سأتطفّل عليه وأشاركه الحديث ولو أبى.

لم يدخل! أكمل مسيره باتجاه المارشي. إنه موسم البرتقال، هل كان من عشّاق الحمضيات؟ لم أقرأ عن هذا من قبل.

في انتظاره

الساعة العاشرة صباحاً. عدتُ أدراجي إلى قلعة المشور لألحق بصديقي علي عبدون أو “واڨا” كما يحلو للجميع تسميته. كنّا قد اتّفقنا أن نلتقي عند “دار الثقافة – عبد القادر علّولة” حتّى نتحدّث مطوّلاً عن “قهوة الرّمانة” التي يعرفها جيّداً، وكان في زمنٍ سبق من روّادها الأوفياء كغيره مِن بعض المثقّفين والفنّانين، كما أنّه قدّم في فنائها عرضاً مسرحياً حضره الكثيرون في أيام “تلمسان عاصمةً للثقافة الإسلامية” (2011).

اتصلّتُ به فأخبرني أنه في طريقه إليّ. فكّرتُ في قرارة نفسي كيف أُخبره أنّني رأيتُ شبح محمد ديب قبل لحظات… أنّني لمحتُ طيفه بعد سبعة عشر سنة من رحيله… هو بملامحه وربطة عنقه السوداء في 2020، هذه السنة الخيالية التي لم أعد أستبعد حدوث أي شيء فيها، بما ذلك عودة الموتى من العالم الآخر.

انتظرتُ مجيئه مِن شارع باريس، فباغتني من الجهة المقابلة. فضَحَته ابتسامته. بدا فرحاً بمجيئي. تعانقنا نكايةً في بروتوكولات الوقاية من الوباء. لم أدّخر وقتاً لأُخبره عن الشبح الذي رأيتُه مارّاً في الزّقاق. سألني إن دخل المقهى فنفيتُ ذلك. تنهّد وقال: ذاك الشبح قفز ذات مرّة من جدار المقهى وأقسَمَ أنّه لن يعود مجدّداً. إنّه غودو وأخاف أننا سننتظره كثيراً عند شجرة الرّمان.

فهمتُ أنه يقصد عودة الحياة إلى المقهى، وأنَّ غودو رمزُ الذكريات الجميلة والنوستالجيا التي أصبح ميؤوساً مِن رجوعها ومُرهِقاً جدّاً انتظارُها.

أضاف: ما رأيك في أن نزور المكان؟

درب سيدي حامد – تصوير بكر حمادي

(درب سيدي حامد)

درب سيدي حامد يئنّ تحت وطأة أقدام العابرين، الفضوليّين منهم والراغبين في التسوُّق… يتقاطع فيه الغادي والرائح وتسمع كلمة “اسمحلي” مئات المرّات من شدّة الزحام وكثرة التصادم. قُربَ طاولة صغيرة مملوءة بموديلات النظّارات، تتجلّى بوابّة خشبية مهترئة. أشار إليَّ واڨا بالدخول عبرها، تساءلت: هنا القهوة؟ كيف دُفِنَت بين كلّ هذه الأقمشة والأكسسوارات البلاستيكية؟

باب قهوة الرمانة – تصوير بكر حمادي

(باب قهوة الرمانة)

فتحنا الباب ودخلنا عبر بهو صغير فاستقبلتنا شجرة الرمّان. بفُرُوعها المنسحبة إلى الأرض، تبدو على هيئة المسيح المصلوب. جذعُها مُكبَّلٌ بالبيطون… تكاد تسمع أوجاعها. الجدران المحيطة بها صامتةٌ وتشبه شيخاً اجتاز عامه التسعين. مِن أوّل، وهلةٍ يظهر أنّه حلب شبابه قطرةً قطرةً ثمّ استسلم فجأةً لقبضة العجْز والخَرَف.

بهو قهوة الرمانة – تصوير بكر حمادي

(بهو المقهى)

أجول بين أركان المقهى فأسمع أصوات كلّ الذين توافدوا إلى المكان على مرّ العقود، طالبين خدماته التي تغيّرت عبر الزّمن:

تفضّلوا يا حجّاج بيت الله… (لمّا كان فندقاً يستقبل الحجيج الأندلسيّين في القرن الثاني عشر).

– جيب ذراع السلطان وكَيَّل… (لمّا كان مركزاً للميزان والكيل العادل).

– عطيني خمسة ڨوّارا أفراز وكاس آتاي… (أحدُهُم ينادي على النّادل).

– أي والله عذرا محضّرة طلّت من سرجم… (صانعُ النِّعال يُغنّي للشاعر قدّور بن عاشور).

– ما نعرفش ما شفتش ما سمعتش… (حين يُداهِم العسكرُ قهوة الرّمانة لاستجواب الزبائن).

استيقظتُ من سهوتي لمّا ناداني واڨا: هنا فوق السلالم، كان يجلس محمد ديب.

قهوة الرمانة – تصوير بكر حمادي

(هنا كان محمد ديب يجب الجلوس)

السّلالم نقطة مركزية تسمح بالتأمُّل وملاحظة التفاصيل… تُشبِه برج المراقبة؛ حيث يَرصد الكاتب تحرُّكات شخصياته، يختار أبطاله ويستلهم من وجوههم وأخبارهم قصصاً جميلة. هنا كتب محمد ديب عن جحّا، والمنصورية، وعن سجين الحياة. هنا، عند السلّم الإسمنتي، كتب مجموعته القصصية  “au café”.

التفتتُّ إلى صديقي فوجدتُه كالدرويش يطوف حول شجرة الرّمانة. فكّرتُ في استثارة ذاكرته، فناديتُ بنبرة الرّاوي في مسرحيته:

– 1953.. نشفى كي اللّي صرات البارح…

يبتسم واڨا ويكمل:

“طاح الليل وبديت نفكّر إيلا ماشي وقت الرحيل من هذا القهوة المظلّمة… قاعد وحدي مقابل كاسي نبرڨڨ في ذا القوم اللي يتكلّموا ويهجروا في فوضى، ويسَفّوا في الدخان بلا عبار و بلا ميزان. عياط الدومينو والكارطا كسروا لي راسي، غاشي مْزَرْبَع فوق كراسي لوح محكومين بالسّلك والمسمار وآخرين قاعدين فوق حصاير حلفة.

بالي هْمَل عند باب الخرجة، قاعد نحسّ بحاجة ثقّلت لي رجليا، برّا الجو ثْقال وفي ذا الركنة وسط هذا الدخان وسط هذا الهراج، وقدّام هذا الرمّانة كاين الرحمة وما دام ما عنديش باش ندخل لقمة العيش للأولاد، ما عنديش الشجاعة والوجه اللي يقابلهم، ولهذا اختريت باش نهرب لهذا الرمّانة لعلّ و عسى يرڨدوا بعد ما يتعبوا من المقارعة، من الجوع ومن الوجع والتّكداد.

ساعات نقعد هنا حتى يدّيني الرقاد، ولو ما عمّي الزبير يكاكيني ويفيّقني. ثلاث سنين ما دخلتش لداري.

“الدنيا كلبة وهادي عيشة كلاب رانا عايشينها!”.

(مِن نصّ “قهوة الرمّانة” لعلي عبدون، والذي حُوّل إلى عمل مسرحي عُرض داخل المقهى سنة 2011).

قهوة الرمانة – تصوير بكر حمادي

(علي عبدون في فناء المقهى حيث عُرضت مسرحيته عام 2011)

من الزريبة للدريبة.. من الدريبة للزريبة

إذا زرتَ تلمسان ومررتَ بأزقّة وسط المدينة الضيّقة والمتداخلة، ستنتبه إلى شبهها الكبير بشوارع القصبة في الجزائر العاصمة. هذا ما كان يُعيدني دوماً إلى سينما الثورة والنضال وهروب علي لابوانت واختباء المجاهدين في بيوت إخوانهم من الشعب.

اليوم، في جولتي، طرَأَتْ الصورةُ نفسها ببالي، صورة الهروب والنّفاذ، وقد تُصاحبها صور متضاربة أُخرى كالغدر والخيانة والجريمة والتخابُر والوشاية، فكلُّ الطُّرُق والأزقّة و”الدّرايب” تُؤدّي إلى مقهى الرّمانة. أهمّ الاجتماعات والصفقات تُبرَم داخلها… هناك وجوهٌ اعتادت على المجيء هنا، ووجوهٌ جاءت مرّةً واحدةً ولم تعُد. الله وعمّي الزبير بائعُ الشّاي يعرفانها جميعها.

درب سيدي اليدون في تلمسان – تصوير بكر حمادي

(درب سيدي اليدون قرب حي المَدرس؛ أحد أعرق أحياء تلمسان)

يعرف عمّي الزبير مَن أتى مَن الدريبة ومن أتى من الزريبة.

يعرف المركزيّين والمصاليّين، الحَرْكى والمغلوب على أمرهم، الاشتراكيّين والبورجوازيّين، الكراغلة واليهود وأصحاب الدشر والجبال، الحكماء والمشرّدين، من يكوون على “البوصفّير” والصاغة الذين يثقبون الأذن بعشرة دورو، السماسرة والحرفيّين، صانعي الحنبل وبليغة الحلفة، يعرف الفنّانين وشعراء الملحون، يعرف عشّاق المقانين ويعرف المقانين كذلك.

أيضاً في زمن العشرية السوداء، كان يُميّز عناصر الفريقَيْن مهما غيّروا من هيئتهم. حلقُ الذقن أو الاعفاء عنه لن يعبث بفراسة عمّي الزبير. 

“مُحرّكاً شعره الملولب، كان الشاب الذي عرفتُ أنَّ اسمَه زبير ينحني برأسه نحوي. راقبتُ حركاته بانتباه. كانت نظرتُه توحي بالنزاهة، وإن كان من الصعب، رغم ذلك، أَن أُخمّن أين يُريد أن يصل”. مِن قصّة “عمّي الزبير” مِن مجموعة “في المقهى” لمحمّد ديب.

وأنا بداخل المقهى، كنتُ أتمنّى أنْ أجد صدىً لتساؤُلاتي. كان مِن الجميل لو ناولني عمّي الزبير كوب شاي بالنعناع وصنع لي البلاغجي نعلاً مطرزّاً، وتابعتُ قعدة دومينو شرسة تتعارك فيها لهجات المنطقة المتنوّعة.

عند وقوفي أمامها اليوم، شعرتُ أنها مريضةٌ بالوحدة. قهوة الرّمانة ليست بحاجة إلى ترميم بنيانها، هي بحاجة لأنفاس الزّوار وضحكاتهم، بحاجة إلى حركتهم، إلى سماع نكتهم وأخبارهم وأسرارهم.

كاتبٌ جزائري من مواليد 1989 في مدينة تلمسان، حاصلٌ على شهادة ليسانس في علم النفس الإكلينيكي وماستر في التربية الخاصة بالموهوبين. صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “عرس بابا”. في 2017، أسّس “دار بوهيما” التي تهتمّ بالأدب والدراسات الفكرية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • أسماء
    02 يناير 2021 | 21:06

    رائعة... أعادتنا بشكل تصويري رائع إلى الحقب السابقة.

قصص قريبة