ناندا محمّد وأحمد العطّار: كلُّ هذه الأشياء الجميلة
من العرض

ناندا محمّد وأحمد العطّار: كلُّ هذه الأشياء الجميلة

في مسرحية "كلّ حاجة حلوة"، التي افتتحت برنامج "عروض الشارقة"، تكتب ابنةٌ قائمةً بجميع الأشياء الجميلة وتضعُها في كلّ ركن من البيت، لتؤكّد لأمِّها التي ترغب في الانتحار بأنّ الحياة جميلةٌ وتستحقُّ أن تُعاش.

خالد بن صالح - الشارقة

أمٌّ تعيش حالةً من الاكتئاب والرغبة الدائمة في الانتحار، تنعكس على عائلتها، وبشكلٍ خاصّ على ابنتها التي تعمد، في محاولة منها لإخراج أمِّها من اكتئابها الانتحاري، إلى إنجاز قائمة بكُلّ الأشياء الجميلة، مُعتمدةً على الموسيقى والأغاني الموجودة على أسطوانات أبيها القديمة، ومختلف الأشياء الأُخرى المتعلّقة بالحياة اليومية والذاكرة المشترَكة للأمكنة والأكلات والأفلام في مدينة القاهرة.

تتطوّر أحداث مسرحية “كلّ حاجة حلوة” (أداء ناندا محمد وإخراج أحمد العطّار)، بمرور المراحل العمرية للبطلة، مِن الطفولة إلى المراهَقة إلى الشباب، مِن المرح إلى الشعور بالذنب بسبب انتحار والدتها، والذي يؤثّر بشكلٍ مباشر في دراستها الجامعية وزواجها، ويدفع بها لاحقاً إلى اتباع جلساتٍ للعلاج النفسي.

هذه القائمة – التي بدأَت الابنة بكتابتها منذ أن كانت في السابعة من عمرُها، على قصاصات ورقية ووضعها في كلّ ركنٍ من البيت، لتؤكّد لأمِّها أنّ الحياة جميلة وتستحق أن تُعاش- تُصبح شكلاً من أشكال التوثيق اليومي، لكلّ اللحظات السعيدة، ومحاولةً مستمرّة للتعافي من فقدان توازنها العقلي.

رغم ثقل الموضوع وبُعده التراجيدي، يُحافظ العرضُ على لمسة كوميدية خفيفة، في خطاب يتوجّه بشكل مباشر إلى الجمهور، ولا يغفل عن نقد التناوُل السيّئ لموضوع الانتحار في وسائل الإعلام التي تُروّج له وتجد في أخباره مادّة مثيرةً لاستقطاب القرّاء والمتابِعين، بدل أن تُحاول تحليل الظاهرة والوقوف على الأسباب والخلفيات التي تكمن وراء تنامي نِسب الانتحار في العالم. هنا، يوجّه المونولوغ نداءً لتقديم الدعم اللازم للمكتئبين، في عصر سريع التحوّلات، وتدفع فيه الضغوط الاجتماعية والنفسية الأفراد إلى حالات شديدة من الاكتئاب.

يعتمد العرض على القدرات الأدائية لممثّلة واحدة تقف على خشبة مسرح فارغة، تُرافقها الموسيقى فقط. يتمثّل التحدّي الذي يواجه الممثلة في خلق تناغُم بين سرد القصة والجمهور الذي يشارك في العرض كشخصيات داعمة. وعلى الرغم من أنّ موضوع المسرحية معقَّد ومشحون بالانفعالات، إلّا أنّ الجمهور يخرج منها وهو يشعر بشيء من المرح والأمل.

 

يبدأ المسرح من هنا

يجمع مُخرج المسرحية، أحمد العطّار (مواليد 1969)، بين الكتابة والإخراج المسرحيَّين، ويُعالج في أعماله مواضيع اجتماعية شائعة. وإلى جانب ذلك، أسَّس عدداً مِن الفرق والمؤسّسات المسرحية المستقلّة؛ هي: “فرقة المعبد للمسرح المستقلّ”، و”شركة المشرق للإنتاج السينمائي والمسرحي”، ـو”مؤسّسة ستوديو عماد الدين” التي تتيح لفناني عروض الأداء في القاهرة مساحات للبروفات والإقامات الفنّية والتدريب.

خلال السنوات العشرين الماضية، لم يَشتغل العطّار إلَّا على النصوص التي يكتبها بنفسه. لكنّ الأمر سيختلف بعد اطّلاعه على نصٍّ للمسرحي البريطاني دنكان ماكميلان (مواليد 1980) بعنوان “كلّ شيء رائع” (2013)؛ حيث سيقوم بنقله إلى اللهجة المسرحية، كأوّل نصّ ضمن مشروع “المسرح المترجَم: مختارات من المسرح الأوروبي المعاصر”، والذي أطلقَته “مؤسَّسة المشرق للإنتاج السينمائي والمسرحي” بدعم من “الملتقى العربي للفنون المعاصرة” و”المركز الثقافي البريطاني” في القاهرة.

أحمد العطار

أحمد العطّار

في حديث إلى “رحبة”، يقول العطّار إنّ أهمية نصّ ماكميلان تكمن في كونه “يشكّل درساً في المسرح، يعودُ إلى الأصول الأُولى لهذا الفنّ في طريقة العرض، من خلال اعتمادهِ فقط على أداء الممثِّلـ/ة، والمقطوعات الموسيقية والغنائية المرافِقة؛ أيْ من دون العناصر المسرحية المعروفة اليوم مِن ديكور وإضاءة وغيرها، وأيضاً لكونه يُعالج ظاهرة اجتماعية معقَّدة لا يمكن إغفالها في مجتمعاتنا العربية، خاصّةً أنّها تشهد تنامياً مُستمرّاً في السنوات الأخيرة”.

إلى جانب ذلك، يُضيف المُخرج والكاتب المسرحي المصري، يبتعد التناوُل عن الطريقة الكلاسيكية، حيث يجمع عدّة جوانب درامية وكوميدية ويُقيم تواصُلاً وتفاعُلاً مع الجمهور: “الموضوع حسّاسٌ للغاية، ولكنّه يُقدَّم بطريقة تشتبك بشكل إيجابيّ مع المتلقّي”.

في ردِّه على سؤال حول تعريب النص وإدخال عناصر من الثقافة المصرية اليومية، مِن أغانٍ وأفلام وأسماء مشاهير وأكلات شعبية، عليه، يقول العطّار: “كُتب النصُّ في الأصل ليتناغم مع ثقافة المجتمع الإنكليزي. وبالتالي اشتغلتُ على ترجمته بتغيير المدلولات وإسقاطها على مجتمعاتنا، ليتفاعَل معها الجمهور في كلّ البلدان العربية”.

قبل عرضه في الشارقة مؤخَّراً، قُدّم “كلّ حاجة حلوة” في مصر 14 مَرّةً على فترات متقطّعة، وسيُعرَض مُجدَّداً في القاهرة. يوضّح العطّار: “نسعى إلى تقديم العمل في أكثر من مدينة مصرية وعربية، فهو عرضٌ بسيط مِن الناحية الإنتاجية، كما يسهُل تقديمُه في أماكن وفضاءات مفتوحة”.

يعيش المسرح العربي، منذ مدّة طويلة، في أزمة، هكذا يُجيب الكاتب والمُخرج المصري عن سؤالنا حول وضْع المسرح العربي، ويضيف: “إنّها أزمة نصّ بالدرجة الأولى، وهذا ما جعلني أُطلق مشروعاً لترجمة المسرح الأوروبي المعاصر، يتمثل في ترجمة أربعة وعشرين نصّاً مسرحياً مِن بلدان أوروبية مختلفة، على ألَّا يتجاوز عمر النص 15 سنة. الهدف هو نقل الكتابات المسرحية الجديدة إلى الجمهور العربي، لأنّ المسرح يبدأ من هنا، من النص، وبعدها يأتي الإخراج ليُسقِط مواضيع هذه النصوص على الواقع المحلّي”.

يَختم العطّار حديثه إلى “رحبة” قائلاً إنّ “للمشروع هدفاً آخر عملي، يتمثّل في فتْح المجال للممثّلين والمؤدِّين للتعرُّف على طرق مختلفة في الكتابة والمعالجة، ويكون لها الأثر في المستقبل”.

 

مع الجمهور

خلال العرض، تدعو الممثّلة عدداً مِن الحاضرين للمشاركة والارتجال وتقمُّص أدوار بعض الشخصيات التي تظهر مع تطوُّر أحداث القصة، أو قراءة مقاطع وعبارات كُتبت على قصاصات مرقَّمة حسب القائمة التي تعدِّها البطلة لكُلِّ الأشياء الجميلة في الحياة.

بطلةُ العرض، ناندا محمد (موالد 1980)، ممثّلةٌ سورية تعمل وتعيش في القاهرة. تخرّجَت من قسم التمثيل في “المعهد العالي للفنون المسرحية” بدمشق، وعملت مع العديد من المخرجين المسرحيين داخل سورية وخارجها، كما قدّمت العديد من الأدوار والأعمال الفنّية في عدّة مهرجانات مسرحية، وحصلت مؤخَّراً على وسام “الفنون والآداب رتبة فارس” من وزارة الثقافة الفرنسية. وإلى جانب نشاطها المسرحي، شاركت في العديد من الأعمال التلفزيونية السورية والمصرية.

ناندا محمّد

ناندا محمّد خلال العرض

تصف محمد تجربتَها في “كلّ حاجة حلوة” بالصعبة. لكنّها تُضيف، في حديث إلى “رحبة”، بأنّ العمل قدّم لها فرصةً لتجريب شيء جديد، وتُردف: “تزيد الحماسة عندما يتضمّن النصُّ تحدّيات في الأداء، وأسئلة حياتية تخصّني كممثِّلة، وتخصُّ الجمهور الذي أستمدُّ منه طاقة هائلة لأداء العرض رغم صعوبتهِ”.

تضيف ناندا – وهو كذلك اسم بطلة المسرحية -: “بتناوُله ظاهرةَ الانتحار، منحني العرضُ قدرةً أكبر على التفاعُل مع المشاعر الدفينة لحالة الاكتئاب، وما ينجم عنها من تصرُّفات ومسارات في الحياة”.

تلفت المتحدّثة إلى أنّ موضوعاً حسّاساً جدّاً، مثل الانتحار، يحتاج إلى تناولٍ فنِّي واعٍ. مُضيفةً أنّ “نصَّ دنكان ماكميلان، بلمسة أحمد العطار، يتناول بطريقة ذكية، حالة أُمّ تُحاول الانتحار أكثر من مَرّة، وكيف ينعكس ذلك على ابنتها التي أُجسّد شخصيتها في مستويات متباعدة من التسلسل الدرامي والكوميدي، بين التوتّر العالي والاسترخاء، بين الضحك والبكاء، وكلّ هذه المشاعر القوية بدرجات متفاوتة”.

هذه هي المرّة الأُولى التي يُقدَّم فيها العرضُ خارج مصر. غير أنّ الممثّلة السورية تأمل في أن يُعرَض في أكثر من بلدٍ عربي؛ لأنّ “الممثّل بحاجة إلى مثل هذه اللحظات التي أصبحت قليلة جدّاً، للمشاركة والتفاعُل مع جمهور عربي من ثقافات متنوّعة، لكنّ ذاكرته المشتركة تمحو كلّ الحدود”.

في منتصف نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، تُسافر محمد إلى السويد للعمل على عرض مسرحيّ مِن إخراج أحمد العطار، يُشارك فيه ممثِّلون عرب وسويديّون، ويُنتظَر عرضُه بداية السنة المقبلة في “المسرح الملكي” بستوكهولم بثلاثة لغات؛ هي: العربية والسويدية والإنكليزية. وإلى جانب ذلك، تُحضّر لجولة مسرحية في فرنسا لتقديم عرض “التي سكنت البيت قبلي” من إخراج الفرنسي هنري جوب جوليان وكتابة الشاعرة السورية رشا عمران.

تعتبر ناندا محمد أنّ أزمة المسرح العربي جزءٌ مِن أزمات عامّة تشمل عدّة مجالات، لكنّها تُعبّر، في ختام حديثها، عن أملها في أن يتّجه الناسُ إلى المسرح، وأن تدعم المؤسّساتُ الحكومية والخاصّةُ الفنّانين والمسرحيِّين، لاسيما المستقلِّين منهم، والذين ويقدِّمون مشاريع مسرحية وأدائية نوعية يحتاجها المواطن العربي.

 

تفاعُلٌ مع المدينة

قُدِّم عرض “كلّ حاجة حلوة”، أوّل أمس الجمعة، في “بيت الشامسي” التراثي، خلال افتتاح الدورة الأُولى من برنامج “عروض الشارقة” الأدائية المعاصرة، والتي تُنظّمها “مؤسَّسة الشارقة للفنون” بدعوة فنّانين عرب وأجانب ليقدِّموا 17 ليلة عرض، تمتدّ من الرابع من نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري وحتى الثامن من يناير/ كانون الثاني المقبل.

عروض الشارقة

ملصق البرنامج

تحتفي التظاهُرة في عامها الأوّل بعروض مسرحية وأدائية معاصرة وطليعية، لمخرجين وممثّلين وموسيقيّين من المنطقة العربية والعالم؛ لاقت نجاحاً عند تقديمها للجمهور المحلّي في بلدانهم أو من خلال جولاتهم الفنّية في مختلف المدن والعواصم العالمية، كما تتحرّك هذه العروض في شوارع مدينة الشارقة وأماكنها العامّة ومسارحها في مناخٍ تفاعُلي مع الجمهور، يسعى إلى خلق ارتباطٍ جمالي وفنِّي بين هذه العروض وفضاءات المدينة المتنوِّعة.

وحسب مدير قسم العروض الأدائية في “مؤسَّسة الشارقة للفنون”، طارق أبو الفتوح، فإنّ “البرنامج يسعى إلى خلقِ مفردات جديدة تتفاعل مع المدينة ومواقعها التاريخية والمستقبلية”، مشيراً إلى أنّ البرنامج تُصاحبه ورشاتٌ تدريبية ولقاءات حوارية مع الفنّانين المشاركين، بالتعاون مع عددٍ من المؤسّسات الفنية والتعليمية المحلية.

ويكلِّف برنامجُ “عروض الشارقة” لهذا العام عدداً من الفنّانين بإنجاز أعمال جديدة في مواقع وأماكن مختلفة عبر المدينة، كي تُعرض للجمهور خلال الدورات المقبلة.

شاعر وصحافي جزائري، من مواليد 1979. بالإضافة إلى الكتابة الصحافية والمتابعات الأدبية والفنّية عبر عدد من الجرائد والمجلّات الثقافية الجزائرية والعربية، يشتغل بين الإذاعة والنشر والتحرير منذ 2007. صدرت له أربع مجموعات شعرية، تُرجمت آخرها إلى الإيطالية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة