لا تماثيل لرموز المغرب في الفضاء العام

لوهلةٍ أولى، يبدو غيابُ التماثيل عن الفضاء العام في المغرب واقتصار وجودها على الفضاءات المغلَقة مرتبِطاً بذهنيةٍ جماعية لا تزال غير متقبِّلةٍ لرؤية التماثيل في الساحات العامّة؛ حيث يُنظَر عادةً إلى النصب التذكارية مِن زاويةٍ دينية، لا مِن زاوية جمالية.

لا تماثيل لرموز المغرب في الفضاء العام
(تمثال ابن بطوطة عند مدخل "المركز الثقافي الإسلامي" في مدينة تشيوانتشو الصينية – تصوير: سودهيندرا كولكارني)

قبل أربع سنوات، وخلال زيارةٍ له إلى مدينة طنجة، عبَّر أحدُ المستشارين الثقافيّين الصينيّين عن رغبته في زيارة ضريحٍ يقع في أحد أزقّة المدينة الواقعة أقصى شمال المغرب يُعتقَد أنّه لابن بطّوطة، (ثمّة خلافٌ حول مكان دفنه). وخلال تبادُله أطراف الحديث معهم، كشَف الضيفُ الصيني لمرافقِيه عن صورةٍ تُظهِر تمثالاً للرحّالة المغربي (1304 – 1377) في مدينة تشوانتشو الصينية.

حينها، خطرت ببال عمدة طنجة، محمد البشير العبدلاوي – كما روى في ندوةٍ ثقافية عُقدت لاحقاً – فكرةُ إقامةِ نصب تذكاري لابن بطوطة في المدينة التي فيها وُلد ومنها انطلق في رحلاته إلى العالَم. وفي الندوة نفسِها، كشَف عن قيام جماعته بمراسَلة “المجلس العلمي المحلّي”، وهو هيئةٌ فقهية رسمية، طالباً منها فتوىً تُجيز نصب تمثالَين في المدينة؛ أحدُهما للرّحالة الطنجي، والآخر لشخصية هرقل في الميثولوجيا الإغريقية، والتي تحمل اسمَها مغارةٌ اكتُشفت في طنجة عام 1906.

أثار تصريحُ العبدلاوي استغراب المهتمّين بتراث المدينة، وتساءَل بعضُهم عن سبب لجوئه إلى استصدار فتوىً فقهية بجواز إقامة التمثالَين، على الرغم مِن أنَّ منصبه كرئيسٍ للشرطة الإدارية في المنطقة يمنحه صلاحياتٍ لتزيين مدينته مِن دون المرور بتلك الخطوة. لكنَّ الأخير علَّق، في تصريحاتٍ صحافية، بالقول إنَّ “إقامة نُصبٍ تذكارية في المدينة قضيّةٌ ترتبطُ بالرأي العام، لكونها تُثير نقاشاً كبيراً في المجتمع المغربي الذي لم يعتد على رؤية تماثيل لرموز وطنية في الفضاء العام”.

محاوَلةُ تفسير

وبالفعل، فإنَّ شوارع المدن المغربية، وعلى عكس كثيرٍ مِن البلدان العربية والإسلامية، تخلو مِن التماثيل التي تُجسّد الرموز الوطنية، على الرغم مِن أنَّ تاريخ البلاد السياسي والثقافي والفنّي لا يعدم شخصياتٍ تستحقُّ الاحتفاء بها وتخليدها مِن خلال إقامة نُصُبٍ تذكارية لها.

وللمفارقةِ فإنَّ أحد التماثيل القليلةِ التي كانت موجودةً في الفضاء العام يُجسِّد “رمزاً غير وطني”، هو العسكري والجاسوس والرحّالة الإسباني دومينغو فرانثيسكو باديا، المعروف باسم علي باي العباسي (1767 – 1818)، والذي دخل مدينة طنجة عام 1803 مُتنكّراً في زي عربي، وعاش فيها بشخصية رجُلٍ مسلمٍ مِن الشام؛ فقد ظلَّ تمثالُه منتصباً في بني مكادة بطنجة حتى عام 1991، حين قرّرت السلطاتُ إزالته بعد تعرُّضه لتخريبٍ من مواطنين خلال مظاهرة احتجاجية على الغزو الأميركي للعراق.

تمثال دومينغو فرانثيسكو باديا في طنجة

(أُزيل تمثال دومينغو فرانثيسكو باديا مطلع التسعينيات)

في المقابِل، توجَد في مختلف المتاحف المغربية العديدُ من التماثيل التي تعود إلى فتراتٍ قديمة مِن تاريخ البلاد، كما هو الحال في “متحف التاريخ والحضارات” في الرباط (يعود بناؤه إلى عشرينيات القرن الماضي)، والذي يحتوي عدداً كبيراً من التماثيل والمنحوتات الرخامية والبرونزية، مِن بينها تمثالٌ رخامي كبير للملك الموريتاني بطليموس، وآخر للملك الأمازيغي جوبا الثاني، وثالثاً لجونو رئيسِ الآلهة في الأساطير الرومانية، ورابعاً لإلهة الحب فينوس…

لوهلةٍ أُولى، سيبدو غيابُ التماثيل عن الفضاء العام ووجودُها فقط في الفضاءات المغلَقة مرتبِطاً بذهنيةٍ جماعية لا تزال غير متقبِّلةٍ لرؤية التماثيل في الساحات العامّة؛ حيث يُنظَر إلى النصب التذكارية عادةً مِن زاويةٍ دينية، لا مِن زاوية جمالية؛ أي بوصفها تُحَفاً فنّية. ولعلَّ ذلك يُفسِّر، بشكلٍ ما، عدم الاعتراض على وجود بعض المنحوتات في الفضاءات العامّة؛ مِثل “المحارِب الواقف” أمام مدخل “متحف الفن الحديث” في الرباط، وهو تمثالٌ ضخمٌ للنحّات السنغالي البارز عثمان سو (1835 – 2016)، يصل ارتفاعه إلى أربعة أمتار.

غير أنَّ الباحث في علم الجماليات، موليم العروسي، يُقدِّم تفسيراً آخر لغياب التماثيل عن ساحات المغرب؛ إذ يقول في حديثٍ لـ”رحبة” إنَّ “جُزءاً مِن التفسير يكمُن في التاريخ؛ فبينما ورثت كلٌّ مِن الجزائر وتونس تقليداً فرنسياً يتمثَّل في تشييد التماثيل وإقامتها في الساحات العمومية، لم يسنّ المستعمر نفسُه هذا التقليد في المغرب”.

يُضيف: “تبنّى الماريشال هوبير ليوطي، أوّلُ مُقيم عام للمغرب بعد احتلاله، الفلسفة الاستشراقية التي تُلحّ على إبقاء الشرق كما هو مِن دون تغيير، وكأنه وثيقة تاريخية. وقد كلَّف مجموعةً مِن المهندسين المعماريّين بتخطيط المدن المغربية ووضع النافورات في ساحاتها، وليس التماثيل”.

إلى جانب ذلك، يُشير العروسي إلى أنَّ “مدارس الفنون الجميلة في المغرب لا تُعير كبير اهتمام بمادّة النحت، كما أنَّ جامِعي التُّحف الفنية لا يقتنون المنحوتات. بل إنَّ العدد القليل من النّحاتين المغاربة يُعانون مِن عدم تسويق إبداعاتهم”.

تاريخٌ مِن المنع

طُرحت مسألة إقامةِ تماثيل لرموزٍ وطنية في المغرب في عدّة مناسبات، لكنّها كانت تنتهي، في كلّ مرّة، مِن دون تحقيق شيء؛ ففي العام 1961، وبعد رحيل الملك محمد الخامس، اقترحَ بعضُهم على خليفته الحسن الثاني إقامةَ تمثالٍ لوالده في إحدى المدن المغربية الكبرى اعترافاً بدوره في “ثورة الملك والشعب”. وبالفعل، أُعلن عن مسابقةٍ عالمية لإنجاز التمثال. غير أنَّ كلَّ شيء توقَّف بعد إصدار رابطة فقهاء طنجة فتوىً شرعية بتحريم التماثيل.

وفي العام 1975، عاد أحمد رضا كديرة، مستشارُ الحسن الثاني، ليطلُب مِنه السماح له بإعطاء تعليماتٍ لإقامة تماثيل للعاهل المغربي في مدن مغربية، لكن الأخير قابَل طلبه بالرفض.

يرفض كثيرٌ مِن فقهاء المغرب إقامة نصب تذكارية بدعوى أنَّ الشرع يُحرّم التماثيل

منذ ذلك التاريخ، لم تُطرَح مسألة إنجاز تماثيل ونصب تذكارية في ساحات المغرب وشوارعه، واقتصر الأمر على تصريحاتٍ متفرّقةٍ لبعض المسؤولين المحليّين أو مسؤولي مؤسَّسات رسمية خلال لحظات انتشائهم بتاريخ أو مناسبة معيَّنةً. مِن ذلك حديثُ المندوب السامي لقدماء المقاوِمِين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، في 2017، عن قرب تشييد نُصب تذكاري للزعيم التاريخي المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 – 1963). لكنَّ ذلك لم يتحقَّق بعد أربع سنواتٍ مِن هذا الحديث.

أمّا المتعاقبون على وزارة الثقافة، فلم يتطرّق أيٌّ منهُم، خلال تولّيهم مناصبهم، إلى مسألة إقامة التماثيل في الفضاءات العامّة. كان الروائيُّ وأستاذ الفلسفة بنسالم حميش، الذي تولّى وزارة الثقافة بين 2009 و2012، الوحيد الذي أثار المسألة في رسالةٍ دعا فيها إلى إقامة تماثيل ونصب ومنحوتات في الفضاءات العامّة “حتى يعمّ إمتاع الناس برمزيتها وفنية إبداعها، فتُسهم في ترقية ذائقتهم البصرية وحسّهم الجمالي”، متسائلاً: “أليس من المفارقة، بل النفاق، أن تخلوَ فضاءاتنا البرّانية من التماثيل والنصب، وأن نجدها قائمة داخل بعض متاحفنا؟”.

وفي رسالته التي حملت عنوان “مساءلة فقهائنا عن إقامة التماثيل في الفضاءات العمومية”، دعا حميش الفقهاء إلى “التفاعُل الإيجابي” مع دعوته. لكنَّ قلّةً مِنهم تجاوبت معها، ومعظمُهم رفض الفكرة بدعوى أنَّ “الشرع يُحرِّم إقامة التماثيل”.

كتبَ صاحبُ رواية “مجنون الحكم” رسالته في نهاية 2014، أي بعد قرابة سنتَين مِن مغادرته وزارة الثقافة. فما الذي مَنعه مِن إقامة تماثيل للرموز الوطنية أو إثارة الموضوع حين كانَ وزيراً؟

في المقال نفسه، يقول حمّيش إنه سبق أن دعا إلى إقامة تماثيل في المغرب في ديسمبر/ كانون الأول 2010، أي خلال وجوده على رأس وزارة الثقافة، لكن “وبالرغم من أنَّ كلامي في الموضوع كان، لضيق الوقت، إشارتياً وجيزاً، فإنّي قد وجدتُ بين زملاء نصحاء مَن نبّهني إلى أنَّ وجودي في موقع المسؤولية يقضي منّي التحفُّظ على إثارة شأن حسّاس مِن صنف ما أثرت. ومع أنّي لم أقتنع بحجية التنبيه، فقد لزمت الصمت، لكن مِن دون أن أُحجم عن متابعة التأمُّل والبحث”.

صحافي مغربي مِن مواليد 1980، حاصل على ليسانس في الفلسفة من “جامعة محمد الخامس” في الرباط ودبلوم في الصحافة والإعلام. يكتبُ في عددٍ من الصحف والمواقع العربية، ويعمل حالياً نائب رئيس تحرير في راديو 2M المغربي.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة