لقاءات جعفر
يئس جعفر من محاولات تصحيح لفظ اسمه للآخرين. اعتاد أن ينادوه بـ"جافر" أو "هافر" أو "خافر". في أواخر الثمانينيات، غادر إيران متجّهاً نحو غواذالاخارا في المكسيك بعد حصوله على منحة لدراسة الفنون البصرية.
لقاءٌ محتملٌ بجوليانا
من المحتمل أن يلتقي جعفر أحمدي الذي ينحدر من قرية باغ بهادران الإيرانية بالمجريّة جوليانا فاسيلييفا إذا استطاع تحصيل المنحة التي توفرها جامعة أوسلو. وجعفر من عائلة بسيطة لا تمتلك أموالاً كافية لتدريس أبنائها في الخارج، وهو ما سيدفعه للتقدم للمنحة.
ومن المحتمل أن تقع جوليانا بحب جعفر، فهي تدرس التاريخ الفارسي – بمنحةٍ أيضاً – في تلك الجامعة وتجد نفسها مهووسة بعوالمه، ولا بدّ أنّها كانت لتنبهر بشخصية جعفر الذي لو ألْبَسَتْهُ تاجاً لَبَدا مثل شاهِ فارسي، ربما أردشير الأول أو قورش، له حاجبان كثّان طويلان بزاويتين قائمتين وشعر أسود كثيف يتناسق مع بياض بشرته.
قد يكون التعارف قد تم وهو جالس في المكتبة يقرأ كتاباً بالفارسية، فتلتفت إليه جوليانا وتسأله عن لغة الكتاب، وهي تخمّن الإجابة الصحيحة، فيقول لها إنه كتاب عن التقاليد الصحيحة لنسج السجاد الفارسي، فتُظهِر دهشتها وتخبره أنها مهتمة بهذه الحرفة وأنها تدرس التاريخ الفارسي ولديها فضول لمعرفة تاريخ حياكة السجاد، فيحدّثها بدوره عن قريته باغ بهادران، مسقط رأسه، كونها مركز مهم لهذه الحرفة، وسينتهي الأمر بهما لشرب قهوة في كافتيريا الجامعة.
ستتكاثر اللقاءات حتى يتخرّجا ويقرّر كلاهما البقاء في أوسلو والعمل بها والزواج ببعضهما ليثمر هذا الزواج عن بِكْرِهِما مهدي الذي سيأخذ اسم والد جعفر، وفتاة تُدعى باران، بناء على رغبة جوليانا التي ستشجّع جعفر على الحديث معهما بفارسيّةٍ باتت تتقنها هي الأخرى كما تتقن استخدام الزعفران في طهي الأرز.
لقاء مؤكّد بدجاجات مهتاب خانم
استقلّ جعفر أول حافلة تغادر قريته باغ بهادران باتجاه العاصمة طهران في رحلة تستغرق عشر ساعات. في حقيبة قماشية صغيرة صنعتها والدته، وضع بجيبها الصغير الداخلي محفظة بها مبلغ مالي محسوب بدقّة، وحاجيّاته وبعض الفاكهة المجففة وحبات جوز تسد جوعه، إذ سيقضي ليلته في طهران وينطلق في اليوم التالي للسفارة النرويجية للتقدّم للمنحة.
وقد مرّ الأمر على ما يرام وواجه بشكل طبيعي ما يصادفه أيّ قرويّ في مشواره الأول للمدينة، واستأجر غرفة في بيت يقع بزقاق قديم بحي عودلاجان.
صباح اليوم التالي، كان جعفر يهمّ بالخروج من المنزل للتوجّه للسفارة النرويجية حين صرخت سيّدة تبيّن أنها الجارة مهتاب خانم، وأشارت بإصبعها نحو جعفر: هذا هو سارق دجاجاتي، هذا الغريب هو السارق.
وبين إنكار جعفر وصراخ مهتاب خانم، وتجمّع أهالي الحيّ، ومحاولات التدخّل والتهدئة والتصعيد، وجد الجميع أنفسهم في المخفر. بعد نحو أربع ساعات أُخلي سبيل جعفر حينما ظهر صبيّ يحمل بيديه الدجاجات التي فرّت من قفصها المكسور. سارع جعفر بالخروج من المخفر للقفز في أول سيارة أجرة تمرّ، دون الالتفات لاعتذارات مهتاب خانم وتبريراتها.
عبرت سيارة الأجرة الطرق مسرعة حتى وصلت حيّ “تخت طاووس” الذي يسبق حي “زعفرانية” حيث تقع السفارة النرويجية. وحين توقّف السائق على الإشارة الحمراء وسط زحمة خانقة، انقضّ عليه، بغتة، سائق أجرة زميل توقّف بجانبه واغتنم الفرصة للهجوم عليه إثر تهرّبه مراراً من تسديد ديْنٍ عليه.
ووسط الهرج والمرج وفتح الإشارة وإغلاقها عدّة مرات، وتبادل الشتائم والاتهامات والتبريرات بين السائقين الزميليْن، ترك جعفر السيّارة وسار في الشوارع مستفسراً من المارّة عن مكان السفارة النرويجية التي يلزم الوصول إليها نحو 45 دقيقة، هي أكثر من الوقت المتبقّي لتغلق السفارة أبوابها.
وظلّ يهرول في الشوارع حتى أوصلته قدماه للسفارة المكسيكية ورأى نهاية طابورٍ قوامه من الشباب، فدفعه الفضول لسؤالهم عن سبب وقوفهم، وحين علم أنهم يتقدّمون لمنحة دراسية في المكسيك، دسّ نفسه بينهم ليكون آخر المتقدّمين في ذلك اليوم، متناسياً أمر المنحة النرويجية التي بات متأكداً أن الوصول لسفارتها في الوقت المتبقّي له من ذلك اليوم أمرٌ غير ممكن.
لقاء رياضي على جميع الأصعدة
قبل تخرّجه، زار إيران في العطلة الصيفية وجلب معه لغوالاذاخارا عيّنات من السجاد الإيراني حيكت يدوياً في قريته، وخلال سنوات تحوّل لتاجر سجاد معروف في تلك المدينة.
يرتاد جعفر نادياً رياضياً يقصده أبناء الطبقة فوق المتوسطة حيث تعرّف إلى صديقه المقرّب، غابرييل نورييغا، الكاتب المكسيكي الحاصل على جائزة خوان رولفو للآداب عام 2015.
في صالة استقبال النادي، عرف غابرييل عن زيجات جعفر الثلاث الفاشلة، وأنه لم ينجب، وأنه مقيم وحده مقسّماً وقته بين العمل والسفر والنادي الرياضي. في أحد لقاءاتهما التي تتبع تدريباتهما الرياضية، عرض جعفر على غابرييل سجادة حاكها بنفسه، قسّمها لمربّعات ونسج في كلّ مربّع رسماً مختلفا وبألوان مختلطة ما بين زاهية وباهتة، شاهٌ فارسي، وشاه بانو فارسيّة، كرمة عنب، زقاق ضيّق، صبيّ يحمل دلو ماء، دجاجات ذات مناقير أكبر من حجمها الطبيعي، حزام حقيبة مورّد، ساعة رملية، شُعلة نار، طفلان لا ملامح واضحة لهما يتعانقان، بوصلة بعقرب مكسور، أعين صغيرة مغلقة، سيّدة ذات شعر طويل يغطّي ظهرها الذي أدارته للعالم، دوائر مورّدة غير مكتملة الاستدارة، غلاف كتاب مزركش، ومتاهة.
لقاء معدٌّ بشكل مسبق
في معرضٍ فنّيّ يعرض نماذج من السجاد الإيراني في المتحف الوطني لثقافات العالم بالعاصمة المكسيكية، لاحظ جعفر الوقوف الطويل لسيّدة أربعينيّة تتأمّل سجّادته المعلّقة على إحدى واجهات المعرض. اقترب منها مقاطعاً تأمّلها: هذه السجّادة حكتها بيديّ.
نظرت إليه سريعاً قبل أن تعود لتثبّت عينيها على السجادة: كم شهراً استغرقتَ في حياكتها؟
– ربما أربعة أو خمسة أشهر، لا أذكر، كان ذلك منذ وقت طويل.
– أراهن أنها تحوي مليوني غرزة.
– صحيح، تقريباً.
– الشاه فيها والشاه بانو لم يعتليا عرشاً سوى نول الغزل – ضحكت وهي تتمتم بهذه الجملة – العناصر كلّها تخلو من الاكتمال. بعض الغرز بقيت مفتوحة للأعلى وبعضها للأسفل، و.. عفواً، نسيت أن أقدّم نفسي.. جوليانا فاسيلييفا، مجريّة نرويجية، مدرّسة التاريخ الفارسي في جامعة أونان بالعاصمة المكسيكية…
كاتبة ومترجمة وصحفية أردنية فلسطينية من مواليد عمّان عام 1980. تقيم بين الأردن ونيكاراغوا منذ عام 2004، وتعمل في الترجمة الأدبية بين العربية والإسبانية. صدر لها “إخوتي المزينون بالريش” الفائز بجائزة ابن بطوطة (2017)، والمجموعة القصصية “عرافة هافانا” (2025).