كائنات حية صغيرة على وجهي

كأنّه مادّة حارقة، تتقطّر على الوجه لتأكله قطرة قطرة، تصنع حُفَراً مظلمة دقيقة، تزداد وتتّسع، لتستبدل وجهي حفرة واحدة، كبيرة، مظلمة بلا قرار.

كائنات حية صغيرة على وجهي
سبهان آدم، زيت على قماش، 140 × 270 سم (2007)

لا يُخرِج فمي نملاً، لكنّ مسام جلدي تفعل. في الواقع، كلُّ الشَّعر، الذي ترونه يُغطّي ذراعي، يتحوّل في الليل نملاً، ويتمشّى على وجهي نمل ذقني وأنا نائم.

في البداية، كنت أضطرّ إلى وضع سدّادات لأذنيّ وأنفي، حين كنت مراهقاً وشعر الذقن لا زال ينبت. ولمّا اكتشفتُ أوّل مرة أنّه يتحرّك، كان الألم يُمزّقني في مناماتي، فأستيقظ وأثره باقٍ في بؤرة الشعور. يبدأ الألم من أسفل الذقن عند الرقبة. لا يمكنني وصفه بدقّة. لم أجرّب مثلاً ألم سكّين ثلم ينحر عبثاً في رقبتي، لم أجرّب أيضاً دبّوساً يخترق الجلد مراراً، يدخل ويخرج كأنه يخيط بلا أمل. لكن ربما ما شعرت به من ألم كان بهذا القدْر، إذا ما تخيّلتُه على الأقل.

بمرور الوقت اعتدتُ الأمر. لم أعد بحاجة إلى كتم أنفاسي، ولا أن أتفتف طوال نومي نملًا دخل فمي المفتوح للتنفس بدلًا من الأنف. اقتضت خطّتي آنذاك أن أحمي أنفي، وأتنفس من فمي، على أنّ التفافة أسهل من النفافة، وأن النمل في كل الأحوال برُوتين، بإمكاني، أحياناً، الاستمتاع بمضغه وأنا نائم، كما كنت أفعل مع العلكة. اعتدتُ صغيراً مضغ علكة أثناء النوم. ولطالما حذّرتني أمّي من أنّ علكةً ما، يومًا ما، ستخنقني وأنا نائم. لم أختنق يا ماما، لكنّني استبدلتُ العلكة نملاً.

ورغم المعاهدة التي عقدتُها ضمنيّاً مع نمل وجهي، وجسدي عموماً، أشعر أحياناً بألم شديد، نفس الألم الذي حاولتُ وصفه سابقاً؛ هذه شعرة كبيرة تنبت تحت الجلد، ملكة نمل تبحث عن طريق للهروب من المسؤولية والخروج إلى النور.

روّضتُ النمل ولم أروّض ملكات النمل. وفي بعض الأحيان يكون خروجهنّ على رأس خط طويل من نمل قرّر أن يتبعهن في رحلة الهروب أيضاً؛ نوبة طويلة من ألم، لو أمكنني فقط وصفه! وكأنّه صهد نار مستعرة في الأعماق، أو مشرط يشقّ في الصدر بتأنّ شديد، بالأحرى مجموعة كبيرة من المشارط تفعل ذلك بصورة عشوائية، لكن بإتقان ودأب.

أو كأنّه مادّة حارقة، تتقطّر على الوجه لتأكله قطرة قطرة، تصنع حُفَراً مظلمة دقيقة، تزداد وتتّسع، لتستبدل وجهي حفرة واحدة، كبيرة، مظلمة بلا قرار.

بعد هذه النوبات، أو بين كلّ نوبة ونوبة، أعود لروتين الدغدغة الليلية، مقلّلاً عدد مرّات حلق شعر الذقن، لأنّ تلك لعنة أُخرى. بل لعنتان: لعنة مطاردة النمل المارق على ماكينة الحلاقة أو الموسى، ثم لعنة ألم إطلالة النمل الأُولى برؤوسه من حُفَر صنعها توّاً ليخرج شعراً في الصباح ويلعب على وجهي كائنات حية صغيرة في الليل.

كاتب ومحرّر من مصر، عمل في صحف ومواقع إلكترونية مصرية وعربية. صدرت له مجموعة قصصية في 2022 بعنوان “قلقٌ لا يمكن تفويته”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة