كريم بنزيمة… ريمونتادا الابن الضال
كريم بن زيمة لحظة تتويجه بالكرة الذهبية (تصوير: فرانسوا موري/ أسوشيتد برس)

كريم بنزيمة… ريمونتادا الابن الضال

يقف اللاعبُ ذو الأصول الجزائرية، اليوم، كأحد أبرز المؤثّرين، ليس في ملاعب كرة القدم فحسب، بل بحُسن إدارة صورته في مواقع التواصل الاجتماعي. ومع تحقيقه الكرة الذهبية، لا أحد سينكر عليه بعد اليوم استثنائيته التي جعلها أكثر ألقاً بعودته من بعيد.

ضمن مشروعه لتأثيث “فريق أحلام” جديد من أجل ولاية ثانية تخلو من أخطاء الأُولى، اتجه رئيس ريال مدريد، فلورنتينو بيريز، في صائفة 2009 إلى بيت مهاجرَين جزائريَّين في ضواحي مدينة ليون الفرنسية، ليُقنع شابّاً في الثانية والعشرين من عمره باللعب لـ “ريال مدريد”، في وقت كانت تتهاطل عليه عروض الأندية الإنكليزية والإيطالية والإسبانية.

لو أنّ كريم بنزيمة (1987) طلب، وقتَها، نصيحة مستشار محترف، لأَقنعه بأنّه يحتاج إلى فريق تنضج فيه موهبته بهدوء، بعيداً عن التسابُق المحموم على المواقع الأساسية للفرق الكبرى، وفي ظلّ هيمنة “برشلونة”، الغريم التقليدي لريال مدريد، على الكرة الأوروبية آنذاك. وفي هذه النصيحة الكثير من الوجاهة النظرية (وقد دفع بنزيمة فعلاً أثماناً باهضة لإغفالها). لكن الفتى ذا الأصول الجزائرية قد اختار تلبية نداء عرائس البحر الآتية من مدريد. ويبدو أنّ هذه الأصول بالذات هي التي حسمت صفقة بيريز؛ إذ عرف رجلُ الأعمال الإسباني أنّ العناصر النفسية هي التي ستحسم الأمور لصالحه.

لم ينس بنزيمة ذلك اليوم، وحين تُوّج أمس الإثنين بالكرة الذهبية، ذكر في كلمته بيريز الذي زاره في بيته الأُسريّ في ليون منذ أكثر من 13 سنة مرّ معظمُها في انتقاد الثقة المبالغة التي أبداها الرئيس تجاه لاعب المنتخب الفرنسي. فقد أتى وغادر عشرات اللاعبين، ومرّ مدرّبون من جنسيات ورؤى كروية متنوّعة، أمّا زملاؤه في المواقع الهجومية فقد سجّل عددٌ منهم أضعاف ما سجّل بنزيمة، لكنهم غادروا الفريق قبله ولم يُحاول بيريز إثناءهم عن الذهاب إلى فرق منافسة. وحين كان أنصار الفريق الملكي ينتظرون أن يكون بنزيمة أوّلَ من يتخلّص الفريق منه – لضعف مردوده – كانت يُفتَح قوسُ فترة الانتقالات ثم ينغلق فيجدونه في قائمة الموسم الجديد.

قضّى بن زيمة فترةَ تألُّق المهاجمِين تحت تصفير الجمهور وهو يضيّع الأهداف السهلة

بات هذا الإصرار على بنزيمة يُحسب لصالح بيريز. لقد تغيّرت صورتُه من الرجل الصلب الذي لا يؤمن إلّا بالنتائج (وهو كذلك إلى حدّ كبير) إلى عارفٍ صبور بخبايا كرة القدم وما يمكنه أن يجنيه الفريق من انتظار نُضج اللاعب، حتى وإن تأخّر ذلك. ولقد مرّت على بنزيمة سنواتُ تألُّق المهاجمِين (ما بين سنّ الخامسة والعشرين والثلاثين)، والتي قضّاها تحت تصفير الجمهور وهو يضيّع الأهداف السهلة، وسهام نقد مدرّبيه، حتى أنه وجد نفسه معظم الوقت على مقاعد البدلاء لعدّة مواسم.

كان التنافُس على موقع قلب الهجوم حامياً حين وصل بنزيمة إلى “ريال مدريد”. خاض اللاعبُ حرباً ضروساً لإثبات موهبته مع المهاجم الأرجنتيني غونزالو هيغواين لثلاث سنوات تحت إشراف المدرّبَين بيليغريني ومورينو. على مستوى الأرقام، كان الفارق لصالح اللاعب الأرجنتيني، لكنّ هذا الأخير كان يغيب عن التسجيل في المباريات الحاسمة، فيما يسجّل بانتظام في الفرق الصغرى. نفذ بنزيمة إلى قلوب الجماهير من خلال المباريات الكبيرة، ضدّ برشلونة أساساً، حيث كانت مساهماته في اللحظات الحاسمة واضحةً مقارنةً بمنافسه على مركز قلب الهجوم، كما خدمَه عنصرٌ ثانٍ داخل الفريق؛ وهو حسُّ اللعب الجماعي الذي قلّما يتوفّر لدى المهاجمين.

في سنوات العقد الثاني من القرن 21، بات كريستيانو النجمَ الأوّل للفريق (حقّق أربع كرات ذهبية بقميص ريال مدريد من 2014 إلى 2017)، وكان يحتاج إلى لاعبِين يُسندون تألّقه، وقد وجد في بنزيمة لاعباً مكمّلاً له مقابل هيغواين المنافس له على صعيد الأرقام. ولكي يحافظ بيريز على أعلى مردودية للفريق، فتح باب الخروج للمهاجم الأرجنتيني، وكذلك حسم رئيس ريال مدريد الأمر مع صعود المهاجم الإسباني ألفارو موراتا في تنافُسه على موقع قلب الهجوم مع بنزيمة، بل حتى مع كريستيانو الذي غادر الفريق عام 2018 دون أن يبحث بيريز بحث عن نجم بديل.

يتحوّل في لحظة متأخّرة من المباريات إلى بطل خارق ويقلب النتيجة رأساً على عقب

في تلك الصائفة، تكرّست حول بنزيمة صورة اللاعب الذي يخدم نجومية زملائه، رغم قدراته الفنّية والتكتيكية العالية، واتّفق الجميع وقتها أنّ تلك هي موهبة بنزيمة، وحتى حين كان مدرّبون يُنتقدون على إشراكه أساسياً في كل المباريات، رغم معدّله التهديفي الهزيل، كانوا يؤكّدون على أهميته ضمن المنظومة. كانت تلك سنوات اختمار، ربما تنطبق عليها مقولة الهدوء الذي يسبق العاصفة.

في سنة تتويجه بالكرة الذهبية، كأنّ المباريات قد تهيّأت سيناريوهاتُها لكي تجعل انتفاضة بنزيمة مرئية؛ سلسلة الريمونتادات في مباريات “ريال مدريد” ضدّ “باريس سان جرمان” و”تشلسي” و”مانشستر سيتي” كانت جميعُها سَيراً على حافّة الهزيمة، قبل أن ينتفض الفريق الإسباني بقيادة بنزيمة الذي يتحوّل في لحظة متأخرة من المباريات إلى بطل خارق ويقلب النتيجة رأساً على عقب. لقد أجبر المتعامين على أن ينظروا إلى مواهبه، أسمعت إنجازاتُه مَن به صمم.

ربما لولا تلك المباريات المجنونة ثم تتويج ريال مدريد باللقب الأوروبي كان بنزيمة سيجد صعوبة في التتويج بالكرة الذهبية، ذلك أنّ صورة اللاعب المتوسّط قد التصقت به بفعل الاعتياد والتكريس، حتى أنّ النسخة السابقة من الكرة الذهبية آلت إلى ليونيل ميسي وسط دهشة الجميع، رغم الموسم الاستثنائي الآخر الذي قدّمه بنزيمة. لكنّ المصوّتين لم يكونوا يقتنعوا إلّا حين شاهدوا خوارق موسم 2021-2022.

بات اللاعبُ ذو الأصول الجزائرية يُعبّر عن انتزاع للاعتراف لدى فئات عريضة تجد فيه صورتها

خرج بنزيمة من الضياع مرّات. أنقذته الموهبة من مصائر أبناء الضواحي المخصّصة للمهاجرين في حواف المدن الفرنسية الكبرى، فيما لم تكفِ الموهبة عشرات الآخرين. كما أنقذه الإصرارُ على الخروج من الصورة المكرَّسة له كلاعب ظلّ طريقه نحو النجومية، حين حصره البعض في خانة لاعب الظلّ، وحين مرّت عليه عواصف الفضائح في فرنسا، وبات منبوذاً وغير مرحَّب به في المنتخب الفرنسي بقرار سياسي صريح.

حين كانت الزوابع تهزّ حياته، ظلّ بنزيمة يعمل بصمت مثل عالِم في مختبره. في سن الخامسة والثلاثين – حين يغادر البعض – ما يزال في قمة العطاءَين الذهني والبدني، تلك القمة التي أضاعها في سنّ الخامسة والعشرين. كما وجد داخل ذاته العميقة النَّفَس الثاني للرغبة في النجاح، فلا ننسى أنّ بنزيمة حقَّق عشرات الألقاب مع فريقه، لم تُحسب له فيها إلّا الأدوار الثانوية، وغيرُه كثيرون ممّن اكتفوا سريعاً بما حقّقوه.

يقف اللاعب ذو الأصول الجزائرية، اليوم، كأحد أبرز المؤثّرين، ليس في ملاعب كرة القدم فحسب، بل بحُسن إدارة صورته في مواقع التواصل الاجتماعي. بات يُعبّر عن انتزاع للاعتراف لدى فئات عريضة تجد فيه صورتها، بات يمثّل رمزاً للتشبّث بالجذور العربية الإسلامية لدى آخرين، وعنوان نجاح ومثابرة. ومع تحقيق الكرة الذهبية، لا أحد سينكر عليه بعد اليوم استثنائيته التي جعلها أكثر لمعاناً بعودته من بعيد.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة