ملهاة “التضامن” في إيطاليا: تراجيكوميديا فيلم صهيوني

هنا في إيطاليا، في 130 قاعة عرض، بُثّت تراجيكوميديا عصرية من "التضامن" المُضلِّل مع فلسطين: ممكن الحديث عن كل شيء مع إظهار القليل جداً منها بصرياً ونزع السياق التاريخي الراهن.

ملهاة “التضامن” في إيطاليا: تراجيكوميديا فيلم صهيوني
فيلم "البحر" التطبيع في إهاب الإبادة (رحبة)

تعرض هذه المقالة لنوع شائع من التلاعب المعرفي في تمثيل فلسطين، والتشويش على ما يجري فيها من إبادة الآن، ولا سيما لدى المتلقي الغربي. وقد تجلى هذا في عرض فيلم The Sea “البحر” (2025) للمخرج الإسرائيلي شاي كارميلي بولاك، والنقاش الذي أعقب عرضه في إيطاليا مؤخراً.

أفترض أن هناك تركيباً سيميائياً”مونتاجا” ينصب فخاً خفيّاً لآلاف المشاهدين الإيطاليين. عرض هذا الفيلم لأول مرّة يوم 6 أيار/ مايو في 130 قاعة سينمائية إيطالية في توقيت متزامن. ثم بعد عرضه، عُرض النقاش المباشر من قاعة في روما في كل القاعات الأُخرى، وتمحور حول “الوضع المأساوي” في فلسطين، بحضور ضيوف بارزين.

تدعونا كل هذه العملية الإعلامية المنسقة والنادرة جداً في مضمار الثقافة الإيطالية، خاصة في اعتبار تزامنها مع اعتقال ناشطي أسطول الحرية من قبل سلاح بحرية جيش الاحتلال الإسرائيلي، إلى التساؤل عن أهدافها الحقيقية.

الخبر الأكثر إثارة، الذي انتشر على نطاق واسع في وسائل الإعلام الإيطالية هو أن هذا الفيلم “أغضب الحكومة الإسرائيلية”. لكن كما يتضح من شارة النهاية، فقد تم تمويله من قبل جهة تابعة للدولة الصهيونية! لكن من البديهي … أن “إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وهي “تسمح بالنقد”… وإلا، فكيف ستكون ديمقراطية؟

كان الفيلم مدبلجاً إلى الإيطالية، ولكن بطريقة غير منطقية. الثابت أن كل الفلسطينيين لما ينطقون بالعربية جرت دبلجت أصواتهم بالإيطالية. في حين أنه عندما كانت الحوارات بالعبرية، تُسمع هذه اللغة مع ترجمة مكتوبة على الشاشة. ولكن في كثير من الأحيان، ودون أي معايير واضحة، تُدبلج العبرية إلى الإيطالية أيضا. فلهذا السبب لا يميّز المشاهد الإيطالي بوضوح بين الإثنيات والهويات الموجودة في الفيلم.

قصة الفيلم في منتهى البساطة: خالد، فتى من منطقة رام الله، يشعر بسعادة غامرة لأنه على وشك القيام برحلة مدرسية إلى شاطئ البحر. سيراه لأول مرّة في حياته، برفقة زملائه. إنها فرصة فريدة، لأنه بعد سن الرابعة عشرة، تكاد تكون مستحيلة. يعمل والده بشكل “غير قانوني” في “إسرائيل” كبنّاء. توفيت والدته تاركةً أربعة أطفال صغار في رعاية جدتهم الحنونة.

في المنزل، مع أقاربه الشباب، يستمع خالد إلى أخبار المظاهرات والاحتجاجات ضد الاحتلال؛ يشاهد مقاطع فيديو للجيش الإسرائيلي على حاسوب محمول، لكنها لقطات خاطفة، دون الإبلاغ عن أي إصابات. والأهم من ذلك، يغيب السياق الاجتماعي والسياسي الضروري، والذي يبدو أنه ليس من أولويات المخرج.

جرى تسويقه كفيلم “مساند للفسطينيين” (رحبة)

في يوم الرحلة المدرسية الى البحر، عند أحد الحواجز، يسمح جيش الاحتلال الإسرائيلي لجميع الطلاب على متن حافلة المدرسة بالمرور، باستثناء خالد، لأسباب غير واضحة.

محبطاً لعدم تمكنه من الذهاب في الرحلة، يقرّر خالد التسلل عبر جدار الفصل باتجاه بحر “تل أبيب” كما يقدّمه الفيلم (فعلياً بحر يافا المحتلة عام 1948). تسير عملية العبور بسلاسة شديدة، وهو أمر مشكوك فيه. تتدخل دورية الاحتلال لتحديد “المتسللين”، لكن باستثناء بضع طلقات نارية نسمعها، يتمكن الجميع من المرور دون أي إصابات. طبعًا هذا وارد في الواقع، لكنه مؤشر يشي بطبيعة الفيلم.
منذ تلك اللحظة، تدور أحداث الفيلم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، عقب قرار الأمم المتحدة رقم 181 عام 1947.

في “تل أبيب”، تواكب كاميرا المخرج البطل عبر مناطق مختلفة ولقاءات مختلفة: فهناك أيضًا الشاب punk الذي يدافع عنه من بعض الشبّان الإسرائيليين الذين يضايقونه بعنف كلامي، كما نشاهد وضع الفلسطينيين في أماكن الشغل بلا “تصريح الإقامة” (من العبثي الحديث عن “تصريح الإقامة” في وطنهم).

يبدو أن التركيز على مشاهد الحياة اليومية والمعالم المعمارية لـ”تل أبيب”، من منظور صبي لم يغادر قط “الأراضي الفلسطينية” المحتلة والمحاصرة (تسمية مغلوطة للجزء المحتل من فلسطين عام 1967)، وكأنه يقول: أيها السادة، هذه هي الحداثة، الحضارة المدنية التي بنيناها، وفقًا للشعار الصهيوني الذي وصف فلسطين بأنها “أرض بلا شعب”، قاحلة ومتخلفة.

يوازي التحضر الإسرائيلي المزعوم تخلّف الفتى الفلسطيني الذي لا يستطيع أن يجد طريق البحر، إنه ضائع لأنه لا يعرف العبرية. معقول أن لا أحد في تل أبيب المتطورة يتحدث الانكليزية؟ معقول أن مراهقا عمره تقريبا 13 سنة في فلسطين لا يستطيع نطق كلمة واحدة بالإنكليزية؟ لذلك فإن الحل الوحيد هو أن يستنجد بفتاة عربية تعلّمه بالورقة الجملة السحرية بالعبرية: “من فضلك، أين البحر؟”

هناك، يصادف خالد أحيانًا نساءً فلسطينيات يرتدين الحجاب، ويبدو أنهن يعشن حياة طبيعية مع أطفالهن، وجندياً يحمل دبوسًا “نباتيًا” على ذراعه، وهو تناقض صارخ بحد ذاته: لا قسوة على الحيوانات، وعمليات عسكرية وحشية ضد الفلسطينيين.

عبر جولته “السياحية” بالحافلة، يرى خالد مشاهد متنوعة حتى المشردين “النائمين على حافة الشوارع وفرقة موسيقية تلهي المارة. المقصود هو أن تل أبيب هي قطعة من الغرب نُقلت إلى الشرق الأوسط. لذا، تعال يا سائح، وستشعر وكأنك في بيتك.

خلال البحث المتلهف عن ابنه، يقرر أبو خالد لبس قبعة المتديّنين اليهود الصغيرة، ويتبادل أطراف الحديث مع سائق التاكسي حول الطابع اليهودي لإحدى ضواحي المدينة. من المفترض أن يتحدث الاثنان العبرية، لكن لسبب لا نعرفه، تمت دبلجة حواراتهما إلى الإيطالية.

بالعبرية المدبلجة إلى الإيطالية يدور الحوار بين أبي خالد وحبيبته الإسرائيلية السابقة، التي تُظهر عاطفة جياشة تجاهه وتعتذر له عن زواجها من إسرائيلي بدلًا منه، بسبب ضغوطات أهلها. لا شك أن هذا المشهد المُقحَم الذي لا علاقة له بالخط الدرامي – وهو البحث عن ابنه – يرمي إلى أنسنة “المواطن الإسرائيلي”.

في نهاية الفيلم، عند اعتقال خالد مع والده، هو الأخير مضطر إلى إخراج قبّعة الهوية اليهودية “المسروقة” أمام الشرطة. فماذا سيفكر المتفرج الإيطالي المتوسط الذي يعرف من سرق القبّعة ولكنه لا يعرف من سرق الأرض والبلاد كلها. يبدو المشهد مذلّاً للفلسطينيين وللمتفرجين الواعين بحقيقة سرقة فلسطين. كما يوحي بحكاية رواية السجين السابق باسم خندقجي، “قناع بلون السماء” (2023).

في المشهد الختامي، من نوافذ سيارة الشرطة التي تقله مع أبيه إلى السجن، ودون أي عنف جسدي (وهو عنصر “سريالي” آخر)، يتمكن خالد على الأقل من رؤية البحر. يتضح أن فيلم “البحر” مُشبع بنزعة تطبيعية، مُحاولاً بذلك تناول مأساة العمال الفلسطينيين بحذر شديد. على كل حال، محاولة تسليط الضوء على الوضع المتدني والخطر الدائم الذي يُواجهه هؤلاء العمّال والتنديد به أمرٌ جديرٌ بالتقدير ولكنه في هذا الفيلم كان أقرب إلى طُعم.

أما الجانب الأكثر إثارةً للصدمة في الحملة الإعلامية المُنسّقة المُحيطة بفيلم “البحر” فهو “النقاشٍ” الذي عُقد بعد عرضه. ركّز النقاش على غزّة، بلا ضيوف فلسطينيين. تحدثت فرانشيسكا ألبانيزي، عن بعد، عن غزة وأوضاعها المأساوية، وممثل منظمة أطباء بلا حدود، وهو الوحيد الذي أبدى رأيه في الفيلم، قائلاً إنه “لا يُظهر سوى غيضٍ من فيض الواقع العبثي في فلسطين”. كما ظهر على شاشة الجوال، عن بعد، عضو في أسطول الحرية الذي لم يشاهد الفيلم بطبيعة الحال، ثم تحدثت ممثلٌة عن إحدى المنظمات غير الحكومية.

ساد صمتٌ مُطبقٌ حول الفيلم. تُظهر هذه العملية تناقضًا صارخًا بين هوية الفيلم ومضمون النقاش الذي تلاه. تم تركيب الضيوف الذين كانوا بمثابة قوة جاذبية للجمهور في القاعات – دلاليًا – على فيلمٍ لم يُظهر شيئًا من الحقائق والأرقام القاسية التي رواها الضيوف أنفسهم عن مأساة فلسطين.

كان على المنظمين اختيار فيلم فلسطيني، لا سرد سينمائي إسرائيلي يتجنب بعناية الدماء المراقة، والتعذيب اليومي المعتاد، أو غيرها من انتهاكات حقوق الإنسان. كان هذا مثالاً آخر على الهيمنة الاستعمارية الصهيونية الأوروبية، يُقدّم للمشاهدين الإيطاليين المنبهرين بمسرحية الغضب الصهيوني ضد الفيلم، ليُقال بعد ذلك: انظروا إلى مدى ديمقراطيتهم في إسرائيل، حيث يتحدثون حتى عن فتى فلسطيني لا يستطيع الذهاب إلى البحر، على بُعد كيلومترات قليلة من منزله.

نزعة تطبيعية تحاول الاستيلاء على السردية الفلسطينية (رحبة)

كان ذلك نوعًا من تضليل الواقع لصالح جمهور إيطالي عاجز عن الربط بين الرموز، سواء السينمائية منها أو غير السينمائية. هنا في إيطاليا، في 130 قاعة عرض، بُثّت تراجيكوميديا عصرية من “التضامن” المُضلِّل مع فلسطين: ممكن الحديث عن كل شيء مع إظهار القليل جداً منها بصرياً ونزع السياق التاريخي الراهن. معلوم أنه في المجتمع المُعاصر، الصور فقط تهم الناس فتُثير المشاعر والانفعال، لا الكلمات وأرقام الضحايا والإصابات والدمار والمعاناة.

هذه هي الدعاية الصهيونية المقنعة بنوايا طبية ولها سوابق في البانوراما الإيطالية. مثلاً في مارس 2025، شاهدتُ ملصقاً لفيلم عرض في قاعة تجارية في مدينة تراباني، بصقلية،(حيث 90% من الناس لا يعرفون حتى أين تقع غزة). عنوانه “أطفال غزة. على أمواج الحرية” (2024)، للمخرج الإيطالي لوريس لاي، والمقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتبة الإيطالية نيكوليتا بورتولوتي.

يروي الفيلم قصة مؤثرة عن صداقة طفل فلسطيني بطفل إسرائيلي، أحد سكان المستوطنات الصهيونية غير الشرعية في غزة التي هُدمت لاحقًا في أوائل القرن العشرين. في الرواية و الفيلم استشهد والد الطفل الفلسطيني محمود “في خضم الصراع” بينما تم قتل والدة الطفل الإسرائيلي . يعني كيف نسمي هذه الحالة بمصطلح رياضي؟ التعادل 1-1 بين الفريقين! ليس محور الحديث هنا قيمة النص الروائي أو قيمة الفيلم اللذين يسردان أحداث عام 2003، بل الشك في توقيت عرض الفيلم في منطقة مهمشة من إيطاليا في خضم الضجة (المحدودة للأسف) ضد النظام الصهيوني. حتى في تلك المرة كان هدف عرضه مواجهة الإعلام الإيطالي الذي بدأ في بث صور وأرقام عن الإبادة الجماعية في غزة.

Aldo Nicosia باحث وكاتب ومترجم من مواليد صقلية عام 1968، يُدرّس اللغة العربية وآدابها بجامعة باري منذ 2013. من كتبه: “السينما العربية” (2007)، و”الرواية العربية في السينما” (2014)، و”بدايات – أنطولوجيا للرواية العربية 2011 -2023″ (2024).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
  • بيان
    02 يونيو 2026 | 17:43

    المقال مفيد للغاية من نواحٍ عديدة.

قصص قريبة