“مناوَرة الملكة”: بناء بأحجار الشطرنج

حقَّق المسلسل الأميركي القصير نسبة مشاهدة عالية منذ إطلاقه على شبكة "نتفليكس" نهاية أكتوبر/ تشرين الأوّل الماضي. ضمن هذا العمل، نُتابِع مغامرة إليزابيث هارمون وهي ترتقي سلّم المجد في لعبة الشطرنج... وأبعدَ من ذلك، مغامرةَ بناء شخصيّتها في عالم عدواني.

“مناوَرة الملكة”: بناء بأحجار الشطرنج
(من المسلسل)

اعتمادُ لعبة الشطرنج كاستعارةٍ تفسيرية لفهم ما يدور في الحياة السياسية مِن مناورات وتلاعُبات وإكراهات أمرٌ شائع، كما هو شائعٌ ذلك الترابُط الجليُّ بين مفردات اللعبة واستراتيجيات الحروب، وما الحرب، في النهاية، إلّا امتدادٌ للسياسة.

في حقل اللغة، استعار عالم اللسانيات السويسري، فرديناند دو سوسور (1857 – 1913)، الشطرنجَ لتفسير تصوُّراته التجديدية حول اللغة باعتبار أنها ليست مجرّد مجموعة ضخمة من الكلمات، وإنما هي نظامٌ ضمني يشتغل وفق قواعد لعبة، فتتحرّك الألفاظ ضمنه كما تتحرّك قطَع الشطرنج ضمن حدود الرقعة وقوانينها.

حتى العلاقاتُ العاطفية، والبشرية بشكل عام، جرت مقاربتها بمفردات “لعبة الملوك”. يمكن القول، بالتالي، بأنَّ الشطرنج بات استعارةً عن الحياة كلّها.

في مسلسل “مناوَرة الملكة” (The Queen’s Gambit)، يُقدِّم المُخرج الأميركي سكوت فرانك (1960) إضاءةً موسَّعةً على عالم الشطرنج مِن خلال حكاية تستعيد هيكلة الجنس الأدبي المعروف بـ”روايات التكوين” Bildungsroman التي تُتابِع تطوُّر شخصية من الطفولة إلى سنوات النضج. يقترح العمل حكايةَ طفلة يتيمة تُحقّق ذاتها من خلال التفوُّق في الشطرنج، على مستوى ضيّق أوّلاً، ثُمّ على مستوى عالمي.

بذلك، يناقِش العمل (إنتاج نتفليكس، 2020)، على مدى سبع حلقات، التشكُّل التدريجي لموهبة ما، ومِن ثمّ يُتابِع حفره في العمق لتفسير كيف تتكوّن العبقرية؛ حيث تصل البطلة إلى إنجازات غير مسبوقة لتكون الأفضل عالمياً عن جدارة، وفي كل حلقةٍ تبرُز عقبات جديدة – في اللعبة كما في تجربة الحياة – تُفضي إلى العبور نحو تحدّيات أكبر.

في مسار تشكُّل التفوُّق هذا، هل يوجد أفضل من الحقل الدلالي للعبة الشطرنج حيث تتداخل المخطَّطات بضربات الحظ (وسوء الحظ)، وتشتغل الذاكرة لتستعين بكُلّ خبرات الحياة لاختيار الحركة الأنسب في لحظة ما مِن اللعبة، وكلُّ حركة يُمكن أن تمثّل منعطفاً خطيراً يقود إلى نتائج مختلفة. يستثمر العملُ كلَّ ذلك بامتياز، حتى أنه يُفضِّل عدم الغوص في التفاصيل التقنية للعبة، بحيث نكون في عالَم الشطرنج مِن دون أن ننفصل عن تعقيدات الواقع الحي.

تشتغل الذاكرة لتستعين بكُلّ خبرات الحياة لاختيار الحركة الأنسب في لحظة ما من اللعبة

كان “تكوين” البطلة، إليزابيث هارمون (أداء آنيا تايلور-جوي) توليفةً دقيقة بين مواد بسيطة وسياقات كُبرى. في بداية كلّ حلقة، تستعيد إليزابيث ومضةً من طفولتها وكأنها تعود إلى درس قديم ستحتاجه في مغامراتها القادمة. كما يقترح العمل علاقة بين البطلة مع المنتَجات المؤثّرة على الوعي، مِن حبوب كانت تتناولها في صباها وباتت عنصر تحفيز ذهني، وصولاً إلى علاقة هوَسية مع الخمور لاحقاً. وضمن هذا الطرح، يكشف المسلسل العلاقة المعقّدة بين مستويات متعدّدة من المتعة؛ سواء تلك المفبرَكة مِن عناصر خارجية، أو التي تنبع من عمق الارتباط بشيء ما (الشطرنج في حالة إليزابيث)، ومن ثمَّ تحويل ذلك إلى آلة لإعادة إنتاج المتعة باستمرار.

كما تضع الحكاية في طريقها معلّماً، أو بعبارة أدق تلك الشخصية المعروفة بتوصيف المونتور (Mentor) في الأدبيات السينمائية، وهي عنصرٌ أساسي في كلّ حكاية تكوين ينقُل الشخصية الرئيسية من منطقة القدرات العادية إلى درجة تُؤهّلها لخوض مغامرتها بنديّة مع الصعوبات التي ستواجهها.

نجد مونتوراً وراء كلّ بطل خارق اخترعته أخيلة المؤلّفين من زورو إلى باتمان. أمّا إليزابيث فتعثر على مونتورها في عامل نظافة بسيط يلعب الشطرنج من باب الهواية في ملجأ الأيتام الذي تُقيم فيه بعد انتحار أمّها وعدم اعتراف والدها بها.

هذه العلاقة بين الشخصية الرئيسية والمونتور يُمكن اعتبارها مِن أنجح ما قدّمه المسلسل، أوّلاً على مستوى البناء السردي؛ إذ مثّلت هذه العلاقة خيطاً ناظماً ربط مشاهِد متباعدة، حيث رافق تذكُّر لحظات البدايات صعودَ إليزابيث في سلّم المجد.

كما أن العمل يشير إلى أنّ دور المعلِّم المرافِق يستمرّ بشكل دائم؛ فحين تتشبَّع البطلة بكل ما يُمكن أن تتعلّمه من المونتور، ستعثُر على مصادر تأطير أُخرى، منها الأصدقاء والاحتكاك بلاعبين أفذاذ. لكنَّ أهم مونتور مستحدَث هو الكتب، وهنا يفتح العمل – بعد إضاءة عالَم لعبة الشطرنج كفضاء اجتماعي ومسابقات ومتابعة إعلامية – على ما يمكن أن نسمّيه أدبيات الشطرنج، وهي كتُبٌ تناولت تاريخ اللعبة، أو اشتغلت على تحليل أبرز الخطط فيها، أو قدّمت سيَر أشهر لاعبيها.

في أحد مشاهد المسلسل، تتوجّه إليزابيث إلى موظَّفة المكتبة وتطلب منها أن تدلّها عن كُتُب حول الشطرنج، فتنصحها الأخيرة بقراءة سيرة اللاعب الكوبي العبقري خوسيه راوول كابابلانكا. يمكن لنا، كمشاهدين، أن نأخذ بنصيحة الموظّفة. فإذا أوقفنا الحلقة وذهبنا نبحث عن كابابلانكا سنجد أنه شخصية حقيقة؛ أشهر لاعب شطرنج في النصف الأول من القرن العشرين.

ربما سنُفكِّر، وقتَها، في البحث عمّا إذا كانت إليزابيث هارمون شخصيةً حقيقيةً هي الأُخرى، لكننا سنجد أنها شخصية أدبية ظهرت في رواية بالعنوان نفسه صدرت عام 1983 للكاتب الأميركي والتر ديفيس، وقد جرى اقتباس المسلسل منها.

هذه التلاعُبات على مستوى الإحالة على الواقع تجعل مسلسل “مناوَرة الملكة” يبدو وكأنّه قائم على “مناوَرة” لطيفة، حيث يخترع شخصيةً متخيَّلة بالكامل، لكنه يجتهد في وضعها ضمن إطار إحالات واقعية للغاية، ولنا أن نُشير هنا إلى العناية باسترجاع تفاصيل ستّينيات القرن العشرين، من الأزياء والديكورات إلى تحوُّلات الذهنيات الشبابية بالخصوص.

داخل هذه اللعبة، هناك ما هو أكثر طرافةً، وهو أنَّ النساء لم يكُنّ يشاركن في المسابقات العالمية للشطرنج وقتها. فمقابل الاجتهاد في الإيحاء بالواقعية والوفاء لروح الستّينيات، يقترح العمل ما لا يطابِق الحقيقة، وكأنه يحتجّ على أن “تحجب النساء عقولهنَّ” في فضاء اللعبة الفكرية الأشهر. وبذلك يأخذ بُعداً نسوياً مِن دون التورُّط في خطاب متشنّج.

يخترع شخصيةً متخيَّلة بالكامل، لكنه يجتهد في وضعها ضمن إطار إحالات واقعية للغاية

عنصر آخر من عناصر الفتنة التي هيّأها العمل لنفسه، وهو ظهور اسم لاعب الشطرنج الأشهر اليوم؛ بطل العالم السابق الروسي غاري كاسباروف، في الجنريك، باعتباره قد شارك في العمل كمستشار، بما يدعم أكثر العقدَ المعنويَّ الذي يجمع بين المشاهِد والمسلسل.

ينتهي “مناوَرة الملكة” وقد ارتقت إليزابيث كلَّ درجات التفوّق في لعبة الشطرنج، حين تهزم عملاق الشطرنج في زمنها فاسيلي بورغوف في موسكو. تبدو تلك الخطوة الأخيرة مثل آخر نقلة، لكن ليس على رقعة الشطرنج بل في “هرم ماسلو”، ذلك النموذج النظري الذي يُظهر حياة الإنسان كمجموعة من المحطات التي تصعد فيها من الحاجيات الدنيا إلى القمّة حيث تحقيق الذات.

تجعَل الحكاية من الشطرنج الطريق التي أوصلت إليزابيث هارمون نحو القمة. لكن علينا ألّا ننسى أنَّ الشطرنج ليس سوى استعارة في النهاية، فهناك بوّابات كثيرة تُوصِل إلى النقطة التي نريد أن نبلغها.

كاتب صحافي وباحث من مواليد تونس عام 1983، مقيم في فرنسا. يعمل محرّراً في القسم الثقافي لصحيفة “العربي الجديد”. يُعدّ حالياً أطروحةً في “جامعة لورين” حول تقاطعات الصحافة بالكتابة الإبداعية من خلال منهجيات السيميولوجيا ونظرية الأجناس.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة