محمد ديب… فنُّ أن تكون بربريّاً

دائماً ما عاش الجزائريون هويتهم بشكل كامل. غير أنَّ موضوع البحث عن الأب يُمثِّل لهُم، اليوم وبشكل صارخ، مصدراً للقلق وللأوهام، هذا الأب الذي لم يضطرّوا لقتله؛ لأنَّ المستعمرين على مرّ العصور تكفّلوا بذلك... لقد قاموا بتحويل الجزائريّين إلى أبناء لا أحد.

محمد ديب… فنُّ أن تكون بربريّاً
(طفلة في تلمسان عام 1946. مِن كتاب "تلمسان أو أماكن الكتابة"، منشورات "البرزخ" 2020)

يوجد في اللغة البربرية فعْلٌ لم يحدُث أبداً أن صادفتُ مُقابِلاً له في كلّ اللّغات التي تعاملتُ معها بشكل مباشر أو غير مباشر: “ڤوجل”، والذي يُمكن ترجمته حرفياً: “أصبح يتيماً” [يبدو جلياً بأنّ الكاتب لم يُقارب جيّداً اللّغة العربية التي تحوي مُقابلاً دقيقاً للكلمة البربرية، هو الفعل: “تَيَتَّم”. المترجم].

يَتميّز هذا الفعل بخصوبة فلسفية، خصوصاً حين يجري تصريفُه لغوياً ليعود على ضمير المتحدِّث؛ فهو يمنحنا معانيَ عديدةً تُحيل على دلالات غنيّة تنطلق مِن العلاقة مع الأب، مُروراً بفكرة الرحيل، قبل أن تصل إلى سؤال المنفى المُلحّ.

بالفعل، حين نقول بالبربرية “ڤوجلغ”، فهذا معناه بالعربية: “أصبحتُ يتيماً [تيتَّمْت]”. وحين نُضيف الأداة “د”، (ڤوجلغد)، فيُمكن ترجمتُها: “لقد جئت يتيماً أستجدي أبوّة حامية ما عدتُ أملكها”.

لم تسترع اهتمامي هذه الكلمة التي طالما سمعتُها طوال حياتي إلاّ حين قرأتُ كتاب “شجرة الأقوال” (1998) لمحمد ديب (1920 – 2003). في رأيي، الموضوع الأكثر أصالةً لهذا الكتاب العصيّ على القبض هو ثيمة “التيتُّم”.

في الفصل الذي يحمل عنوان “عودة إبراهيم”، كَتبَ ديب: “يمكننا القول، وكلّنا ثقة، بأنَّ البحث عن الهوية لم يُشكّل أبداً الهمّ الأكبر للجزائريّين. الهوية تُعاش ولا تُعرَّف، ودائماً ما عاش الجزائريون هويتهم بشكل كامل. بدلاً من ذلك، يُمثِّل – اليوم وبشكل صارخ – موضوعُ البحث عن الأب لديهم مصدراً أساسياً للقلق وللأوهام، هذا الأب الذي لم يضطرّوا لقتله؛ ذلك أنَّ مختلف المستعمرين على مرّ العصور تصدّوا لهذه المهمة، فاختزلوا أبناء الجزائريّين في “تيتُّم” عام، أو في شكلٍ من أشكال النُغولة (bâtardise) عن طريق مُصادَرة صورة الأب. لقد قام المستعمرون بتحويل الجزائريّين إلى أبناء لا أحد، إلى أطفال لا يُؤثِّر فيهم السم (mithridatisés)، مخصيّين عصبيّين”.

تلمسان عام 1946

(مِن تلمسان عام 1946. مِن كتاب “تلمسان أو أماكن الكتابة”)

يبدو لي بأنّ هذا التفكير “الديبي” يُلخِّص المأساة الجزائرية بكامل تعقيداتها، ويمدُّنا بشبكة تحليلية تسمح لنا بتجاوز القرون والأجيال لفهم المسعى الحقيقي للجزائريّين: رحلة البحث عن الأب، ومِن خلاله البحثُ عن تلك السلطة الضامنة والحامية التي لم يسبق أبداً أن حضوا بها، ثُمّ قتلُ هذا الأب ليصبحوا أخيراً بالغِين.
ما يجعل مِن هذه الرؤية فريدةً مِن نوعها هو بُعدها العابر للتاريخ (transhistorique)؛ فهي لا تضع الجزائري في موضعٍ ثابت وفي حالة تيتُّم معلَن نهائيةٍ تعقب الخسارة الجسدية للأب، بل تضعه في نوع مِن الحركة، في آلية تيتيم (Orphelinisation) تسلب الجزائريّين آباهم وتُحوِّلهم إلى “أبناء لا أحد”، إلى “أطفال لا يطالهم السمّ”، وإلى “مخصيّين عصبيّين”.

بدأت هذه الآلية المعقَّدة والعنيفة جدّاً، التي يصفها ديب، منذ أوّل احتلال عرفَته الجزائر وتستمرُّ إلى يوم الناس هذا. سِمتُها العنيفة والمتكرِّرة أدّت إلى حدوث تصدُّع هائل في النظام النفسي للجزائريّين الذين أصبحوا ناجين مجهولين مِن معركة مرتَّبة منذ قرون. إنهم يشبهون شخصية رواية “القلعة” لكافكا؛ فهُم مثله يبحثون عن أبٍ تيتَّموا منه منذ قرون، أب لم يعُد موجوداً.

يُعلّمنا ديب بأنّ البربرية هي فنُّ الانتماء إلى العالَم بواسطة الألم والحقيقة العارية

رافقَت اللغةُ البربرية – لغةٌ عمرها آلاف السنين – كلَّ تلك الاحتلالات التي كانت الجزائرُ ضحيةً لها منذ فجر التاريخ، وعرفت كيف تخلق كلماتٍ، ليس فقط انطلاقاً من أصوات الطبيعة (“فرفر” تعني يطير، “دڤدﭪ” معناها حطّم… إلخ)، بل أيضاً انطلاقاً من صرخات النفس الجزائرية، عن طريق ترجمة كلّ ذلك الغليان الذي تشهده الحياة الداخلية والنفسية للفرد البشري… فعلَت ذلك مِن خلال نحوٍ وصرفٍ وقواعدَ تَحدّت أعتى العلوم الدقيقة.

في الواقع، لا تقوم اللغة البربرية بوصف هذه الهمجية المتطرّفة للتيتُّم، بل هي تصرخها. كلُّ ذلك الغنى التصوُّري والفلسفي الذي ترجمه محمد ديب، الكاتب الجزائري الأكثر عالمية، بطريقة شعرية مُوظِّفاً غبار كلمات فرنسية تُثير الدهشة بقوّتها وتُذهل المرء بقسوتها، كلُّ ذلك الغنى لخّصَته اللغة البربرية في فعل واحد، بريء، هزيل، لكنه محطِّم: “ڤوجل”.

هذه الخصوبة في التصوُّر الخاصّةُ باللغة البربرية تُعبِّر عن مسيرة شاقّة وغنية بالتجارب – الجوّانية والتاريخية – المؤلمة للشعب البربري. وهو يقول بنُبل ماهية هذه المسيرة، لكن مِن دون أن يُوظِّف نفس الكلمة “ڤوجل”.

يُعلّمنا محمد ديب بأنّ البربرية (Berbérité)، وبعيداً عن اللغة، هي فنُّ الانتماء إلى العالَم بواسطة الألم والحقيقة العارية… فنّ كتابة التاريخ ليس بالكلمات ولكن داخل الكلمات.

 

المصدر: Algerie Cultures

كاتب وصحافي من مواليد 1986 في الجزائر، مهتمّ بقضايا الذاكرة والنُّخب والتغيُّرات الاجتماعية والسياسية. أشرف على كتاب جماعي بعنوان “أي انتقال ديمقراطي لأيّ جزائر؟”. أسّس “دار فرانز فانون” في 2016، وصدرت روايته الأولى “زمن الإشاعات الكبرى” في السنة نفسها.

قاصّ ومترجم من القبائلية والفرنسية والإنكليزية إلى العربية، من مواليد 1986. يعملُ أستاذاً في جامعة سطيف. تصدر له قريباً مجموعة قصصية، وترجمة مشتركة من الفرنسية لكتاب “من الإنسان إلى الربّ: رحلة في قلب الفلسفة والأدب”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة