كارلو أنشيلوتي: نجم آفل عاد يُدخّن السيجار بشراهة
كارلو أنشيلوتي

كارلو أنشيلوتي: نجم آفل عاد يُدخّن السيجار بشراهة

تحوّل سيجار المدرّب الإيطالي إلى عنصر جديد في العالم الرمزي لريال مدريد. بات يعبّر عن فلسفة النادي في شراهته التي لا تنضب للانتصارات والتتويجات. تجعل منه نتائجهه أحد أنجح مدربي كرة القدم، ولعل شاهيته انفتحت على مواصلة كتابة أسطر أخرى في تاريخ اللعبة.

في مثل هذا الوقت من السنة الماضية، كان المدرّب الإيطالي كارلو أنشيلوتي على رأس نادي إيفرتون الإنكليزي. فريق ليس له نصيب من كعكة التتويجات، لا المحلية ولا القارية. كان أنشيلوتي، وقتها، مثل ملك معزول، ترك الأندية الكبرى مثل ريال مدريد وميلان وبايرن ميونخ وباريس سان جرمان، وارتضى بإمساك فرق من الصف الثاني مثل نابولي وإيفرتون.

في نفس تلك الفترة، كان مساعده السابق في ريال مدريد، زين الدين زيدان، يُنهي موسماً مخيّباً للغاية، واعتقد الجميع أن الجيل الذي أحرز ألقاباً كثيرة من 2014 إلى 2020 بات صفحة لا بدّ أن تُطوى، لكن رئيس النادي الملكي، فلورنتينو بيريز، قرّر أن يخرج من قُبّعته ورقة قديمة، فأتى بكارلو أنشيلوتي مجدّداً لتسيير موسم استعدّ أحباء ريال مدريد لقبول أن يكون عاماً هزيلاً آخر، خصوصاً وأن الظروف المالية للنادي لا تسمح بانتدابات تجدّد دماء الفريق. لقد قرأت تلك الخطوة باعتباره مجرّد “تبرّك” بالمدرّب الذي حلّ معه ريال مدريد عام 2014 سلسلة أعوام عجاف بعيداً عن التتويج الأوروبي.

دارت الأيام دورتها، ليجد أنشيلوني نفسه في آخر هذا الموسم وقد أعاد ترتيب جدول الأرقام القياسية، فبفضل إحرازه لقب الدوري الإسباني بات المدرّب الوحيد الذي فاز بجميع الدوريات الأوروبية الكبرى (إيطاليا، إنكلترا، فرنسا، ألمانيا، إسبانيا على التوالي)، ثم مع الفوز – غير المتوقّع تماماً – بكأس رابطة الأبطال الأوروبية بات المدرّب الأكثر تتويجاً باللقب (أربع مرات).

يُعيد كثيرون هذا الموسم المتميّز إلى المهارات الفردية للاعبي ريال مدريد؛ تحديداً أهداف كريم بنزيمة، تمريرات لوكا مودريتش، تصدّيات تيبو كرتوا، مراوغات فينسيوس. هذه هي العناصر المرئية من موسم الريال الأسطوري، لكن جميع هؤلاء كانوا حاضرين في الموسم الماضي ولم ينجحوا في إنقاذ الفريق من السقوط في كل المسابقات. هناك لمسة – ولو كانت خفيفة – قلبت كل شيء رأساً على عقب. إنها لمسة غير مرئية، ذلك أن أنشيلوتي مدرّب هادئ، لن تراه يصرخ في لاعبيه من حافة الميدان، أو يجادل الصحافيين، أو يدخل في نقاشات مع الإدارة أو الجمهور.

لعلّ خط تطوّر اللاعب البرازيلي الشاب فينسيوس (20 عاماً) هي الأكثر تعبيراً عن اللمسة الخفية لأنشيلوتي. يعترف الجميع لهذا الفتى بموهبة فريدة في مراوغة المدافعين، لكن جهوده لم تكن مؤثرة في نتائج المباريات، ذلك أن تحييد ثلاثة وأربعة مدافعين بمراوغات كانت تنتهي إلى تضييع فرص سهلة. في العام الماضي، كان فينيسيوس يضيع ما بين ثلاث وأربع فرص في المباراة ليضيق صدر المدرّب عليه ويسحبه من الملعب في دائرة مفرغة جعلت الفتى البرازيلي ينكفئ على نفسه ويفقد الكثير من متعة اللعب. في هذا الموسم، أتاه أنشلوتي مثل مخلّص، لقد تركه يهدر ما يشاء من الفرص، حتى تمالك الشاب البرازيلي نفسه وبدأ في التسجيل بانتظام، وبات ركيزة أساسية في منظومة الهجوم الملكية.

يسري الأمر ذاته على مواطنه رودريغو الذي يعلم أنشيلوتي أنه لا يستطيع أن يحضر باستمرار في التشكيلية الأساسية، لكنه جعل منه ورقة يدفع بها لقلب المعادلات، فقد كان اللاعب الأكثر تأثيراً في الدقائق الأخيرة من المباريات التي يكون فيها ريال مدريد متأخراً. يحتاج ذلك إلى لياقة ذهنية عالية نجح المدرّب في غرسها لدى رودريغو ولدى مختلف عناصر الفريق، حتى بات تذليل  المستحيل هيناً هذا العام.

إلى الأسماء الشابة، يمكن أن نضيف القدرة على توظيف “المواهب الخبيرة”؛ مودرتش وبنزيمة وألابا وناتشو وكروس، ولعلّ رمونتادات الريال هذا العام كانت جزءاً من تصوّر خرج من ذهن أنشيلوتي، فهو يعلم أن هؤلاء اللاعبين لم يعودوا قادرين على إعطاء كل ما لديهم على مدى مباراة كاملة، ليقتصد جهودهم ويكثّفها في عدد من الدقائق باتت اليوم مثل مباريات داخل المباريات حيث تهتز قوانين المنطق فجأة وموازين القوة، ويهبّ الريال لإسعاد جماهيره بشكل جنوني.

تُظهر “تسريبات” السيلفي الملتقطة بين المدرّب ولاعبيه كيف نجح أنشيلوتي في حسن إدارة المجموعة البشرية، قبل إتقان إدارة المباريات. يَظهر صاحب الـ63 عاماً مثل صديق حميم لمجموعة شبّان، يرافق احتفالاتهم ويواسي انكساراتهم، ويضبطهم أحياناً أو يترك لهم مساحة الخروج عن النص، ولا يترفّع عن الدخول معهم في لقطات طريفة، لعلّ أبرزها تلك التي يظهر فيها مع سيجاره السميك كنجم سينمائي بكامل أناقته الإيطالية.

تحوّل ذلك السيجار إلى عنصر جديد في العالم الرمزي لريال مدريد. بات يعبّر عن فلسفة النادي في شراهته التي لا تنضب للانتصارات والتتويجات. وأصبح المدرّب الذي استُدعي من أجل تدبير الأمور في موسم انتقالي صانع أفراح دائمة (من الصعب أن ينسى محبّو ريال مدريد ما حدث هذا الموسم)، وبعد أن نظر إليه كثيرون بشفقة إثر بعض النتائج المخيّبة على مدار العام (هزيمة ثقلية ضد برشلونة في مدريد بالذات، مباراة الذهاب ضد باريس سان جرمان دون فرصة واحدة…)، أعاد الجميع بناء صورة كارلو أنشيلوتي. إن نتائجه تجعل منه أحد أنجح مدربي كرة القدم، ولعل شاهيته انفتحت على مواصلة كتابة أسطر أخرى في تاريخ اللعبة.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة