“كيف تصبح طاغية”: فحص سريع لقواعد الاستبداد في تونس
بالاستناد إلى أمثلة مِن التاريخ السياسي القريب، تقترح السلسلة الوثائقية، التي أنتجتها "نتفليكس"، ستَّ قواعد تُشكّل خطوات عملية لصناعة طاغية. ماذا لو أدخلنا الحالة التونسية الراهنة تحت فحص تلك القواعد؟
كانت مصادَفةً لافتةً أن تتزامن خطواتُ الرئيس التونسي قيس سعيّد في يوليو/ تمّوز الماضي، والمتمثّلةُ في إقالة رئيس الوزراء وتجميد البرلمان وتعليق حصانة نوّابه وتولّيه زمام السلطة التنفيذية، مع إطلاق شبكة “نتفليكس” سلسلةً وثائقية مِن ستّ حلقات بعنوان “كيف تصبح طاغية“. العمل، الذي يرويه الممثّل الأميركي بيتر دينكلاج، يستند إلى كتاب “دليل الديكتاتوريّين” لِبروس بوينو دي مسكيتا وألاستير سميث، الصادر عام 2011.
بالعودة إلى أمثلة مِن التاريخ السياسي القريب، تقترح السلسلة التاريخية ستَّ خطوات عملية لصناعة طاغية: الاستيلاء على السلطة، وسحق المنافسين، والحُكم مِن خلال الإرهاب، والسيطرة على الحقيقة، وبناء مجتمع جديد، والحكم مدى الحياة.
تحكم السلسلةَ صياغةٌ طريفة تنطلق مِن فكرة مفادُها أنَّ أياً كان يمكن أن يتحوّل إلى طاغية. يكفي، لتحقيق ذلك، أنْ ينظر في “دليل الديكتاتوريّين” ويتبع الخطوات التي أوصلت ستّة حُكّام إلى أعلى درجات السيطرة.
جرت هيكلة العمل على هذا الأساس؛ فكلُّ حلقة تقترح قاعدةً أساسية للوصول إلى موقع الطاغية، عبر تجربة بعينها. وفي سياق السرد، تجري إشارات إلى طغاة آخرين في العالَم، حتّى مِن خارج قائمة الطغاة الستّة الذين تتناولهم السلسلة، وهي إشارةٌ إلى أنَّ الطغاة يستفيدون مِن تجارُبهم بشكل واضح.

(غلاف “دليل الدكتاتوريّين)
تبدأ السلسلة مع الفوهرر الألماني أدولف هتلر في حلقة بعنوان “الاستيلاء على السلطة”؛ حيث يجري التأكيد على أنَّ الطاغية ليس مناهضاً للديمقراطية بالضرورة؛ فالأخيرة تُمثِّل سلّماً قد يتسلّقه للصعود إلى الموقع الذي يحتاجه، قبل أن يُلقيه على رأس شعبه ويُدخل البلاد في مرحلة مِن التفرُّد بالسلطة.
لو أنَّ الوثائقي أُنتِج في تونس أو في أيّ بلد عربي آخر، لقيل إنَّ هذه الحلقة إسقاطٌ تاريخي مباشر على خطوات قيس سعيّد الأخيرة. لكنَّ هذه الخطوة – الاستيلاء على السلطة – ليست كافيةً لبلوغ لقب الطاغية؛ فالأمر مجرّد مدخل.
في الحلقة الثانية، “سحق المنافسين”، تتناول السلسلة سيرة السابق صدّام حسين. لكنَّ العنوان لا يكشف محتوى الحلقة العام في تفاصيلها؛ فقد جمع الرئيس العراقي بين العنف السياسي الحادّ والصورة المخملية، حيث أنه كان يبدو هادئاً وضاحكاً ومازحاً، وحنوناً أحياناً، كلّما كان بصدد تصفية خصومه. وهذه التركيبة هي ما يجعل مِن استمرارية الطاغية ممكنة.
في السياق نفسه، يقترح العمل سيرةَ الديكتاتور الأوغندي عيدي أمين في حلقة ثالثة بعنوان “الحُكم مِن خلال الإرهاب”. أمّا مع جوزيف ستالين، في الحلقة الرابعة “السيطرة على الحقيقة”، فإنّنا نقف على تقنيات أكثر عمقاً وتمكُّناً لهندسة الفضاء الديكتاتوري؛ فالقبضة الحديدية ليست سوى نتيجة طبيعية لمناخ يُهيّؤه الطاغية مِن خلال أسلحة مختلفة، مثل الإعلام والوشاية والإشاعة.
وإذا كانت الحلقة الأولى تتقاطع مع خطوات الرئيس التونسي الأخيرة، فإنَّ الحلقات الثلاثة التالية تبدو وكأنها تشير إلى أنَّ نموذج ديكتاتور القرن العشرين قد ولّى؛ فالانغلاق الذي كان يعيشه العراق والاتحاد السوفييتي وأوغندا لم يعد متوفّراً اليوم، كما أن قيس سعيّد بقي على مسافة مِن الإعلام وكواليسه. هو ليس ابن النظام كي يملك القدرة على التحكُّم في قنوات الدولة العميقة.
علينا ألّا ننسى أنَّ الطغاة لا يصنعون أنفسهم بأنفسهم دائماً. هناك مِن يتطوَّع لصناعتهم
لكننا حين نصل الحلقة الخامسة، “بناء مجتمع جديد”، سنجد مجدَّداً بعض ملامح خطاب سعيّد؛ فهذه المقولة كانت حاضرةً بصريح العبارة في حملته الانتخابية التي قادته إلى “قصر قرطاج”. ومِن هذا الطرح استمدّ شعاره “الشعب يريد”، وتستندُ خلفيةُ هذه المقولة إلى أنَّ التغيير بات مطلبَاً شعبياً، بعد أنْ أخفقت دولة ما بعد ثورة 2011 في تحقيقه.
تتناول هذه الحلقة مسيرة معمّر القذافي. ويُحسب للسلسلة بناؤها كلَّ حلقة بعناصر مِن شخصية الطاغية الضيف؛ فإذا كانت حلقةُ هتلر سريعةَ الإيقاع، فهي تشبهُ حركات الديكتاتور النازي، وإذا كانت حلقة ستالين كآبية داكنة، فتلك هي الروح التي نقلها الزعيم السوفييتي إلى البلد الذي يحكمه. أمّا حلقة القذّافي فأخذت وجهاً كاريكاتيرياً في إيقاعها وفي انتقاء صُوَرها، بما يحاكي الكثير مِن تصرُّفات “الزعيم” الليبي.
تذهب آخر حلقات السلسلة إلى أنجح الطغاة في القرن العشرين، بل الطاغية الوحيد الذي ورّث حكمه للجيل الثالث من عائلته، حتى بعد مماته. نحن في كوريا الشمالية في حلقة بعنوان “الحكم مدى الحياة”. لكنَّ حُكم كيم إيل تسونغ لم يكن مجرَّد حُكمٍ مدى الحياة، بل هو حُكْم على مدى أجيال. لقد نجح فيما فشل فيه معظم الطغاة الآخرين: توريث حُكمه لسلالته. لم يسطُ على بلدٍ فحسب، بل على مستقبله أيضاً، ولذلك أدواتٌ تفصّلها الحلقة؛ مِن بينها رفعُ الديكتاتور إلى مرتبة المقدَّس وامتلاكُ أخطر أسلحة الأرض، بحيث لا يقوى أحد على منعك مِن أن تفعل ما تشاء.
يظلُّ الخيط الناظم، الذي يُلحّ عليه العمل بشكل ساخر في كثير من الأحيان، هو أنَّ بعض الظروف الملائمة واعتمادَ قواعد الوصول إلى الحكم واحتكاره تكفيك حتى تكون ديكتاتوراً. “نعم أنت”، هكذا تخاطِب السلسةُ المُشاهِد في كثير مِن المقاطع؛ فقد توفَّر أمامك الآن طيفٌ واسع مِن القواعد التي سنَّها أبرز طغاة القرن العشرين.
كيف ستكون الأمور في القرن الواحد والعشرين؟ لن ننسى أنَّ طغاة كثيرين لا يزالون يخترعون القواعد، مِن سوريا إلى روسيا، وحتى في قلب الديمقراطيات الغربية الأكثر عراقة. وحين تنجح الشعوب في حماية أقدارها مِن الطغيان، يجد هؤلاء ثغرات جديدة لبناء أمجاد استبدادية، كما أنَّ أشكالاً جديدة مِن الطغيان قد ظهرت، وأكثرُها مراوغٌ وغيرُ مرئي.
وبالعودة إلى تونس، ثمّة هواجس مِن احتكار قيس سعيّد السلطات ولو بشكل مؤقّت. وها أنَّ تاريخ الطغاة الذي تعرضه سلسلة “كيف تصبح طاغية” يجعل مِن هذه الهواجس مشروعة ومبرَّرة، حتى وإن لم تنطبق على الرئيس التونسي كلُّ شروط الديكتاتور بعدُ. علينا ألّا ننسى أنَّ الطغاة لا يصنعون أنفسهم بأنفسهم دائماً. هناك مِن يتطوَّع لصناعتهم، وهؤلاء قد يُوفِّرون للحاكم كلَّ العناصر التي ليست بحوزته كي… “يصبح طاغية”.