مكتبةٌ تركها رضا فرحات

أمثال رضا هُم سماد الثقافة الحقيقي، أولئك اللامرئيون الذين يربطون قنوات الريّ الإبداعي لتسقي حدائق الأجيال، فهم لا يتحرّكون إلّا في حلقات الحياة الأُسرية الصغيرة. وقف في الظلِّ طول الوقت. دأبُه سقاية ورعاية زهور الوعي، وتوفير مناخ صحّي لكل وردة يمكن أن تتفتّح.

مكتبةٌ تركها رضا فرحات
(رضا في بورتريه لسفيان فرحات)

كان رضا فرحات لا يتكلّم إلا مازحاً، حتى وإن كان غارقاً في غشاوة من الهموم التي لا تفارق ذهنه؛ هموم الحياة اليومية في بلد يتدحرج مثل كرة في منحدرات جبل. ذلك المزاح هو شكلُ مقاومة لِطَيفٍ ضدّ الدوار الذي تخلقه دوّامات الواقع المتتابعة. تأخذ المزحة شكل تعليق تلقائي أو نكتة أو مقارنة مع ماض غير بعيد كان فيه العالَم يسير بميزان، قبل أن تُلغى قوانين الجاذبية فجأةً. ليس الأمر تعاطُفاً مع الزمن الديكتاتوري، بل هو إعلان غربة تجاه الحاضر.

كان رضا، إلى ذلك، مُحبّاً لشكل مخصوص من الثقافة؛ الثقافة الملتزمة. لعلّه في ذهني وفي أذهان عدد ممّن عاشروه رمزُها. ولنأخذ مفهوم الرمز بأبسط معانيه، كبساطة رضا وعفويته. يحصل هذا الربط بعفوية حين تلاحظ تحمُّسه لكل القضايا العادلة، وكيف يحمل همومها – هي الأُخرى – على أكتافه:  فلسطين وفيتنام وجنوب أفريقيا والبوسنة والشيشان والعراق وغيرها. لا يتخلّى عنها إلّا بما تفرضه الحياة اليومية من تعكيرات وتعطيلات وفرض لأولويات.

كان مرجع “الثقافة الملتزمة” بيننا، وإن كان لا يحبّ التعمُّق في كواليسها وسجالاتها. يحبّها كحالة نتلذّذ بمعايشتها وتساعدنا على العيش. ويبدو وكأنه قد حدّد لنفسه دوراً لا يتجاوزه؛ أن يأخذ بِيد من يستشعر فيه رغبة في بناء نظرة ثورية للوجود نحو بوابات مدينتَين يعرفهما جيّداً: مدينة الفن، ومدينة التاريخ السياسي، ومن ثمّ يترك “تلميذه” يتدرّب على المشي بمفرده دون تأثيرات وتلوينات.

كان كمن يجمع لغيره، يزرع كي يحصد آخرون. لقد بنى رضا مكتبةً استفاد من رحيقها كلُّ من مرّ ببيت الأسرة القديم في باب سعدون. في البدء، رعى مكتبةً صغيرة بدأت نواتها من كتب جدّه رجب زيد، وبعض ما جلبه أخوه الأكبر، الحبيب فرحات، من أسطوانات وكُتُب  من فرنسا، ولكنه راكم أضعاف ما وجد؛ كتباً، وأشرطة كاسيت، ومجلّات وجرائد، وصوَراً. وحين استقلّ في سكناه بعد زواجه في التسعينيات، لم يأخذ من ذلك شيئاً، وبِطيب خاطر ترك ما جمعه باعتباره إرثاً جماعياً مُشاعاً.

في تلك المكتبة، تجتمع أشرطة عبد الباسط عبد الصمد، وأغاني زمن الحرب الأهلية في لبنان، وروايات نجيب محفوظ التاريخية، والشعر السياسي لنزار قباني، وكتب صالح مرسي التي تحوّلت لاحقاً إلى أفلام ومسلسلات، مثل “رأفت الهجان” و”سامية فهمي” و”الحفّار”. كانت المكتبة تضمّ “ممنوعات” ثقافية كثيرة يروي أحياناً كيف حصل عليها من فرشة كتب على الرصيف، أو من بائع متجوّل أمام مسجد ذات صلاة جمعة.

أذكره في طفولتي البعيدة وقد كان ملتحياً. في تلك الثمانينيات التونسية، يمكن أن تصنّفه ضمن شقّين من المعارضة؛ اليسارية والإسلامية، وكلاهما كان يخوض صراع حياة أو موت ضدّ الآخر (تحت أنظار السلطة) في كل المواقع، مِن الجامعة إلى كواليس الحياة السياسية، مروراً بالشارع. ربما لا يتصالح التياران إلّا في عقل رضا، وقلّةٍ آخرين من جيله.

في ذلك هو يطرب لأغنية للشيخ إمام عيسى كما تلامس قلبَه خطبةٌ للشيخ عبد الحميد كشك. وبلحيته القديمة يبدو كحسن البنا في شبابه وفي نفس الوقت كمارسيل خليفة. يحبّ غيفارا كما يتعاطف مع السيد قطب. رضا نقطة وسط فطرية-شعبية بين جميع الأيديولوجيات المتصارعة. لا يعنيه منها إلّا انتصاراتها (حتى الوهمية منها) ضدّ الظلم والطغيان. يأخذ منها ما يغذّي الوعي ويترك ما يفرّق بين الناس.

لاتقاء شر البوليس السياسي، بعد صعود زين العابدين بن علي إلى الحكم، حلق رضا لحيته. لو لم يفعل ذلك، كان يمكن أن يدفع أثماناً باهضة، كأن يُطرد من وظيفته أو يجري الاعتداء عليه بالعنف في الشارع، لسبب بسيط هو أنه يحبّ أن تكون له لحية مثل ثوريّ في القرن التاسع عشر. لاحقاً، قَتل روتينُ الوظيفة الكثير من تدفّقه وحماسه، وأجهز على ما تبقّى نكدُ الحياة من حوله.

كان رضا يحبّ المشي. يتحرّك ضمن مثّلث باب سعدون حيث البيت العائلي القديم، وباردو حيث سكناه، ولافايات؛ الحيِّ الذي يشتغل فيه. في كل فضاء له مقاهيه التي يحبّ الجلوس فيها لقراءة الجريدة أو الحديث في يوميات العالَم. وإذا رافقتَه في جولة المشي، فأنت تصاحب مؤرّخاً لتحوُّلات المدينة.

كم تختلف تونس الواقعية عن تونس التي يحملها في ذاكرته. ينظر إلى الدمار الذي تعرّضت له شوراع الحرية وفلسطين وباريس، وفقدان مقام سيدي محرز هيبتَه وطاقته الروحية، وكيف ترهّل حي باب سويقة، واهترأ الميترو ومحطّاتُه. ينتقد حتى افتقاد كأس الشاي المنعنع طعمَه القديم.

كانت الذاكرة هي الرصيد النفسي الذي يزوّده بالمعنى. أذكر تحمّسه لموجة الأغاني الملتزمة الجديدة بعد الثورة (2011)، ولكنه سرعان ما خاب ظنُّه فيها، إذ لم تحمل حرارة الثمانينات، وقد تشرّبَت تونس في ذلك الوقت الوافدَ الفنّي مثل الشيخ إمام من مصر ومارسيل خليفة من لبنان وجيل جيلالة من المغرب، وبدأت تُفرز ظواهر إبداعية تونسية كفرق “البحث الموسيقي بقابس” و”عشّاق الوطن”، وأسماء أُخرى مثل الهادي قلة ومحمد بحر والزين الصافي.

وإلى ذلك كان رضا يطرب أيّما طرب لفيروز ولأم كلثوم التي كان يرنّم أغانيها وهو يتمشّى، أو في دقائق الصمت في مقهى. وكما كانت له تشكيلته الفنية المتفرّدة، كان رضا مكتبةً عجيبة من القراءات. كان لا يحبّ تكريس نفسه لكتاب واحد، يكفي أن يضرب كتابٌ على أحد أوتار نفسه كي يقتنيه، ثم يأخذ في قراءة ما يروقه منه، لكنه قلّما ينهيه.

كانت هذه العلاقة اللطيفة والخفيفة مع الكتب لافتة فيه، علاقة تتفاعل تحديداً مع الجميل والرائق والذكّي والممتع، ولا تذهب في التعقيدات والمتاهات والتنظيرات الثقيلة. تلك القراءة الماسحة كانت أشبه بانتقاء وردة مِن كل بستان. كان أخوه الأصغر سفيان يُطلِق عليها اسماً لطيفاً؛ “قراءة رضا”. لعلّها اليوم – مع تضخُّم المعرفة – شكلٌ مفيد مِن أشكال القراءة، على أن نُحسن اختيار الوردة في كلّ مرّة.

هذا المرور من كتاب إلى آخر، ومن أغنية إلى أُخرى، كان يرسم بورتريه رضا. يتشكّل منه تدريجياً ويصنع رؤيته للعالَم. وكانت هذه المعرفة مطروحةً على كلّ من يحتكّ به. إنها سيرته الحميمة والطيبة.

ليس من المهم أن ندخل عوالم الثقافة والفن والفكر كي ننتج فيها، يمكن أن نعيشها وننشرها من حولنا، وأن نجعل منها حياتنا الثانية التي تنقذنا من تلوّث العالم وإحباطاته. كان ذلك أبرز ما التقطتُ من رضا.

أمثال رضا هم سماد الثقافة الحقيقي، أولئك اللامرئيون الذين يربطون قنوات الريّ الإبداعي لتسقي حدائق الأجيال، فهم لا يتحرّكون إلّا في حلقات الحياة الأُسرية الصغيرة. وقف رضا في الظلّ طول الوقت. دأبُه سقاية ورعاية زهور الوعي، وتوفير مناخ صحّي لكلّ وردة يمكن أن تتفتّح. وما أبسطها مِن مهمّة… وما أعظمها.

كاتب صحافي وباحث من تونس، مقيم في فرنسا حالياً. يعمل منذ 2015 محرّراً في صحيفة “العربي الجديد”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة