مَن نفَّرنا مِن الشِّعر؟

في قطاع النشر العربي اليوم، ثمّة تجارة ورق لا صناعة نشر. ادفع تنشر، وعتبكَ على من يقرأ، إن وُجِد. هكذا انتشرت دور نشر تأخذ من الشعراء أُجور طباعة كتبهم. سهولة الحصول على المال تُغري، واستغلال طموح الكُتّاب إلى إصدار كتابهم الأول، أو كتبٍ جديدة، ابتزازٌ مُغرٍ يأتي بمردود أكيد.

مَن نفَّرنا مِن الشِّعر؟

كان الشعر ديوانَ العرب ومفخرتهم وكلَّ أدبهم في الأزمنة السالفة، وصار أبرز معالم نهضتهم الأدبية وحداثتهم في خمسينات وستينات القرن الماضي. لكنّه يشهد تراجعاً كبيراً اليوم، لا على صعيد عدد إصداراته التي تتخلل أكوام الروايات فحسب، بل بالنظر إلى القيمة الفنية لهذه الإصدارات.

يمكن ردّ تدنّي السويّة الشعرية في ما يصدر خلال السنوات الأخيرة تحت تصنيف “شعر”، إلى النَّفَس التجاري المتحكّم في قطاع النشر. العرب، تاريخياً، أهل تجارة. كانوا في الجاهليّة يعيبون على من يشتغل حدّاداً صنعته. حتى أنّ بعضاً من أشهر شعرهم، ممّا وصلنا وما زال حيّاً تحفظه الأجيال وتردّده متغنّيةً به، شعر تجاري، قيل طمعاً في كيس دراهم الخليفة أو وكلائه.

في قطاع النشر العربي اليوم، ثمّة تجارة ورق لا صناعة نشر. ادفع تنشر، وعتبكَ على من يقرأ، إن وُجِد. هكذا انتشرت دور نشر تأخذ من الشعراء أُجور طباعة كتبهم، أي أنّها لا تتبنّى هذه الكتب لقيمتها الأدبية، بل إنّ هذه القيمة لا تؤخذ بعين الاعتبار، إذ إنّ سهولة الحصول على المال تُغري، واستغلال طموح الكُتّاب إلى إصدار كتابهم الأول، أو كتبٍ جديدة، ابتزازٌ مُغرٍ يأتي بمردود أكيد.

ما يحصل بعد ذلك أنّ الشعراء يدفعون المبلغ الذي يطلبه الناشر لطبع ألف نسخة، على أن يستردّوا مالهم بهيئة نسخٍ يبلغ ثمنها المبلغ المدفوع، وهو ما يعادل مئتي نسخةٍ غالباً، لكنّ هذا لا يحصل دائماً. يستغلّ بعض الناشرين بُعد الشاعر عنهم جغرافياً، والعوائق التي تحول دون إيصال النسخ إليه لعدم إرسالها، ويكذبون مخترعين تعقيدات إضافية، مماطلين لأشهر. السبب ببساطة أنّهم لا يستطيعون إعطاء الشاعر مئتي نسخة إن طبعوا ثلاثين فقط! لا تطبع دور النشر هذه سوى بضع عشراتٍ من النسخ، تدور بها على معارض الكتاب في المدن العربية، إذ تتحجّج بألّا مساحات في مستودعاتها للتخزين، وبأنّها ستطبع المزيد بعد نفاد المطبوع. لِمَ لا يُقابَل هذا التقسيط في الطباعة بتقسيطٍ في المبلغ المدفوع من قبل الشاعر؟

هناك نمط آخر من نشر الشعر النفعي الأشبه بالتشريف. إلى جانب النمط السابق، تنشر بعض دور النشر، التي تهتمّ أساساً بالرواية المترجمة، كما معظم دور النشر، كتباً شعرية للمترجمين الذين تتعاقد معهم، من دون مقابل ربما، وبنسخ محدودة كذلك، كعلاوة على تعبهم في ما يبيع ويدرّ دخلاً.

في كل ما سبق، لا مكان للشعر المترجَم طبعاً. قارئ الشعر نادر، ونشر الشعر المترجم من أجل بعض الأنفار المتباعدين غير ذي منفعة مادية. هناك دفع الحقوق الفكرية لشاعرٍ أجنبي يستحق أن يُترجَم، ولمترجمٍ أهلٍ لا يقتل الروح، بل يُحييها من خلال الحرف المنقول، وهذه مهمّةٌ جسيمة.

ساهم في قِلّة الشعر المترجَم أيضاً احتضار الصحافة الثقافية، فالمجلات الشهرية والفصلية الكبرى توقفت عن الصدور، والملاحق الأدبية معدودة وفقيرة المحتوى، وصفحات الجرائد اليومية والمواقع الإلكترونية مستنسخة عن بعضها ومكررة، إن في مواضيعها أو حتى في أسماء كُتّابها.

كاتب سوري من مواليد عام 1990. صدرت له مجموعتان قصصيتان، هما “تعزيات الفشل” (دار التنوير، 2021)، و”ساحة الولادة وقصص أُخرى” (دار الآداب، 2024).، ورواية “مشقّة العاديّ” (دار الآداب، 2026).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة