ميكانيكا الثورات المُعطَّلة

بعد كل ما حدث طوال هذه السنوات من منعطف للثورات، من خصومات والتواءات وإحباطات، كيف لا يكون التعطّل التاريخي نتيجة طبيعية؟ الأصح، هو أن نفخر بأنّ شريحة واسعة من شعوبنا نجحت، رغم كلّ ذلك، في حماية شعلة الأمل من الانطفاء داخلها، ولا تزال تبحث عن مخرج.

ميكانيكا الثورات المُعطَّلة
فوتوغرافيا لـعماد جميّل - تونس

مُحمَّلاً بالذكريات وبرائحة اللاكريموجين وبأحلام الجموع، يدقّ يناير/ كانون الثاني أبوابنا كلّ عام. نحن الشهود على منعطف بدايات 2011، وها أننا نعرف اليوم بأننا لم نغادر المنعطف. كُتلة جيوسياسية تُراوح مكانها من التاريخ، ونحن داخلها مثل ركّاب قطار لا ندري ما يدور في كابينة القيادة.

موجَة بعد أُخرى، بلداً بعد آخر، سنة بعد سنة، نتأكّد من وجود عُطلٍ يمنعنا من التقدّم. ليكُن الدولة العميقة في مصر، ليكُن تناقضات الطائفية في العراق، ليكُن خللاً في الثقافة السياسية كما في تونس، ليكُن حوار طرشان مثل حال لبنان. ليكُن ما يكون؛ النتيجة هي ذاتها… هذه الثورات معطّلة.

مرحلة جديدة لكنّها ورثت عطالة قرون من الخيبات. أشياء كثيرة تفجّرت في النفوس والألسنة والأفكار. أقنعة كثيرة سقطت. نعم، دخل هواء جديد إلى كلّ زنزانة، لكن الاعتقال لا يزال قائماً. تغيّر كل شيء حتى اكتشفنا أن شيئاً لم يتغيّر.

بعضهم يقول إنّ التغيير لم يدُم إلا بضعة أيام. أذكر جيّداً أن الرئيس التونسي الحالي قيس سعيّد، في سنوات كان فيها مواطناً أبعد ما يكون عن مواقع القرار، كان يضرب الأمثلة بأيام الثورة الأُولى التي شعر فيها الناس بأن البلد بلدهم، وأنه لا حاجة لجهاز شرطة يفرض عليهم القانون. كانوا يلتزمون بإشارات المرور طواعية، يُنظّفون شوارعهم انطلاقاً من قيمة النظافة وليس خوفاً من عقاب. كان يؤكّد بأنّ أمل هذه البلاد هي استعادة هؤلاء لتلك الروح. لكن، أين ذهبوا؟

ثمّ، ها أنهم أوصلوا قيس سعيّد إلى الحكم نهاية 2019، ومضت على رئاسته أكثر من سنتين، ولم يستردّوا الشعور بأن البلد بلدهم. لماذا انكسر ذلك الشعور؟ ولماذا كان نفَسه قصيراً، معدوداً بأيام؟ وهل لا يزال سعيّد يذكر شيئاً من ذلك المعنى الذي أطلقه في أذهان كثيرين استمعوا إليه، وهو يغلق باب مكتبه الرئاسي عليه ويغرق في “تسيير” الدولة؟

تجد الثورة المضادة الوقودَ الذي يحرّكها، بينما لا تستند الثورة إلّا على أفكار وأحلام

من تونس إلى سوريا، مروراً بمصر وليبيا واليمن، ثم في موجة ثانية تحرّكت شوارع لبنان والعراق والسودان والجزائر. كلّ مرّة تنبعث رائحة التغيير، وقد ثبت أنها قادرة على تحريك غرائز الشعوب العربية، لكن توجد في كل مرّة ورقة مناسبة، وكأنها تُستخرج من دُرج، لتعطيل تدفّق الطموحات الشعبية، فتنطفئ قبل أن تبلغ مداها أثراً في الواقع.

تواريخ هذه السنوات ما هي إلا سلسلة من التناقضات الجاهزة في كل “حُجرة” عربية سرعان ما يجري تهيئة الظروف لاشتباكها وتوريط كلّ شيء في صراعات عبثية تهدر المعاني العميقة للتغيير (تنمية اقتصادية وثقافية، حريات، عدالة اجتماعية… ).

في ليبيا، مثلاً، ليس أسهل من استدعاء النعرات القبلية وما وراءها من ثارات قديمة وحزازات. بعضُ تناقضات المجتمع – مثل بعض آبار البترول – لا تحتاج إلى عمليات تنقيب. تبقى الحالة السورية الأكثر قسوة؛ لقد جرى القفز سريعاً إلى بركة الدم بلا رحمة.

أينما ولّيتَ وجهَك في المنطقة العربية، ستجد تلك الثنائيات المتخاصمة لتدمير أي هواء نقي؛ معارك دعاة السلفية مع أنصار الحداثة، تبادل التهم المجانية بين نخب وعامة، صراعات العسكريتاريا والتيارات الدينية… كلُّها تقسيمات فارغة سرعان ما تصبح مداخل تؤدّي إلى حروب تجري تغذيتها بسهولة.

تجد الثورة المضادة الوقودَ الإجرائي الذي يحرّكها، فيما لا تستند الثورة، ورغبة التغيير التي وراءها، إلّا على أفكار وأحلام، وحتى هذه كانت تسطو عليها جماعات وتجعل منها محرّكات دفع لتسلّق الجدران السميكة للدولة، ومتى بلغت غاياتها باتت هي الأُخرى عامل تعطيل جديد.

بعد كل هذا، كيف لا يكون التعطّل التاريخي نتيجة طبيعية؟ ربما علينا أن نفخر أنّ شريحة واسعة من شعوبنا نجحت في حماية شعلة الأمل من الانطفاء داخلها. حين تظهر إشارة تغيير جديدة سيلتفّون حولها. هذا يعني أنّ منابع الحياة لا تزال تعمل مثل عين ماء في الأعماق.

كيف يتدفّق هذا الماء فوق سطح الأرض؟ بهذا الميكانيك ينبغي أن تنشغل العقول.

كاتب صحافي وباحث من تونس، مقيم في فرنسا حالياً. يعمل منذ 2015 محرّراً في صحيفة “العربي الجديد”.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة