مشهدٌ مُخلّ

هل ظهور امرأة بثديين عاريين في فيلم أجنبي على قناة لا يشاهدها أحد أكثر إخلالاً بالحياء وتنافياً مع قيم المجتمع وتعاليم الدين من مئات الساعات التي تمتهن الكرامة الإنسانية وتنتهك خصوصيات الأُسر والأفراد وتروّج للجهل والدجل على القنوات التي تحظى بنسب متابعة عالية؟

مشهدٌ مُخلّ

“عدمُ احترام خصوصيات المجتمع الجزائري ومتطلّبات الآداب العامة، من خلال بثّها محتوىً خادشاً للحياء ومَشاهد تتنافى والقيم الاجتماعية”. كانَ هذا هو المُبرّر الذي استندَت إليه “سلطة ضبط السمعي البصري” في قرارها، الصادر أوّل أمس الإثنين، بالوقف النهائي لبثّ قناة “الأجواء”.

يُثير هذا القرار أكثر من سؤالٍ على أكثر من صعيد: هل قرار وقف بثّ القناة قانوني؟ وهل تملك سلطة الضبط صلاحيةً لوقف بثّ القنوات التلفزيونية؟ وما هي المعايير التي يُمكن الاستناد إليها للحُكم على محتوىً ما بأنّه “خادشٌ للحياء ومُنافٍ للقيم الاجتماعية”؟

تُحيلنا هذه الأسئلة إلى بعض المسائل المتعلّقة بنشاط القنوات التلفزيونية “الجزائرية” على المستويَين القانوني والإعلامي.

لنَعُد أوّلاً إلى باب “العقوبات الإدارية” في القانون رقم 14- 04 المؤرَّخ في 24 فبراير 2014، والمتعلّق بالنشاط السمعي البصري؛ حيث نقرأ في المادّة 98: “في حالة عدم احترام الشخص المعنوي المستغلّ لخدمة الاتصال السمعي البصري التابع للقطاع العام أو الخاص للشروط الوردة في النصوص التشريعية والتنظيمية، تقوم سلطة ضبط السمعي البصري بتوجيه إعذار بغرض حمله على احترام المطابَقة في أجلٍ تحدّده” الهيئة.

ونقرأ في المادّة 100 بأنّ سلطة الضبط تُسلّط عقوبةً مالية على الشخص المعنوي في حال عدم امتثاله بالإعذار في الأجل المحدَّد. وفي حالة عدم امتثال الشخص المعنوي لمقتضيات الإعذار رغم العقوبة المالية، تأمر سلطة الضبط، بحسب نصّ المادّة 101، “إمّا بالتعليق الجزئي أو الكلّي للبرنامج الذي وقع بثّه، أو بتعليق الرخصة عن كلّ إخلال غير مرتبط بمحتوى البرنامج. وفي كلتا الحالتَين، لا يمكن أن تتعدّى مدّة التعليق شهراً واحداً”.

وفي المادّة 103، نقرأ: “تؤهَّل سلطة ضبط السمعي البصري، بعد إشعار السلطة المانحة للرخصة، للقيام بالتعليق الفوري للرخصة دون إعذار مسبَق، وقبل قرار سحبها في الحالتَين الآتيتَين: عند الإخلال بمقتضيات الدفاع والأمن الوطنيَّين، وعند الإخلال بالنظام العامّ والآداب العامّة”.

إذن، يستند قرارُ سلطة ضبط السمعي البصري بالوقف النهائي لبثّ قناة “الأجواء” إلى المادّة 103 من القانون 14- 04. لكنّنا، هنا، أمام مشكلة قانونية؛ فنصُّ المادّة يتحدَّث بشكلٍ صريح عن “التعليق الفوري للرخصة” وعن “سحب الرخصة”، وليس عن “وقف البثّ”؛ وهي العبارة التي وردت في بيان سلطة الضبط.

وحين نعلم أنّ “الأجواء” – مثل غيرها من القنوات الجزائرية الخاصّة – مسجَّلةٌ خارج البلاد، وأنّها لا تملك مِن الأساس رخصةً للنشاط في الجزائر، سنُدرك أنَّ قرارَ سلطة الضبط بوقف بثّها ليست له أيّةُ قيمةٍ من الناحية القانونية؛ إذ لا يمكن سحب رخصةٍ غير موجودة أساساً. وينطبق ذلك أيضاً على “القنوات الجزائرية” التي أعلنت سلطةُ الضبط، في الفترة الأخيرة، عن وقفها “بشكل فوري ونهائي”.

لنتخيَّل أنْ تُصدر سلطةَ ضبط السمعي البصري في الجزائر قراراً بوقف بثّ قناة “إم بي سي 2″، مثلاً، لأنّها بثَّت محتوىً تعتبره “مُخلّاً بالحياء”! لا يختلف الأمرُ عمّا حدث مع “ألأجواء”.

بإمكان السُّلطات الجزائرية، بالتأكيد، إغلاقُ مبنى القناة ومصادرةُ أجهزتها، لكنَّ ذلك سيكون مِن صلاحيات جهاتٍ أُخرى غيرَ سلطة ضبط السمعي البصري. أمّا المُبرّر في هذه الحالة فسيكون، مثلاً، أنّها تنشط بشكلٍ غير قانوني، وليس أنّها بثّت “محتوىً خادشاً للحياء ويتنافى مع القيم الاجتماعية”.

بمعنىً آخر، فإنّ عملَ قنواتٍ تلفزيونية في الجزائر خارج القانون يبقى غير قانونيّ حتّى وإن كان محتواها “غير خادش للحياء” ومتناغماً مع القيم الاجتماعية. المشكلة أنّ السُّلطةَ هي مَن خلقت هذا الوضع، وهي من كرّسته، وجعلت منه حالةً مستمرّةً طيلة عشرية كاملة (2012 – 2022)، وليس مجرَّد حالةٍ مؤقَّتة.

لكن، ليس ثمّةَ ما يُشير إلى وجود إرادةٍ لدى السُّلطة في الخروج من هذا الوضع غير القانوني، بل على العكس من ذلك؛ تُخبرنا جميع المؤشّرات بأنّ السُّلطة تعمل على استمراريته والإفادة منه، بما أنّه يُسهّل عليها غلْقَ القنواتِ التلفزيونية بدعوى أنّها “تعمل بطريقة غير قانونية وغير شرعية”.

وردَت هذه العبارة (تعمل بطريقة غير قانونية وغير شرعية) على لسان وزير الاتصال السابق، حميد قرين، في معرض حديثه عن إغلاق قناة “الوطن الجزائرية” عام 2015. في أكتوبر من تلك السنة، أُغلقت القناة المحسوبةُ على “حركة مجتمع السلم”، وحُجزت أجهزتُها، بأمر من قرين، بسبب بثّها تصريحاتٍ لمدني مزراق، القائد السابق لما يُسمّى “الجيش الإسلامي للإنقاذ”، اعتُبرت تهديداً مُباشراً للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة.

تُخبرنا المادّة 112 من القانون 14-04 أنّ الوزير المكلَّف بالاتصال يقوم بهمام وصلاحيات سلطة ضبط السمعي البصري في انتظار تنصيبها. غير أنّ قرين اتّخذ القرار بينما كانت سُلطة ضبط السمعي البصري موجودةً بالفعل؛ فقد صدرت النصوص القانونية التي تُنظّم عملها ضمن قانون (14-04) المتعلّق بالنشاط السمعي البصري في فبراير 2014، وجرى تنصيبُ رئيسها (الراحل مولود شرفي) مِن قِبل الوزير نفسِه في سبتمبر 2014، وهو ما يعني – وفق المنطق الذي جرى به إغلاق قناة “الأجواء” اليوم – أنّ وزير الاتصال استحوذ حينها على مهام وصلاحيات سُلطة الضبط مِن دون أيّ سند قانوني.

ومِن اللافت أنّ قرين أعلن، حينها، اعتزام وزارته رفع دعوىً قضائية ضدّ القناة ومديرها بتهمة “المساس برمز مِن رموز الدولة الجزائرية، والإساءة لرئيس الجمهورية”. لكنَّه أمر بإغلاق القناة قبل صدور حُكم قضائي، وقبل رفع الدعوى حتّى.

لم يكُن ذلك أوّلَ إجراء ضدّ وسيلةٍ إعلامية جزائرية يُنفَّذ خارج القانون، ولن يكون الأخير أيضاً. وهذه الخطوة سيصفها عبد اللطيف بلقايم – الصحافيُّ وعضو “اللجنة المركزية لفدرالية الصحفيين الجزائريين” حينها، و”المكلَّف بمهمّة” في رئاسة الجمهورية حالياً – بأنّها “ضربةٌ لحرية التعبير بالجزائر في الصميم“، مضيفاً في تصريحٍ لموقع “الجزيرة نت” بأنّ “السلطة لم تتجرّأ على مساءلة صاحب التصريحات (مدني مزراق)، فتغوّلت على القناة، لأنّها تعلم أنّ الصحافة هي الطرف الأضعف في المعادلة“.

وبالعودة إلى “ُسلطة الضبط”، فإنّ ما يُحيط بعملها من غموض وتناقُض (رغم أنّ مهامها وصلاحياتها مدوَّنتان في نصّ القانون 14- 04 يدعونا للتوقُّف عنده قليلاً؛ إذ غالباً ما لا تقوم الهيئةُ بمهامها المنصوص عليها.

فمثلاً، تنصُّ المادّة 54 من القانون نفسه، على أنّ من مهام سُلطة الضبط “السهر على احترام التعبير التعدُّدي والرأي بكلّ الوسائل الملائمة في برامج خدمات البثّ الإذاعي والتلفزيوني، لا سيما خلال حصص الإعلام السياسي والعامّ”. لكنّنا لا نرى أيّةَ تعدُّدية لتيارات الفكر والرأي في التلفزيون العمومي، وفي الإذاعة (إذا استثنينا المواعيد الانتخابية). مع ذلك، لم يسبق لسُلطة الضبط أنْ وجّهَت إنذاراً أو مُلاحظَةً بهذا الشأن.

مِن مهام هذه الهيئة أيضاً، حسب المادة نفسها: “السهرُ على احترام الكرامة الإنسانية”، و”السهر على حماية الطفل والمُراهق”. غير أنَّ الهيئة – وباستثناء حالاتٍ قليلة وجّهَت فيها إنذارات إلى بعض القنوات التلفزيونية – بدت في الغالب غير مهتمّة بالكرامة الإنسانية ولا بالطفل ولا المُراهق ولا الأُسرة.

يدفع ذلك إلى طرح السؤال الآتي: هل ظهورُ ثديَي امرأة في فيلمٍ أجنبي على قناة لا يُشاهدها أحدٌ أكثرُ إخلالاً بالحياء وتنافياً مع قيم المجتمع وتعاليم الدين مِن مئات الساعات التي تمتهن الكرامة الإنسانية وتنتهك خصوصيات الأُسر والأفراد وتروّج للجهل والدجل على القنوات التي تحظى بنسب متابعة عالية؟

لنتذكَّر، هنا، أنّ رئيس “سُلطة الضبط” السابق، زواوي بن حمّادي، قال، تعليقاً على إهانة وترويع الكاتب رشيد بوجدرة في برنامج بثّته قناة “النهار” عام 2017 إنّ هيئته “لا تملك في هذه الحالات صلاحية المعاقبة التي هي حالياً من مهام العدالة”. بعدَ خمس سنوات، أصبحت المعاقبة من صلاحيات سُلطة الهيئة، مع أنّ القانون لم يتغيَّر، ولم يُضَف شيءٌ إلى مهام “سُلطة ضبط السمعي البصري” وصلاحياتها.

لعلّ الإجابةَ تكمن في الازدواجية التي تُمارسها السُّلطة مع وسائل الإعلام: إغلاقُ ما ترى أنّها ليس بحاجةٍ إليها، والاحتفاظ بما تعتقد أنّها تخدمها بالنظر إلى انتشارها وتأثيرها في الرأي العام. نتذكَّر، هنا، أنّ قنواتٍ جزائرية خاصّة بثّت مشاهد “خادشة للحياء”، لكنّها لم تتعرَّض لوقف البثّ.

من الطريف أنّ تلك الأخطاء حدثت مع التلفزيون الحكومي غير ما مرّة. لكن، هل نتصوَّر أن نقرأ خبراً يُفيد بأنّ سلطة ضبط السمعي البصري قرّرت إغلاق التلفزيون الجزائري لو بثّ، عن طريق الخطأ، فيلماً أجنبياً يتضمّن لقطةً تظهر فيها امرأة بثديَين عاريَين؟

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة