مع بوعلام “ديسكو مغرب”… الملاكم الذي أشعل ثورة الراي في وهران
بوعلام بن حوة في منزله بوهران، يونيو 2022 (رحبة)

مع بوعلام “ديسكو مغرب”… الملاكم الذي أشعل ثورة الراي في وهران

في هذا اللقاء، يتحدّث مُؤسّس "ديسكو مغرب" عن الإستوديو الذي بدأ كمحلّ لبيع أشرطة الكاسيت ثمّ أصبح شركةً أنتجت لأبرز الفنّانين الجزائريّين خلال الثمانينيات، وبقي مبناها شاهداً على العصر الذهبي لموسيقى الراي.

في مطلع كليب “ديسكو مغرب”، الذي أطلقه الفنّان الفرنسي من أصل جزائري، وليام سامي غريغسين (1986)، المعروف بلقب “دي جي سنيك”، نهاية مايو/ أيار الماضي، يتقدّم رجُلٌ ستّيني من محلّ قديم في قلب مدينة وهران، غرب الجزائر، بخُطىً وملامح تعكس علاقةً حميمية بالمكان يصعب أن يقطعها الزمن… يَرفع الستارَ الحديدي، ويَدخل المقرّ العتيق الذي لا يزال يحتفظ بين جدرانه بكثير من الصوَر وأشرطة الكاسيت لعدد كبير من فنّاني الراي الجزائريّين، ثمّ يُشغّل شريطاً في مسجّلة قديمة، فتنطلق موسيقى الأغنية ومَشاهدُها التي نقلَت لوحات مختلفة من الثقافات الجزائرية المتعدّدة.

 

ديسكو مغرب تُقدِّم…

ستُعيد الأغنيةُ، التي حقّقت – حتى اليوم – أكثر من أربعة وأربعين مليون مُشاهَدة على موقع “يوتيوب” لوحده، الحياة إلى استوديو “ديسكو مغرب” الذي ظلّ منسيّاً ومهجوراً لسنوات، وقد كان قبل ذلك مصنعاً لألبومات أبرز مغنّيي الراي خلال عقد الثمانينيات، جاعلةً منه محجّةً يقصدها الناس مِن وهران وخارجها، خصوصاً والمدينةُ تستضيف الدورة التاسعة عشرة من “ألعاب البحر الأبيض المتوسّط” (بين الخامس والعشرين من يونيو/ حزيران الماضي والخامس من يوليو/ تمّوز الجاري).

 

كان لا بُدّ مِن زيارة المبنى الواقع في “شارع عبد الرحمن جاودي” (شالومان سابقاً) وسْط مدينة وهران. وكان لا بُدّ أيضاً من الالتقاء بالرجُل الستّيني الذي سيستقبلني في بيته الريفي المُحاط ببستان كبير بمنطقة عين البيضاء في ضواحي المدينة، ليُحدّثني، طيلة ساعة ونصف، عن “ديسكو مغرب”؛ الإستوديو الذي بقيَ شاهداً على العصر الذهبي لموسيقى الراي في وقتٍ تَحوَّل أغلبُ شركات الإنتاج ومحلّات بيع أشرطة الكاسيت إلى أنشطة تجارية أُخرى مربحة… وعن “ديسكو مغرب”؛ الأغنيةِ التي يرى فيها تحيّةً من فنّانٍ تعلَّق بموسيقى الراي منذ طفولته، ورسخت في ذاكرته عبارة “ديسكو مغرب تُقدِّم” التي كانت تفتتح الأغاني التي أنتجها الإستوديو.

 

من الملاكَمة إلى الموسيقى

تتداخل نبرتا الشجن والحماس في صوت بوعلام بن حوّة (مواليد وهران عام 1954) وهو يُحدّثني عن سيرته الشخصية والفنّية التي اختبر فيها تجارُب قاسيةً منذ طفولة عاشها مثلما يعيشها ولدٌ فقير ويتيم الأب في زمن الاستعمار الفرنسي. كان عمرُه سنتَين وبضعةَ أشهر حين لجأت أُسرته إلى حيّ رأس العين، بعد أن قتل جيشُ الاستعمار الأبَ سنة 1957، ودمَّر بيته عن آخره، كما فعل ببيوت عائلات أُخرى التحق أفرادٌ منها بالثورة الجزائرية (1954 – 1962).

وهناك، في رأس العين؛ حيثُ مدراج صباه، سيجد الطفلُ نفسه ينوء بأحمال تثقل على من هُم أكبر منه سنّاً؛ وأوّلُها تحصيل القوت اليومي، وسيجد نفسه أيضاً وهو يُدندن، بينما يمشي في شوارع المدينة بين أحياء رأس العين والكْمِين وبلاطو، أغانيَ قديمة لشيوخ الراي الذين غنّوا عن الحُبّ والوالدَين والوطن والغربة.

يقول مُحدّثي، الذي تجعله بنيته القويّة وشاربه الأبيضُ الطويل، يبدو مثل بحّار قديم وعنيد، إنّ الخروج من حالة البؤس تطلَّب منه كثيراً من الصبر والاجتهاد في رحلته التي كان مُلاكماً في إحدى محطّاتها، قبل أن يتخلّى عن شغف الملاكمة، ليتحوّل إلى إنتاج ألبومات الراي، تدفعه في ذلك أذنه الموسيقية وطموحه إلى إيجاد مشروع يشبهه يمضي به إلى النجاح، إثباتاً للذات، وتحقيقاً لأحلام طفل كان الفقر واليتم يجعلانه يُدندن أغنيات حزينة في أزقّة وهران.

 

“مغرب موزيك”..

سيُحوّل الشابُّ ولعَه بالفنّ والموسيقى إلى مهنة أخذت تنتشر في بداية الثمانينيات التي أصبحت سنوات ذهبية لموسيقى الراي. هكذا، صار لبوعلام محلٌّ لبيع أشرطة الكاسيت في “ساحة المغرب” مقابل “البريد المركزي” في وهران. ومن الساحة استمدَّ المحلُّ اسمه: “مغرب موزيك”، لكنَّ خطأً ارتكبه خالد حاج إبراهيم (1960) سيُعطيه اسماً آخر، وهو الاسمُ الذي سيرتبط ببوعلام أبداً.

حدث ذلك بينما كان الشاب خالد يُسجّل إحدى أغنياته بحضور بوعلام ومجموعة من أصدقائه الذين كانوا يتبادلون، في الإستوديو، أفكاراً حول الموسيقى وكلمات الأغاني؛ فبدل أن يقول: “في خاطر بوعلام مغرب موزيك”، قال: “في خاطر بوعلام ديسكو مغرب” (أو “اسطوانات المغرب”. وكلمة مغرب في اللغة الفرنسية يُقصد بها المغرب الكبير).

ويومها، تغيَّر اسمُ الإستوديو الذي لم يعُد مجرّد مشروعٍ في ذهن مُلاكم محبّ للموسيقى؛ إذ كان الخطأ سبباً في العثور على اسم وجده مُناسباً أكثر، لينطلق بعدها كشركة لإنتاج أشرطة الكاسيت باسم جديد.

 

جار “جبهة التحرير الوطني”

يتألّف مقرّ “ديسكو مغرب” من طابق أرضي رئيسي، وآخر تحت الأرض، بمساحة سبعين متراً مربَّعاً لكلّ منهما، إضافةً إلى مكتب في الطابق الأول بمساحة أقلّ قليلاً. وفي حديث بوعلام “ديسكو مغرب” عن المكان، مزيجٌ من الحنين والواقعية. يُخبرني أنّه كان، في البداية، محلّاً للخياطة افتتحه خيّاطٌ إيطالي اسمه بيتيي، ثم تحوّل إلى مطعم للأكل السريع، قبل أن يشتريه ويُؤسّس فيه شركته الخاصّة.

ديسكو مغرب

مبنى “ديسكو مغرب” في وهران

لكنّ افتتاح الإستوديو الموسيقي لم يكُن أمراً سهلاً؛ فقد تصادَف وجودُه في نفس الحيّ الذي يضمّ مقرّ حزب “جبهة التحرير الوطني” الذي عبّر أعضاءُه عن رفضهم للموسيقى التي ستصدر من المبنى المقابل. لكنّ بوعلام مضى في مشروعه الذي ظلّ يُواجَه بالرفض من الحزب، حتّى أنّ موظَّف البلدية الذي منحه ترخيص الشركة أُقيل من منصبه بسبب ذلك.

لم يُغلِق محافظو الحزب الواحد مبنى “ديسكو مغرب”. لكنّ الخطر سيأتي من مكان آخر. بحسرة، يستعيد بوعلام ظروف غلق المحلّ والإبقاء على الشركة قيد العمل إلى اليوم، وإنْ لم تعُد تُصدِر تلك الأعداد الكبيرة من الألبومات. كان ذلك سنة 1985 مع بداية انتشار القرصنة وظهور ناسخ الأقراص المضغوطة، حيث أصبحت الألبومات تُنسَخ بأعداد هائلة وتُباع في كلّ مكان من دون مراعاة لحقوق الملكية الفكرية؛ وهو ما أدخله في “صراع قضائي جعلته قوانين حقوق التأليف والحقوق المجاورة بلا نتيجة ملموسة”.

 

زمن الصداقات

مرّت أكثر من أربعة عقود على تلك البدايات التي يستعيدُها مؤسّس “ديسكو مغرب” بذاكرة لا تُهمل التفاصيل، مُتحدّثاً عن فنّانين تعرّف إليهم أو اكتشفهم خلال غنائهم في الأعراس أو الملاهي أو في مناسبات أُخرى، ثمّ عمل معهم. يقول في هذا السياق: “الحسّ الفنّي هو المحك للاعتراف بهذا الصوت أو ذاك والتفكير في إنتاج ألبوم له”.

أمّا محمد خليفاتي (1966)، المعروف باسم الشاب مامي، فقد تعرَّف إليه بطريقة مختلفة؛ فقد ظهر المغنّي الشاب في برنامج الهواة “ألحان وشباب” على التلفزيون الجزائري عام 1982، فأجرى المُنتج اتصالات بمعارفه ليأتي به من مدينة سْعيدة (غرب الجزائر)، ويفتح له إستوديو “ديسكو مغرب” الذي انطلق منه بشكل احترافي.

جمعَت بوعلام بكثير من الفنّانين صداقاتٌ وثيقة امتدّت إلى اليوم؛ ومن هؤلاء: خالد، ومامي، وفضيلة، وصحراوي، والزهوانية التي انضمَّت إلى “ديسكو مغرب” بعد أن أصدرَت ألبومَين لم يحقِّقا نجاحاً كبيراً.

يقول عن الفنّانين الذين عمل معهم: “يملكون حبَّاً كبيراً للراي والموسيقى، كما للتأليف والإنتاج، وتجمعهم، قبل الجغرافيا، الصداقة واللقاءات اليومية مع كلّ عمل قيد الصدور”، مضيفاً أنّ تلك “العلاقة العائلية” التي جمعت بين من ارتادوا “ديسكو مغرب” في الثمانينيات لم تفتر طيلة هذه السنوات.

 

حسني مات

لم يكن ممكناً الحديث عن فنّاني الراي من دون استذكار حسني شقرون (1968 – 1994) الذي أصبح في وقت وجيز ظاهرة فنّية لافتة. “التقيت به، مرّةً، بعد عودته من الولايات المتّحدة الأميركية وسألتُه عنها، فقال لي: عن أيّة أميركا تتحدَّث يا رجل؟ أنْ أكون في وهران مع أمّي، وأزور ‘ديسكو مغرب’ أجمل عندي من كلّ أميركا”، يسرد بوعلام هذه القصّة ليستشهد بها عن مكانة وهران و”ديسكو مغرب” في قلب المغنّي الذي أنهت رصاصاتٌ غادرة مسيرته، وهو لم يتعدّ ستّة وعشرين ربيعاً.

يضيف: “كان يأتيني إلى المحل دائماً، حتى إن لم يكن لديه عمل فيه، وقد ذاعت شهرته وغدا محبوباً لدى الجزائريين. وكان وجوده في مقرّ الشركة يُسبّب زحمةً في المكان الذي يتوسّط مفترق طُرق يُشكّل، مع البنايات المحيطة به، مركز مدينة وهران في ذلك الوقت، بالقرب من ‘فندق تيمڤاد’ و’ساحة لاباستي’ (الأوراس حالياً). مقرّ الشركة كان مكاناً أثيراً لتجمُّع المعجبين الذين يأتون من كلّ جهات البلاد رغبةً في لقاء نجمهم المفضَّل”.

يقول بوعلام إنّ الشاب حسني، وخلال حياته القصيرة، ترك إرثاً فنّياً كبيراً، بفضل غزارة إنتاجه؛ فأحياناً، لم يكُن يفصل سوى أسبوع بين ألبوم يُصدره وآخر، لافتاً إلى أنّ سرّ نجاحه يكمن في تناوُله مواضيع اجتماعية وعاطفية لامست قلوب الشباب.

يستعيدُ بوعلام حادثة اغتيال حسني بدموع تجمّعت في عينيه: “في تمام الثامنة مساءً، يوماً قبل الحادثة، التقينا أمام مقرّ إذاعة وهران ودعاني لمرافقته إلى عرس أحد معارفه. حدّدنا موعدنا بالمحلّ وقال لي إنه سيذهب إلى البيت ليغيّر ثيابه ويعود إليّ. لكنّني لم أذهب معه، لأنه لم يأت يومها وغنَّى في عرسِ يتيمٍ فوق سطح أحد البيوت، تطوُّعاً منه. في حدود منتصف نهار الغد، توقّفَت سيارة شرطة أمام مقرّ الشركة لأتفاجأ بخبر إطلاق النار على حسني. ذهبت بسرعة إلى مصلحة الاستعجالات، وهناك قابلتني ممرّضة عند المدخل وهي تقول باكيةً: ‘الله يرحمه’. سقتُ سيارتي بعيداً عن وهران تائهاً هائماً على وجهي، وقد ضاقت بي المدينة بما رحبت”.

في التاسع والعشرين من سبتمبر/ أيلول 1994، انتهت تلك الحياة الصاخبة التي لم يُروَ عنها الكثير إلى اليوم، خصوصاً أنّ “من عرفوه عن قرب ومن كانوا يكتبون له كلمات أغنياته لم يخرجوا للحديث عن حياته”.

لم تكن قصّة اغتيال حسني الوحيدة التي يرويها محدّثي؛ إذ يُشير، أيضاً، في معرض حديثه، إلى سلسلة الاغتيالات التي طاولت أسماء ثقافية وفنّية أخرى زمنَ “العشرية السوداء”: المسرحي عبد القادر علّولة (1939 – 1994)، والكاتب بختي بن عودة (1961 – 1995)، والموسيقي رشيد بابا أحمد المشهور باسم رشيد بابا (1946 – 1995)، والذي أسّس أوّل إستوديو للتسجيل في وهران.

 

صناعة الكاسيت

بكثير من الشغف يتحدَّث بوعلام “ديسكو مغرب” عن صناعة ألبوم موسيقي: “تبدأ العملية بالتسجيل في إستوديو صديقي، تقنّي الصوت ‘ماليك ريزونونس’ المُقيم حالياً في مرسيليا، والذي كان يملك أجهزةً متطوِّرة آنذاك. بعدها، تأتي عملية صناعة ‘جاكيت’ شريط الكاسيت. نجلب الغلاف الخارجي البلاستيكي من إيطاليا، أمّا الشريط الداخلي (La bande)، فمن فرنسا في البداية، ثمّ لاحقاً من بعض دول شرق آسيا”.

يعمل صاحب الشركة بنفسه على اختيار صورة للمغنّي تُناسب محتوى الألبوم، تُكتَب عليها المعلومات الأساسية، قبل أن تأتي مرحلة البحث عن عنوان مُلفت، وهو اختصاص بوعلام لخلق طريقة خاصّة في الترويج لأيّ منتَج جديد. يضرب أمثلة، هنا، عن عناوين مثل: “يا الصادّة” لخالد، أو “ڤاع النسا” لحسني.

يُصنع، بعد ذلك، “بوستر” كبير للألبوم يُوزَّع مع أشرطة الكاسيت التي كان يُروَّج لها عن طريق محلّات البيع في مختلف المدن الجزائرية، برفع صوت الأغنية التي قد تلامس مشاعر أحد العابرين فيدخل ويقتني الكاسيت.

كانت الشحنة المطلوبة تُرسَل إلى مدن الشرق الجزائري في شاحنة بأسلوب التعاقُد الآجل، حيث تُدفَع المستحقّات بعد فترة زمنية. و”كثيراً ما يتّصل بي الموزِّعون وأصحاب تلك المحلَّات – عندما يمرُّ شهرٌ أو شهران من دون إنتاج – ليطلبوا منّي إطلاق ألبوم جديد. كانت ‘ديسكو مغرب’ تُصدر مئة ألف نسخة دفعةً واحدة لبعض الألبومات التي تتوقّع أنّها ستُحقّق نجاحاً كبيراً”.

يصف بوعلام تجربته في الإنتاج بأنّها كانت مغامرةً حقيقيّة تظافرت فيها عدّة عناصر لإنجاحها، في ظلّ التعتيم الإعلامي واستحالة أن يكون لهذا النوع من الغناء حيّزٌ من اهتمام وسائل الإعلام العمومية؛ إذ كان الراي فنّاً غير معتَرف به.

تغيّر الأمر مع بداية التسعينيات، إذ أصبح الراي فنّاً عالمياً وجرى الاعتراف به رسمياً في الجزائر. وفي تلك الفترة، أنتجت “ديسكو مغرب” عدداً من الأغنيات المصوَّرة بالتعاون مع التلفزيون العمومي، كما سجّلت أشرطة فيديو لبعض الحفلات كمنتَج إضافي مع أشرطة الكاسيت. لكنّ الأمر لم يستمرّ طويلاً، فقد أثّرت الأزمةُ الأمنية بشكل مباشر في عمل الشركة وجعلها “تعرج قليلاً في مسيرتها”، لكنها لم تتوقّف عن الإنتاج، وإنْ لم يعُد كما كان عليه في الثمانينيات.

هنا، أستوقفه قليلاً لأسأله عن رأيه في الراي اليوم، فيجيب: “للأسف، رسّخَت الأغاني القادمة من النوادي الليلية سمعةً سيّئة عن الراي، بسبب صخبها وانحطاط كلماتها وعنفها اللفظي، وتناوُلها مواضيع غريبة؛ مثل تعاطي المخدرات والضرب والانتحار، وأيضاً بسبب الأصوات الهجينة ‘الروبوتيك’ التي تؤدّيها”، مُضيفاً: “لا تُقدّم هذه الأغاني شيئاً ذا قيمة فنّية؛ سواء لناحية الكلمات أو الموسيقى”.

 

عودة رقمية

وأنا أهمّ بتوديعه، سألتُه إن كان يفكّر في تحويل مقرّ “ديسكو مغرب” إلى متحف، فأجابني بأنّ وزيرة الثقافة السابقة، مليكة بن دودة، اتّصلت به واقترحت عليه تلك الفكرة، لكنه يُعلّق بأنّه لم يلمس جدّية في ذلك، مضيفاً أنه يرفض أن تشوَّه واجهة المقرّ القديمة، مُفضّلاً أن يبقى المبنى، الذي لا يزال يملكه إلى اليوم، كما هو؛ بواجهته الأصلية ولافتاته المتداعية، مُعتبراً أنّ “هذا الإرث الفني الكبير هو ملك لجميع الجزائريين”.

يُسرّ لي بوعلام بانّه يخشى، لو فتح أبواب المقرّ اليوم، أن تتوزّع أشياؤه بين المرتادين، وإنْ كان لا يبخل بإهداء أشرطة الكاسيت والصُّوَر والتذكارات لكلّ من يطلبها منه.

ستعود “ديسكو مغرب” للإنتاج من جديد. يُخبرني بوعلام بن حوّة بذلك في آخر اللقاء، مضيفاً أنّه يعمل، حالياً، على إطلاق منصّة رقمية محترفة في سبتمبر/ أيلول المقبل لأرشفة قرابة ستّمئة ألبوم كانت تُوزَّع عبر كلّ مناطق الجزائر وتصل إلى الضفّة الأُخرى من المتوسّط، معتبراً الخطوة بمثابة محطّة لبعث الروح في الشركة بمعايير حديثة، وإنتاج أعمال موسيقية لمواهب جديدة.

لعلّ هذه العودة ستشبه عودةَ طائر الفنيق من رماده تحت شمس وهران الساطعة، والتي تُذكّرنا بتلك السنوات الذهبية لموسيقى الراي.

شاعر وصحافي جزائري، من مواليد 1979. بالإضافة إلى الكتابة الصحافية والمتابعات الأدبية والفنّية عبر عدد من الجرائد والمجلّات الثقافية الجزائرية والعربية، يشتغل بين الإذاعة والنشر والتحرير منذ 2007. صدرت له أربع مجموعات شعرية، تُرجمت آخرها إلى الإيطالية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • زاوي حمودة
    06 يوليو 2022 | 01:15

    حوار جميل..إسم "بوعلام " جزائري قح لا نجده في باقي البلدان، كذلك الراي فن جزائري خالص..المحد للراي ولبوعلام.

  • خيرالدين
    05 يوليو 2022 | 15:31

    تاريخ رائع وصحفي رائع

قصص قريبة