كيف نُحبّ محرز مِن دون أن نؤذي المُدرِّب والنساء!

صحيحٌ أنَّ ما يحدث هو نتيجةُ حبّ كبيرٍ يحظى به اللاعبُ الجزائريّ. لكنّ رياض محرز بات في قلب تمثُّلات رمزيّة لشعبٍ يفتقد إلى الرموز والملهِمين ولم يُشفَ من الحروب والخيبات التي خرج منها بجراحٍ عميقة.

كيف نُحبّ محرز مِن دون أن نؤذي المُدرِّب والنساء!
(رياض محرز وصديقته، تصوير: إجيمس كلارك)

أشهَرت الجماهير الجزائرية غضبَها على مدرِّب فريق “مانشستر سيتي” الإنكليزي، بيب غوارديولا، بسبب ما تعتبره تهميشاً لرياض محرز؛ “الضحيّة الأولى” لعملية التدوير التي يعتمدها “الفيلسوف” في تشكيلة “الفريق الأزرق السماوي”.

وغزت تعليقات جزائريّي العالم صفحات النادي على مواقع التواصل الاجتماعي، منتقدة المدرِّب الكاتالوني وناصحةً اللّاعب بالرحيل إلى “نادٍ يُقدّر قيمته ولا يمارس مديرُ الفنّي العنصرية”، في صورة “ريال مدريد” الاسباني الذي تجري فيه دماء جزائرية منذ سنواتٍ طويلة.

ويستغربُ “فقهاء” الكرة في الجزائر إبقاء نجمهم الأوّل على دكّة البدلاء في المباراة التي تلي اختيارهِ كأحسن لاعب، وهو ما يعني كسر ريتمه وحرمانَه من البروز والتألُّق.

ويتقاسم معلّقون عرب، على الخصوص، هواجس الجماهير ولا يتردّدون في الإشارة إلى سوابق المدرّب “العنصرية” مع لاعبين أفارقة أو مسلمين، كما حدث مع صاموئيل إيتو الذي دفعه إلى الرحيل عن برشلونة، ويايا توري وسمير ناصري اللذين أخرجهما من ” مانشستر سيتي” بالذات.

وأصبح المدرّبُ الإسبانيُّ مادةً للسخرية على صفحات الفريق في مواقع التواصُل الاجتماعي، وشمل الغضب الإدارة والمواقعَ أيضاً؛ مثلما كتب معلِّق على صفحة “مانشستر سيتي” في فيسبوك: “سيرحل محرز ونرحل جميعاً من صفحاتكم. نحن نعرف أنّكم تضعون صُوَره لجلبنا”، دون أن يفوّت الفرصة لتمنّي الخسارة للفريق إذا لم يلعب محرز، وهي أمنيةٌ متَّفَق عليها بين الجزائريين.

تُستدعى مسائل جيوسياسية إلى ساحة الكرة مِن خلال الحديث عن “مؤامرة عربية” ضدّ محرز

في الأيام الأخيرة، استدعى روّاد مواقع التواصُل مسائل جيوسياسية إلى ساحة الكرة؛ حيث تحدّثوا عن “مؤامرة عربية” تستهدف محرز، على اعتبار أنَّ مالكَ النادي إماراتيٌّ ولا يريد للرمز الجزائري أن يتعملق لأسبابٍ مرتبطة بالتطبيع والموقف الجزائري منه.

من الناحية الرياضية، تبدو الجماهير على درجةٍ من الصواب. لكنَّ المدير الفنّي يُدير، في نهاية المطاف، مجموعةً من اللّاعبين لتجسيد تكتيكاته مِن دون أخذ المشاعرِ الجمعية بعين الاعتبار، ومِن دون مراعاة “المجد الشخصي” أو الرموز المتعاظمة خلف ظلّ لاعبٍ، إلّا إذا طغى اللاعبُ على الفريق ومدرّبه كحال ميسي مثلاً.

تُضاف إلى ذلك أمورٌ غير معلومةٍ بالنسبة إلى الجماهير تحدثُ في كواليس الفريق وخلال التدريبات، فضلاً عن خيارات الطاقم الفنّي والتوليفة التي يعتمدها في كلّ مباراة.

ربّما خدمت وقائع ذات طابع عنصري في ميادين الكرة أطروحة المؤامرة التي يتبنّاها قطاعٌ واسع من الجمهور، فضلاً عن تأثيرات الحرب التي لا زالت مشتعلةً على المستوى الرمزي بين الجزائر وفرنسا. ويتعلَّق الأمرُ بتجارب مريرةٍ للاعبين من أصول جزائرية اضطرّوا لمغادرة فرنسا لتحقيق النجاح، وفي مقدّمتهم محرز الذي أساء الفرنسيّون تقديره، إضافةً إلى كريم بن زيمة الذي يسود اعتقادٌ بأنَّ طَرْده من صفوف “الديكة” سياسيٌّ بالدرجة الأولى، لأنَّ هناك من لا يريد رؤية “زيدان آخر” في هذا المنتخب، لا سيما وأنّ إبعاد اللّاعب صاحَبَتْه حملةٌ سياسيّةٌ ضد الرياضي الذي يفخر بأصوله ولا يُردّد النشيد الوطني الفرنسي، وفُهمت الرسالة في جنوب المتوسّط على نحوٍ صادم: “لا نريدكم”!

تزامن ذلك مع بروز خطاب متطرّف في الإعلام الفرنسي يتبنّى مقولات النقاء العرقي ودعوات إلى جعل أوروبا نادياً مسيحياً يهودياً مُغلقاً؛ وهي مقولاتٌ تبنّاها صُنَّاع القرار إلى درجة أنَّ وزير الداخلية الفرنسي أصبح يردّد عبارات اليهودي جزائري الأصل إريك زمّور عن النزعات الانفصالية لمسلمي فرنسا.

ويَسحب الجزائريون هذه الحرب إلى خارج فرنسا في معركة لإثبات التفوّق، رغم أن العنصريةَ وأمراضها غير مطروحة في المملكة المتّحدة.

وساهم في تأجيج هذا الهوس مُعلّقون ومحلّلون و”يوتوبرز” باتوا يستغلّون حماسة الجماهير الجزائرية لرفع نسب المشاهدة، حتى تَحوّل محرز إلى الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ إذ يكفي أن ينشر أحدُهُم، في مشارق الأرض أو في مغاربها، “فيديو” عن “فخر العرب”، حتى يحصد مئات الآلاف من المشاهدات في ظرف وجيز.

يرفضون رؤيته على دكّة البدلاء ولا يرتضون له سوى نساءٍ لم يطمثهنّ قبله إنسٌ ولا جانّ

ولم تتوقّف نصرة الجزائريين لنجمهم على المدرّب، بل مسّت زوجتَه السابقة التي ظلّت إلى غاية انفصالهما تتلقّى سيلاً من التعليقات والرسائل المثيرة التي تُنبّهها في كلّ مرّة إلى أنّها لا تستحقّ النعمة التي حباها الله بها!

ولم تسلَم الرفيقة الثانيّة لمحرز من الأذى؛ حيث جرى التذكير بسوابقها للتأكيد على أنّ الفتى المحبوب يستحقّ أفضل منها: ابنةَ حسبٍ ونسبٍ وذات دين.

وقد أثارت صورة للاّعب وهو يقبّل رفيقته عاصفةً في مواقع التواصل الاجتماعي، بين مفاخرٍ وغاضبٍ على رجلٍ “لا يحسن اختيار” نسائه و”يفرّط” في بنات بلده.

صحيحٌ أنَّ ما يحدث هو نتيجةُ حبّ كبيرٍ يحظى به لاعبٌ كبير صنع نفسه في ملحمة كفاح. لكنّ محرز بات في قلب تمثُّلات رمزيّة لشعبٍ يفتقد إلى رموزٍ وملهمين في مختلف مجالات الحياة… شعبٍ لم يُشفَ من الحروب والخيبات التي خرج منها بجراحٍ عميقة ويحاول تجاوزها باستعجال النجاح، حتى وإن لم يُقدّم أسبابه. لذلك يرفُض أن يجلس محرزه الوطني على دكّة البدلاء، ولا يرتضي له سوى نساءٍ لم يطمثهنّ قبله إنسٌ ولا جانّ.

أجل، إنّنا نحمّل محرز فوق ما يحتمله بشر وننسى أنّه صنع نفسه بنفسه بعيداً، مدفوعاً بالرغبة والحاجة واليُتم، وحتى وإن كان منّا وحمل همومنا، فإنّ له مساره ومجراه ومصلحته التي يُقدّرها بموازينه في عمرٍ رياضي قصير يُنسى أبطاله بعد نزول الستارة.

لذلك علينا أن نحترم الرجل ونَرحمه من حبّنا المدمِّر ونحترم حريّته وخياراته في النوادي التي تُلائمه وفي النساء اللواتي سيُحبّ؛ فالرجلُ ليس مسؤولاً عن إخفاقاتنا التي هي نتيجة طبيعية لسوء تدبير وأخطاء في المسيرة علينا أن نتداركها بخلق البيئة التي تسمح باستنبات أكثر من محرز في مختلف الحقول، وتكريس فضائل الاستحقاق والعمل الذي يجعلنا الانغماس فيه نغفل عن رؤية الخصوم والأعداء ونُقلِع عن اختراعهم.

كاتبٌ وصحافي من مواليد 1970، درس علم النفس الإكلينيكي في جامعة قسنطينة. يعمل في الصحافة منذ قرابة خمسةٍ وعشرين عاماً؛ حيث انتقل بين عددٍ مِن الصحف الجزائرية، آخرها “النصر” التي يتولّى إدارة تحريرها منذ 2000، وفيها يكتب عموده الأسبوعي “أجراس”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • فيصل
    01 يناير 2021 | 22:17

    تعليقي هو: مقال لا يخلو من طرافة. جميل

قصص قريبة