كأس العالم 2022: ليست الأرجنتين وحدها الفائزة

على صفحة تاريخ كرة القدم، ستحتكر الأرجنتين شرف الفوز بكأس العالم في دورة قطر 2022، فلا أحد يستطيع أن يشاركها استحقاقها الرياضي، لكنّ أمماً كثيرة ربما تحسن استثمار انتصاراتها في المونديال أكثر من بطل العالم ذاته.

كأس العالم 2022: ليست الأرجنتين وحدها الفائزة
"ميسي" لـ بِن ماوسلي (المملكة المتّحدة)، أكريليك على قماش، 80 × 80 سم

اختتمت، الأحد الماضي، نهائيات كأس العالم 2022 في قطر بفوز المنتخب الأرجنتيني باللقب في مباراة نهائية مجنونة حسمها زملاء ليونيل ميسي أمام صاحب اللقب في 2018، المنتخب الفرنسي، بعد تشويق طويل. وإذا كانت الأفراح قد عمّت شوارع بيونس آيرس دون غيرها من عواصم العالم احتفالاً بنجاح مهمَّة الظفر بالكأس، فإنّ انتصارات أُخرى قد سجّلتها أُممٌ كثيرة خلال المونديال، في ميادين أُخرى غير كرة القدم.

فرنسا التي انهزمت بمرارة في النهائي، هي أيضاً من بين المنتصرين، بل لعلّها من بين أبرز المنتصرين، وهو ما تُظهره الحفاوة التي تعامَل بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع اللاعبين والمدرّب ديدييه ديشان؛ فقد عاش الرئيسُ المباراة على أعصابه من المدرَّجات، جاعلاً من انفعالاته خطاباً سياسياً تواصَل بعد نهاية المباراة، حين نزل إلى الأرضية العشبية ليرفع من معنويات اللاعبين الذين طالما دعمهم، وطالما كال المديحَ لتنوّعهم الإثني.

ليس ماكرون بغريب عن مثل هذه المواقف، فقد سبق أن اجتهد في إبراز حضوره في نهائي كأس العالم 2018 في روسيا، حين نزل (مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين) ليحتفل في غرفة الملابس مع لاعبي المنتخب الفرنسي بعد التتويج باللقب. يُحبّ ماكرون أن تُنسب إليه “نهضة” الكرة الفرنسية وانتصاراتها التي يمكنها أن تمسح بعض الاهتراء في شعبيته.

بعيداً عن كرة القدم، تجد فرنسا صعوبةً في تكريس موقع لها ضمن اللعبة الجيوسياسية اليوم

لم تبلغ فرنسا درجةً من القوّة الكروية كما هي عليه اليوم، زمن ماكرون. ويمكن اعتبار مشاركة المنتخب الفرنسي في كأس العالم- قطر 2022 انتصاراً حقيقياً لرهان الدولة على “المنتخب الأزرق”. ولقد كرّست هذه الدورة فرنسا كواحدة من أبرز القوى الكروية في القرن الحادي والعشرين (لم تكن كذلك بالمرّة قبل فوزها بأوّل لقب عام 1998)، في وقت تجد البلاد صعوبة في تكريس موقع شبيه في اللعبة الجيوسياسية اليوم، مع تصاعد تحرُّكات بوتين شرقاً، وفرض أميركا هيمنها على المعكسر الداعم لأوكرانيا. أمّا في أوروبا فيصعب أن تتحرّك فرنسا دون مباركات الجار الألماني الذي يمسك بزمام كل المبادرات الاقتصادية.

وبحسابات الجيوبوليتك، يمكن القول بأنّ أكبر الفائزين في كأس العالم ليس الأرجنتين، بل هو البلد المستضيف الذي غالَب حملات التشويه والمقاطعة، وقدّم نسخة متطوّرة من كأس العالم سرعان ما جعلت كبار المسؤولين في “فيفا” في صفّ قطر. بل إنّ مجريات الدورة – تنظيمياً ورياضياً – فرضت تعديلات على خطاب أكثر البلدان إثارة للتشكيك حول تنظيم قطر، مثل ألمانيا التي انقلبت حملتها عليها حين تحوّل “مانشافت” من منتخب مرشّح للتتويج إلى أضحوكة كُروية، وفرنسا التي نشطت فيها دعوات المقاطعة ثمّ حقّقت مباريات كأس العالم أرقام قياسية في نسب المشاهدة.

قبل هذه الحملات التي تصاعدت في الأيام الأولى من البطولة، كانت قطر قد عبرت سنوات من الحصار الذي فرضه جيرانُها الخليجيون. قد تكون الديبلوماسية القطرية نجحت في فكفكة الحصار، لكنّ تصفيته الأخيرة جرت خلال كأس العالم، حين انفتحت الحدود بين الجيران الخليجيّين، ثم أتت البداية القوية للسعودية في المونديال (الفوز على الأرجنتين) كمؤشّر لبناء علاقة جديدة بين البلدَين.

ما حقّقته الدبلوماسية القطرية في كأس العالم خلال أيام هو أضعاف ما حقّقته عبر سنوات

وإذا كان هناك حديث عن إنجازات للدبلوماسية القطرية في العقود الأخيرة، فإنّ ما تحقّق في كأس العالم خلال أيام هو أضعاف ما تحقّق عبر سنوات، فلقد نجحت قطر في بناء صورة جديدة (ربما للعالم العربي إجمالاً) حين رأى العالم، إلى جانب تشييدات الملاعب، مدناً بكامل مقوّمات الحداثة من تجهيز وخدمات ورؤية بيئية. وبعد ذلك، شاهد العالم اختتام حفلة المونديال بتلك الحركة الرمزية مع ارتداء ميسي اللباس القطري وهو يحمل كأس العالم.

من المفارقات أن نتحدّث عن انتصار قطر في كأس العالم في وقت أنّ منتخبها قدّم مستوى ضعيفاً للغاية، ولم يُحقّق أيّ فوز في مبارياته الثلاث. وهو مثال يؤكّد بأنّ كرة القدم رهانٌ سياسي واستراتيجي أبعد من النتيجة الرياضية، فمباراة كرة قدم قد تجعل بلداً مرئياً في العالم أكثر من أيّ شكل آخر من أشكال الحضور الممكنة. ذلك ما فعله انتصار الكاميرون على البرازيل أو تغلُّب تونس على فرنسا أو فوز السعودية على الأرجنتين، أو استفادة بلد مثل الإكوادور من لعب المباراة الافتتاحية ليجد نفسه تحت الأضواء. جميع هذه البلدان حقّقت انتصاراتٍ بفضل كأس العالم، حتى وإن خرجت من الدور الأول.

وكذلك فعلت إيران التي ظهرت بفريق جريء، بلاعبين لا يختلفون كثيراً في الأداء الكروي عن بقية المنتخبات، وبذلك كانوا يغيّرون بعضاً من الصورة السوداوية التي رُسمت حول بلد اختار الانغلاق منذ عقود، وأن يقف في مواجهة النظام العالمي. وقد شاءت الصدف أن تلتقي إيران في كأس العالم بالولايات المتّحدة الأميركية، التي يمكن القول بأنّها من بين المنتصرين أيضاً خلال المونديال، ليس باعتبار فوزها على إيران وتأهُّلها للدور الثاني، بل بإثبات أنها بلد يتقدّم باضطراد في رياضة دخلها متأخّراً، وهو ما يسمح للأميركيّين بمزيد من الأريحية في الاستعداد لتنظيم جانب من كأس العالم المقبلة (2026).

أعادت اليابان الاعتبار لحضارة يبدو إشعاعُها في تراجُع منذ تسعينيات القرن الماضي

إلى هذه البلدان، لا يمكن أن ننسى ما حقّقه المنتخب الياباني بتغلُّبه على ألمانيا وإسبانيا بسيناريوهات دراماتيكية في انتصارات كروية كانت أيضاً إعادة اعتبار لحضارة يبدو إشعاعها في تراجُع منذ تسعينيات القرن الماضي، فكما تميّز اللاعبون بجرأتهم واستبسالهم في الملعب، تميّز الوفد الياباني (بما في ذلك الجمهور) برسم صورة راقية لليابان من خلال الروح الرياضية العالية، وانتشرت لقطات أثارت انتباه العالم حول تنظيف الجمهور الياباني للملاعب قبل مغادرتها، وكذلك فعل اللاعبون في حجرات الملابس.

ولا شكّ بأن المغرب من أكبر المنتصرين في هذا المونديال، فلا يمكن أن يبقى أوّل وصول لمنتخب أفريقي وعربي إلى نصف نهائي كأس العالم دون قطف ثمار كثيرة، أوّلُها تصفية التفاوت المفترض (والمفروض أحياناً) بين أوروبا وبقية العالم، فكأنّما اختارت الأقدار للمنتخب المغربي ضحايا ذوو تاريخ استعماري: بلجيكا أوّلاً في دور المجموعات، ثم إسبانيا في الدور ثمن النهائي، فالبرتغال بربع النهائي، قبل التوقُّف أمام فرنسا التي تعتمد أساساً – وللمفارقة – على أبناء المهاجرين من مستعمَراتها السابقة.

التقدُّم خطوةً بالكرة الأفريقية على رقعة شطرنج كأس العالم يُقرّب المغرب من مكانة طالما سعى لها في “القارّة السمراء” عبر العلاقات الاقتصادية والثقافية في فضاء لا يحدّ من تقدُّمه سوى سعي المستعمرين القدامى (وبعض القادمين الجدد) للحفاظ على مصالحهم.

صادف أن عاد المنتخب المغربي إلى بلاده في نفس اليوم الذي وصل فيه لاعبو المنتخب الأرجنتيني إلى بيونس آيرس (مساء الثلاثاء)، ليبدو الأمر وكأنّه احتفالٌ ببطلَيْ عالَم. على صفحة تاريخ كرة القدم، ستحتكر الأرجنتين هذا الشرف فلا أحد يستطيع أن يُشاركها استحقاقها الرياضي، لكنّ أُمماً كثيرة ربما تحسن استثمار انتصاراتها في كأس العالم أكثر من بطل العالم ذاته.

 

غرافيك: كأس العالم (1930 – 2022) في صورة

كأس العالم 1930 - 2022

كاتبٌ مِن مواليد الجزائر عام 1995، يكتب القصّة القصيرة ويهتمُّ بالثقافة وبقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، يُقيم في فرنسا حيث يتابع دراسته في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة