كلمة وتذكرة سفر إلى الجزائر.. في “عيد الصحافة”

بمقاييس أبناء جيلي، حقّقتُ نجاحاً معقولاً في المهنة؛ إذ اشتغلتُ صحافياً ومحقِّقاً ومراسلاً ومراسل حرب ورئيس تحرير مساعد. إنّه مشوار يمكن يُؤهّل صحافياً للفرح بما حقّقه، ولكنّه أهّلني في يوم الرابع عشر من أغسطس/ آب 2007 إلى مغادرة البلد.

كلمة وتذكرة سفر إلى الجزائر.. في “عيد الصحافة”
من سلسلة "المسافر" للنحّات الفرنسي برونو كتالانو، البندقية

على غير عادة التعامُل بيننا، رحتُ أُراوِغُ – جيئةً وذهاباً – زملائي في “رحبة” الذين طلبوا منّي كتابة شيء لمناسبة “عيد الصحافة” في الجزائر. ولم يكُن ذلك إلّا خوفاً من لحظة لا أُريد أن أُسجّلها، لأنّها مؤلمةٌ كثيراً، ولكنّها لا تعني غيري في الحقيقة.

بدأتُ ممارسة المهنة الصحافية في الجزائر خلال دراستي الجامعية. وبمقاييس أبناء جيلي، فقد حقّقتُ نجاحاً معقولاً؛ إذ اشتغلتُ صحافياً ومحقِّقاً ومراسل حرب ورئيس تحرير مساعد، كما اشتغلتُ مراسلاً لأكبر جريدة عربية وأكبر إذاعة عربية. إنّه مشوار يمكن يُؤهّل صحافياً للفرح بما حقّقه، ولكنّه أهّلني في يوم الرابع عشر من أغسطس/ آب 2007 إلى مغادرة البلد.

في لحظة الرحيل، لم يكن ثمّة ما يربطني بهذا البلد سوى عائلتي وحبٍّ لا ينتهي… وقاضٍ حكم عليَّ بستّة أشهر سَجناً غير نافذ وما لا أذكره من غرامات في قضية مضحكة للغاية: لقد اتّهمني مدانون بسرقة الآثار بتشويه سمعتهم!

مرّت 15 عاماً من الغربة، مِن العمل في الصحافة المكتوبة والتلفزيونية، يُمكن لي أن اختصرها في كلمةٍ وتذكرة سفر؛ كلمة كتبتُها في الثاني من يناير/ كانون الأوّل 2017 على حسابي الشخصي في فيسبوك، من بيتي في عاصمة غربتي، وتذكرةٍ اشتريتُها يوم 28 فبراير/ شباط 2019.

ملخَّصُ الكلمة هو فقرتها الأخيرة التي تقول: “ولأنَّ دماء أبناء بلدنا أغلى من أن تُزهَق في المغامرات، فإنّ التوعية والنضال السلمي سبيلُ هذه المرحلة من عمر بلادنا… أمّا حين يصل ضيق الوضع لغايته وتتوافر شروط الحلّ الشارعي المظاهراتي السلمي الوطني العام، وضمانات وصوله إلى منتهاه والتيقُّن من استحالة التغيير دونه، وقتها لن يجد أيُّ حرّ في نفسه حرجاً من أن يكون من السائرين إلى الديمقراطية وحكم الشعب لنفسه في أي شارع جزائري، مستظلّاً بعَلَمه وهاتفاً: تحيا الجزائر“.

أمّا التذكرة، فكانت رحلةً للمشاركة في الجمعة الثانية من الحَراك. يومها استقبلني بلدي بشرطيّين اقتاداني إلى المركز الأمني الواقع بمحاذاة مدخل مستشفى مصطفى باشا.

لقد غادرتُ الجزائر بحُكم قضائي، وعُدت إليها باعتقال أمني حكيتُ شيئاً من تفاصيله وصمتُّ عن أُخرى ملخّصُها تُهم كبيرة تليق بخائن عظيم.

بعدها لم أضع رجلي في بلدي، ولا أدري إلى متى سيطول هذا الغياب. ما أنا متأكّد منه أنّ الجزائر ليست بلداً آمنا بالنسبة إليّ… أنا الذي لا شيء يشين صحيفة سوابقي الوطنية… أنا الصحافيُّ الذي علّق ذات يوم على حفل افتتاح الألعاب العربية بكلّ شوقه إلى بلده وحبّه له، واستحسنَ أبناءُ شعبه عمله يومها وكتبت عنه الصحف… الصحافيُّ الذي، حين ظهرت صورة الرئيس، على التلفاز لم يُعلّق، بل وضع يده على كتف زميله ليقوم الأخير بالمهمّة. لم يكن ممكناً أن أقول كلمة مدح كاذبة. ليس بعد كل ما جرى في بلادنا… ولم يكن لي أن أتفوّه بحماقة على الهواء فأذبح سمعة البلد. كان الصمتُ يومها هو أسلم خيار يفعله عاقل.

ليست الجزائر بلداً آمناً لي ولا لزملائي. ولا أعرف متى أضع قدمي فيها مجدَّداً. غير أنّني، حين يكبر أطفالي، سأُخبرهم بالكلمة التي كتبتُها وسأريهم التذكرة التي اشتريتُها وسأفتخر أمامهم: إنّ والدكم كان يتبجّح بأنّ أي مواطن حرّ سيجد نفسه مع المتظاهرين من أجل حرية بلده، وأنه حين تظاهر أبناء شعبه ترككم نائمين وطار إلى بلده… أو إلى معتقل الشرطة، لا فرق!

ليست الجزائر بلداً آمناً بالنسبة إليّ. غير أنّني أُحبّ مهنتي وأُحبّ بلادي وأُحبّ زملائي جميعاً. فعيداً سعيداً لكم جميعاً… وعسى أن يكون غدُنا خيراً من أمسنا ويومنا.

صحافي جزائري مقيم في قطر، عَمِل في صحيفتَي “الشروق” و”المحقِّق” بالجزائر، و”الشرق الأوسط” اللندنية و”العرب” القطرية. يعملُ حالياً في قناة “بي إن سبورتس” بالدوحة.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة