موسم “الفراولة” الانتخابية: فتِّش عن الذكورية

ذكورية تصنعها النساء أيضاً: تُخفي مترشِّحات للبرلمان وجوههنَّ عن الملصقات الدعائية في ممارسَة لا يعدلُها سوى التوظيفِ الرخيس للمرأة، لدرجةِ أن يصف رئيس حزب مرشّحاته بـ"حبّات الفراولة المنتقاة بعناية".

موسم “الفراولة” الانتخابية: فتِّش عن الذكورية
(رسم لـ كات أونيل)

في مدينة سطيف، شرق الجزائر، يُمكنك أن تُشاهِد، هذه الأيام، سيّاراتٍ تجوب الشوارع وهي تحمل صوَراً لإحدى المترشِّحات للانتخابات البرلمانية المزمَع إجراؤُها في الثاني عشر مِن يونيو/ حزيران المقبِل. ولئن كان الجمالُ أحد المعايير التي يختارُ الناخبون “ممثِّليهم” في البرلمان بناءً عليها، فسيكون بإمكانك أنْ تُجزِم بأنَّ صاحبةَ الوجه المستدير والعَينَين الواسعتَين، اللتين تُوحيان بالثقة، ستجدُ نفسَها، بعد بضعة أيام، في “مبنى زيغود يوسف” بالجزائر العاصمة مِن دون أن تبذل جُهداً يُذكَر.

ليست هذه المرّةَ الأولى التي تترشَّح فيها نعيمة فرحي (مواليد 1976) للانتخابات البرلمانية. فعلَت ذلك في 2007، ووجدَت نفسِها – مِن دون أن تبذُل جُهداً يُذكَر – ضمن نوّاب “الغرفة السُّفلى” مِن المجلس الشعبي الوطني. لكنّها طيلةَ خمس سنوات، لم يُسمَع لها صوتٌ ينتقد الأداء الحكومي، أو يُرافِع لسكّان المنطقة التي يُفترَض أنّها اختارتها لـ”تمثيلهم”. بدت المحاميةُ الشابّةُ وقد اكتفت بلقب “ملكة جَمال البرلمان” الذي أسبلت به عليها وسائل الإعلام التي لم تبخُل، أيضاً، في استضافتها مراراً للحديث عن “ثنائية” الجَمال والبرلمان. وفي لقاءاتها تلك، لم تكُن النائبةُ (وهو تعبيرٌ صحيحٌ بالمناسبة، يعني عضوة في المجلس النيابي) الجميلةُ تُؤكِّد سوى ما يُفتَرض أنّها ترغب في نفيه: “ليس جَمالي ما أوصَلني إلى البرلمان!”.

ربما ليس صحيحاً تماماً القولُ بأنَّ نائبةَ سطيف اكتفت بمعاملتها كنجمة أو “موديل” في ديكور السياسة. بِوُسعنا، بقليلٍ مِن البحث، أن نقعَ على رصيد سياسيٍّ يبدو محترَماً؛ فهي، أيضاً، رئيسةُ “مركز المرأة الجزائرية” الذي تُعرِّفه صفحتُها على “ويكيبيديا” بأنّه هيكلٌ يعمل على “السماح للنساء بالوصول إلى مراكز اتخاذ القرار وتكافؤ الفرص”، والأمينةُ العامّة لـ”حزب حركة انفتاح”. وفي 2008، أي بعد سنةٍ فقط من وصولها إلى البرلمان، “كشفت” – كما ذكرَت وسائلُ إعلامية حينها – عن مشروعٍ طموح قالت إنّه سيُقلِّصُ نسبةَ البطالة و”يقضي” على ظاهرة الهجرة غير القانونية.

تبقى ثمّة مشكلةٌ وحيدةٌ؛ وهي أنَّه لا يُعرَف لما يُسمّى “مركز المرأة الجزائرية” دورٌ في المجال العام، ولا لـ “حزب حركة انفتاح” حضورٌ في المشهد السياسي، حتى أنَّ المرء ليُشكِّك في وجودهما مِن الأساس. أمّا حكايةُ المشروع السحريّ الذي يُقلِّص البطالة و”يقضي” على الهجرة السرّية، فلا يحتاج تعليقاً. وربما بسببٍ مِن ذلك كلّه، لم تُفلِح نعيمة فرحي في الاحتفاظ بمقعدها البرلمانيِّ لأكثرَ مِن عُهدةٍ واحدة. ترشّحت مُجدّداً للانتخابات التشريعية في مايو/ أيار 2012، غير أنَّ الناخبِين كانوا قد أدركوا، ربّما، أنَّ مجرَّد وجود امرأةٍ جميلة (وفقط) في البرلمان لن يُفيدهم شيئاً.

التمييز الإيجابي لصالح المرأة رافقه انخفاض المستوى السياسي لأعضاء المجالس المنتخَبة

كانت تلك الانتخاباتُ الأولى التي يجري فيها اعتمادُ نظام الكوتا، مِن خلال القانون 12/03 الذي حدَّد نسبةً للنساء تتراوح بين عشرين وخمسين في المئة حسب عدد المقاعد المتنافَس عليها، سعياً إلى توسيع مشارَكة المرأة الجزائرية في المجالِس المنتخَبة. كانت نتيجةُ ذلك وصولَ 146 امرأةٍ (في مقابل 316 رجُلٍ) إلى “المجلس الشعبي الوطني”، بعد أن كان عددُ البرلمانيات لا يتجاوز ثلاثين امرأة في الدورة السابقة.

هذه الأرقام ستضعُ الجزائرَ – التي يندُر أنْ نجد تصنيفاً متقدِّماً لها على الصعيد العالَمي في مجالات أُخرى – في المرتبة الأولى عربياً والخامسةَ والعشرين عالمياً في مجال التمثيل السياسي للمرأة. غيرَ أنَّ هذا التمييز الإيجابي سيُرافقه “انخفاضٌ في مستوى الأداء السياسي لأعضاء المجالس المنتخَبة، وتفوُّقٌ لمعادلة الكم على النوع”، كما تُلاحظ الأكاديمية الجزائرية نجيبة بولبر في دراسةٍ نشرتها مجلّة “أبحاث قانونية وسياسية” في عددها السابع (2018).

وتفسيرُ ذلك هو أنَّ الأحزاب السياسية التي لا يملك معظمُها كثيراً مِن “المناضلات”، وجدَت نفسَها مُجبرةً، بموجَب إلزامية القانون المذكور، على حشو قوائمها بنساءٍ تعوزُهنّ الكفاءة. وكانت النتيجة أنْ امتلأ البرلمانُ بنائباتٍ مِن دون مستوىً ثقافي وعلمي وسياسيّ، وهو ما جعل بعضهُم يُطلِق على المجلس الشعبي الوطني، في عهدتَيه السابقتَين، تسميةَ “برلمان الحفّافات” (الحلّاقات).

لكنْ، لنُلاحِظ أنَّ هذه التسمية، التي درَجَ على إطلاقِها صحافيّون وسياسيّون معارِضون، تحمِل، في جانبٍ منها، صبغةً ذكورية؛ ذلك أنّها تستثني (في جانبها اللغوي على الأقلّ) النوّابَ الذكورَ الذين ليسَ كثيرٌ مِنهُم بأفضلَ حالاً مِن زميلاتِهم النساء.

وهذه الذكورية كثيراً ما تكون المرأةُ نفسها شريكاً في ممارستها: لننتبِه هنا إلى إخفاءِ مترشِّحاتٍ للبرلمان وجوههنَّ عن الملصقات الدعائية، وهنَّ اللواتي قد يُصبِحن بعد حين شخصياتٍ عموميةٍ يُفترَض أن يُرافِعن في جلساتٍ مفتوحةٍ تُبثّ صوتاً وصورةً على القنوات التلفزيونية، وهي ممارسَةٌ لا يعدلُها سوى التوظيفِ الرخيس للمرأة، لدرجةِ أنَّ رئيس حزبٍ سياسيٍّ مغمورٍ لن يجد حرجاً في القول بأنَّ قوائم حزبه تضمّنت حسناواتٍ سيعودُ ليصفهن بـ”حبّات الفراولة المنتقاة بعناية”، لكونهنّ يجمعن، حسب تفكيره، بين الجَمال والشهادات العليا.

لنُلاحِظ، مِن زاويةٍ أُخرى، أنَّ المقاربَة العامّة تختزل مشكلةَ البرلمان وغيره مِن مؤسّسات الدولة في عنصُر الكفاءة؛ بينما تُخبِرنا التجارُب، سواءٌ حين يتعلَّق الأمر بالمجالِس المنتخَبة أو المناصب الإدارية والسياسية، بأنَّ الكفاءة لوحدها غيرُ كافية. ثمّةَ الكثيرُ مِن الأكفاء (تشمل الكلمة هنا الرجال والنساء على حدّ سواء) الذين لم تمنعهم كفاءتهم من تقديم أمثلة سيّئة عن الجُبن والانتهازية والفساد والولاء الأعمى. وهذا يدعونا، بالتأكيد، إلى إعادة النظر في تصوُّراتنا عن مفهوم الكفاءة برُمّته.

موسم “الفراولة” الانتخابية: فتِّش عن الذكورية

صحافية وكاتبة من الجزائر، مِن مواليد بومرداس عام 1989. مهتمّةٌ بالشأن الثقافي وبحقوق المرأة والقضايا الجندرية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة