مارادونا.. من يريد أن يحمل الرقم 10؟
(دييغو مارادونا بقميص نادي نابولي)

مارادونا.. من يريد أن يحمل الرقم 10؟

على الكاتب- الشبح أن يتقمّص الشخصية كي يُحسن القيام بدوره. لكن ليس أمراً مريحاً أن تكون داخل جسد مارادونا... لا مارادونا الرشيق في العشرينات من عمره، ولا مارادونا البدين بعد ذلك. فكيف نعايد البطل الأرجنتيني (1960 - 2020) في ذكرى ميلاده الأُولى بعد رحيله؟

لماذا لم أُفكّر في كتابة سيرة دييغو أرماندو مارادونا؟ كم هي مغرية بما تحتويه من تقلّبات وإثارة ودراما. كان يمكنني أن أعرض عليه خدمات كاتب-شبح، ويَصدُرُ كتابٌ بتوقيعه فيصعد بسهولة إلى رأس قائمة الأعلى مبيعاً. كل العالم ينتظر ذلك.

هناك تفاصيل كثيرة نودّ لو تُروى من زاوية البطل نفسه. لا أحد سيُحسِن تفسير الأخطاء الصغيرة التي تدمّر أسطورة فتجعلها في أيام هباءً منثوراً، ولا أحد يمكنه أن يكون بدل مارادونا وهو يعيش ذلك السقوط الحر، تماماً كما لا يمكن لأحد أن يراوغ كل الفريق المنافس ويضع هدفاً من دون أن تكون هناك فرصة للتسجيل في البداية. هل جرّب أحدكم أن يفقد كل شيء بين ليلة وضحاها؟

من واجبات الكاتب- الشبح أن يتقمّص الشخصية كي يُحسن القيام بدوره. أن تكون داخل جسد مارادونا ليس أمراً مريحاً. لا مارادونا الرشيق في العشرينات من عمره، ولا مارادونا البدين بعد ذلك. هناك شيء ثقيل على أكتافه عليك أن تحمله معه، ومن ثمّ تعبر العالم فوق حبل، بسرعة ودون أن تفقد التوازن.

حين وصل مارادونا إلى نابولي في صيف 1984، رأى الأمل الذي ارتسم في وجوه أنصار فريق الجنوب الإيطالي. 75000 تقريباً كانوا في الملعب لاستقباله. خلال الندوة الصحفية التي عُقدت لتقديمه، وصله صوت الجماهير في الخارج وهي تتغنّى باسمه. وصله ارتفاع سقف الانتظارات والحب الذي يتهيّأ لتسطير الطريق نحو الأمجاد.

في تلك الندوة، كان صحافيو الجرائد الكبرى، وهي من الشمال، يُبطنون السخرية من رئيس النادي، كورادو فيرلاينو، وصفقته المجنونة التي أتت بأغلى لاعب في العالم إلى أحد أفقر أندية الدوري الإيطالي. يومها تمادى الرئيس فقال إنه يطمح مع مارادونا إلى الفوز باللقب والانتصار على الفِرق الكبرى؛ مثل جوفنتس وميلانو وروما.

دييغو مارادونا

(مارادونا متوّجاً في مونديال 1986)

لم يكن الفتى الأرجنتيني يستطيع أن يُخفّف من سيل الآمال التي تُعلّق عليه. لم يجد ما يقول، غير أنه سيكون عند حسن ظنّ الجميع من مسؤولين ومعجبين. يقول مارادونا ذلك، وهو منكسر النفس إلى حد كبير، فوراءه سنتان قاسيتان. في مونديال 1982 علّق عليه الأرجنتينيون آمالهم للحفاظ على كأس العالم، لكن الفريق انهزم في مباراتين متتاليتين ضد إيطاليا والبرازيل وخرج من كأس العالم، وعُلّق الفشل على مارادونا وهو طري العود في الثانية والعشرين من عمره، فقد اختُزل سبب الهزيمة في خروجه بورقة حمراء، بدت وكأنها أُشهرت في وجه بلد بأسره.

وفي نادي برشلونة الإسباني الذي أتاه كأغلى صفقة في تاريخ كرة القدم حينها، عاش موسمَين من الرعب والتدمير النفسي، فعانى من العنصرية والعنف الموجّه ضدّ لعبه الفرجوي. ولكن، لولا تلك الإخفاقات ما كان ليحطّ في نابولي؛ فريقٌ صغير يُمكن أن يكون فضاءً مريحاً كي تتجلّى موهبته. لكن هل تكفي الموهبة وحدها؟ لقد أثبتت السنوات القليلة الماضية أنّها مجلبة للمتنمّرين والحاقدين، وما لم تحسن مراوغة هؤلاء فلن تبلغ مداها.

كانت المباريات الأولى صعبة. خسر فريق نابولي وتضاعف الضغط على الفتى الأرجنتيني. صمد أمام الضربات المتعمّدة والإيذاء النفسي. ليس هناك فرصة أُخرى سوى النجاح في نابولي، وإلّا لن يكون مارادونا غير مشروع لاعب جيّد. شيئاً فشيئاً بدأت الروح الانتصارية تدبّ في الفريق. التقط مارادونا الموجة وترك شهيته تنفتح بالتدريج للتهديف والمراوغة واللمسات السحرية.

لم يُحقّق نابولي لقب الدوري في أول سنتَين مع مارادونا، ولكنه بات جاهزاً للمنافسة. كان العامان مثل تهيئة للبطل كي ينضج لمنجزه الأعظم: كأس العالم 1986 في المكسيك. دخلها مارادونا وعلى أكتافه خيبة الدورة السابقة، ولكنه بات أنضج وفي أعلى مستوى فنّي. استمدّ الثقة أيضاً من محبةٍ بات يلمسها في كل مكان. لم تخلُ مباراة من لقطة فاتنة يصنع بها الفرجة  حتى جاء موعد العرض التاريخي في قيظ يوم 22 يونيو/ حزيران.

كان على مارادونا أن يُنصف في ميدان الكرة كلّ الشعوب المغلوبة في رقعة الشطرنج الدولية

في الخلفية، ارتسم رهان جيوسياسي بين البلدين المتواجهين: الأرجنتين وإنكلترا. على مارادونا أن يُنصف في ميدان الكرة كل الشعوب المغلوبة في رقعة الشطرنج الدولية. في ذلك اليوم، سرق الانتصار وانتزعه باستحقاق في نفس الوقت. كانت تلك عظمة اللوحة التي رسمها. اختطف كرة معلَّقة في الهواء بيده من دون أن يشاهده الحكَم واضعاً فريقه في المقدّمة، وبعد دقائق أخرس كل تشكيك حين وضع الهدف الذي لا يزال إلى اليوم أروع منجز فردي في تاريخ الكرة.

كأن كل شيء قد توقّف في كوكب الأرض حين كان مارادونا يشقّ الملعب طارحاً كل منافسيه الإنكليز أرضاً. كانت كل حركة دقيقة لا تحتمل الإضافة أو النقصان، وحين فرغ من لوحته وضع الكرة في الشباك وذهب للاحتفال مع رفاقه ببراءة طفل أسعد كلّ من حوله.

بعد ذلك الهدف، وبعد تلك المباراة التاريخية، كيف يمكن العودة إلى الأرض؟ لم تُحقّق الأرجنتين شيئاً بعدُ بفوزها على إنكلترا، وكان مارادونا بطل المباراة اللاحقة أيضاً حين سجّل هدفين في بلجيكا، وكان عليه أن يقود فريقه للقب أمام الألمان، وهو ما حقّقه بعد مباراة ماراثونية حسمتها تمريرة القائد الأرجنتيني حين وضعه زميله بروشاغا على سكّة هدف الحسم.

عاد بعدها إلى واجباته في نابولي، وما يزال الحلم فيها لم يتحقّق بعد. مارادونا المحمول بالحب والثقة بات غير قابل للإيقاف، وقد حمل فريقه إلى حصد لقب الدوري في مايو/ أيار 1987. كان أوّل لقب يفوز به فريق من جنوب إيطاليا، قالباً بذلك معادلات الكرة والاقتصاد والسياسة بضربة واحدة، وقد تجدّد الإنجاز في 1989، وبذلك اكتملت أسطورة مارادونا قبل أن تدخل في فصولها التراجيدية، وقد بدأت بعض ملامحها تتشكّل مثل غيوم رمادية في السماء.

في ملاعب إيطاليا نفسها سيُقام مونديال 1990. يا لها من حبكة شكسبيرية تلك التي وضعت الأرجنتين وإيطاليا في مواجهة مباشرة في نصف نهائي كأس العالم في نابولي بالذات. إلى من سيَدين جمهور ملعب سان باولو؟ إلى صانع أفراحهم طوال ستّة سنوات أم إلى بلدهم؟ علانيةً، طالب مارادونا من النابوليتانيين أن يدعموا الأرجنتين ضد إيطاليا، وقد ذكّرهم بما عانوه من تهميش وإقصاء تحت سقف هذه الدولة غير العادلة، لكنه وجد غير ذلك يوم المباراة وشعر بعفوية مراهق أنه قد تعرّض لخيانة حبيبته.

فازت الأرجنتين بعد مباراة معقّدة أحبطت حلم الإيطاليين بالفوز بكأس العالم على أراضيهم. سرعان ما ظهرت سكاكين كثيرة مستعدّة لذبح مارادونا الذي حاول إشعال الفتنة بين أبناء البلد الواحد. خلال المباراة النهائية ضد ألمانيا في روما، كان واضحاً أن الجمهور الإيطالي قد شيطن مارادونا الذي استاء من الصافرات التي سمعها أثناء أداء النغم الوطني الأرجنتيني، وبدا أنّ كل شيء قد تهيّأ لتحطيم قلبه في ذلك اليوم بهزيمة أسالت دموعه.

لكن ذلك لم يكن سوى بداية انتقام الإيطاليّين. حين عاد إلى نابولي، بدأ يشعر بأنه غير مرغوب فيه، وحين أعلن رغبته بالرحيل رُفض طلبه. انطفأت تلك الحفاوة التي حملته لسنوات، ثم تهاطلت الفضائح، فضائح النساء والمنشّطات والمخدّرات والأبناء غير الشرعيّين. كان من الواضح أن قراراً جماعياً قد اتُخذ لتدميره، ليس على أرض الملعب فحسب، بل تدمير حياته برمّتها.

تُرى ما الذي كان مارادونا يشعر به وهو يشاهد فيديوهات سنوات المجد وهو طريح الفراش؟

دخل اللاعب الأرجنتيني في دوامة من المحاكمات والإيقافات التي لم ترحم موهبته أو روحه المرحة. بقسوة جلاّد، حُكم بالإعدام على مسيرة أفضل لاعب في العالم، حتى محاولات العودة اللاحقة كانت أشبه بمحاولات إيقاظ ميّت، ولم تزد مارادونا إلّا فضائج جديدة كان أبرزها في نهائيات كأس العالم 1994 حين جرى طرده من المسابقة بعد مباراتين بدعوى تناوله للمنشطات.

غادر مارادونا الملاعب، وبات العالم لا يسمع باسمه إلّا عبر الأزمات الصحية المتتالية أو أخبار مناوشاته مع الصحافيّين المتطفّلين أو لقاءاته مع السياسيّين، خصوصاً كاسترو وتشافيز. في تلك السنوات، كيف كان يعيش ترهُّل جسده، نفس الجسد الذي كان يعبر كالماء بين صخرات المدافعين؟ تُرى ما الذي كان مارادونا يشعر به وهو يشاهد فيديوهات سنوات المجد وهو طريح الفراش؟

رُفع مارادونا، مرّات، إلى مراتب الآلهة الوثنية. وأُلقي به في جبّ الحرمان والإقصاء. ومات أكثر من مرّة، دفع نظير موهبته أثماناً باهظة جدّاً. هل كان يمكنه تغيير شيء في هذا المصير؟ هل يمكن أن يتمنّى أحد أن يرتدي قميص آلامه هذا. وحده الذاهب إلى كتابة سيرته يتجشّم هذا العناء، وهو ظالمٌ نفسَه بلا شك.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة