نجيب محفوظ مُعلِّقاً على وقف المسار الانتخابي في الجزائر

في المقال الصادر بعد أربعة أيام مِن وقف المسار الانتخابي في الجزائر عام 1992، يُبدي الروائيُّ المصريُّ الراحل انحيازاً لفكرة الديمقراطية، داعياً إلى القبول بنتائج الانتخابات النزيهة أيّاً كان الفائز فيها.

نجيب محفوظ مُعلِّقاً على وقف المسار الانتخابي في الجزائر
(نجيب محفوظ)

ضمن زاوية “وجهة نظر” في صحيفة “الأهرام المصرية”، والتي يتداول على الكتابة فيها عددٌ مِن كُتّاب الرأي، علَّق الروائيُّ المصري الراحل نجيب محفوظ على قرار المجلس الأعلى للأمن في الجزائر وقفَ المسار الانتخابي، وإلغاء الجولة الثانية مِن الانتخابات التشريعية (البرلمانية)، والذي أُعلن عنه في الثاني عشر من يناير/ كانون الثاني 1992.

أسفرت الجولة الأولى مِن الانتخابات التشريعية، التي جرت في السادس والعشرين مِن ديسمبر/ كانون الأوّل 1991، عن فوز حزب “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” بالأغلبية البرلمانية؛ فحسب الأرقام التي أعلن عنها المجلس الدستوري، حصلَ الحزب الإسلاميُّ على 188 مقعداً، وحصل “جبهة القوى الاشتراكية” على 25 مقعداً، بينما لم يحصل “جبهة التحرير الوطني” سوى على 16 مقعداً.

نُشر المقال، الذي حمل عنوان “تجربة الجزائر”، في العدد 38390 من “الأهرام”، الصادر بتاريخ السادس عشر من يناير/ كانون الثاني 1992، أي بعد أربعة أيّام مِن وقف المسار الانتخابي. وهو العددُ الذي تصدَّر صفحتَه الأولى خبرٌ بعنوان “جبهة التحرير الجزائرية الحاكمة تطعن في دستورية القيادة الجماعية الجديدة”، في إشارة إلى “المجلس الأعلى للبلاد” الذي تشكَّل بعد إلغاء المسار الانتخابي، وُعيِّن محمد بوضياف رئيساً له.

في هذا المقال، يُبدي الروائيُّ المصريُّ الراحل (1911 – 2006) انحيازاً واضحاً لفكرة الديمقراطية التي يقول إنّها ليست سوى “احترام الرأي الآخر والتسليم برأي الشعب واختياره الحر”؛ حيث يرى أنَّ مِن الضروري القبول بنتائج الانتخابات النزيهة أيّاً كان الفائز فيها.

مقال نجيب محفوظ في صحيفة الأهرام

(مِن العدد الصادر بتاريخ 16يناير 1992)

ويعتبر صاحب “بداية ونهاية” أنَّ الانتخابات الجزائرية كانت “خيراً وبُشرى” لجميع البلدان العربية المتطلّعة للحرية والكرامة الإنسانية، قبل أن تنقضَّ نكسةٌ مزلزلة على الديمقراطية الوليدة في مهدها فتُغرق الفرحةَ في خيبةٍ وكآبة.

■ ■ ■

تجربة الجزائر

عند الجولة الأولى من الانتخابات الجزائرية، طَرحت الدولة الجزائرية نفسها مثلاً وقدوةً في الديمقراطية والنزاهة. فاز الخصم بأغلبية ساحقة وأصبح على بُعد شبرٍ من الأغلبية المطلقة النهائية، وسقط الحزب الحاكم سقوطاً لا يُسمح به عادةً إلّا في البلدان العريقة في الحضارة والحرية. وقلنا إنه لخير وبُشرى لجميع الأوطان العربية المتطلّعة للحرية والكرامة الإنسانية، وإذا بنكسة مزلزلة تنتقض على الديمقراطية الوليدة في مهدها فتُغرق الفرحة في خيبةٍ وكآبة، ويعود الاستبداد ليُطلّ بقرنَيه ونظراته الوحشية وكأنّما لم يكفه ما فعل بالبلاد حتى دفعها إلى شفا الإفلاس وسفك من دماء أبنائها ما سفك.

ما أكثر الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على شعوبهم ثم ظهر أنهم من كان بحاجة إلى الوصاية

وقد كشفت هذه النكسة عن حقيقة غريبة، وهي أنَّ بعض المستبدّين يتّجهون نحو الديمقراطية أملاً في إضفاء شرعية شعبية على استبدادهم، لا إيماناً حقيقياً بالديمقراطية، فإذا خذلَتهُم الديمقراطية كشّروا عن أنيابهم وعصفوا بها وأزاحوا النقاب عن وجههم القبيح. وما الديمقراطية إلّا الحوار الصادق واحترام الرأي الآخر والتسليم برأي الشعب واختياره الحر.

لا نُنكر أنّ الحزب المهزوم يتصوّر أنَّ في انتصار خصمه نهاية العالم وخراب الوطن، ولا ننكر أنه كثيراً ما يُفسِّر ذلك بجهل الشعب أو سذاجته، ولكنَّ كلَّ شعب هو أدرى بما يصلح له، وأبسط الشعوب تدري ما يصلح لها، وما أكثر المستبدّين الذين نصّبوا أنفسهم أوصياء على شعوبهم ثم ظهر أنهم هم الذين كانوا في حاجة إلى الوصاية. ولعلّنا لم ننس بعد هتلر وموسوليني وإمبراطور اليابان. على أنّنا لا نذكر مبايعة شعبية خاطئة – ولنفترض أنَّ شعب الجزائر قد أخطأ، فلماذا لا نتركه ليتحمَّل مسؤولية خطئه ونمنحه الفرصة لتصحيحها؟

ولو كانت التجربة السابقة للانتخابات ناجحةً، لوجدنا لمن يريد العودة إليها ولمثلها شبه عذر، ولكنّها كانت تجربةً فاشلة فاسدة متنكّرة لحقوق الإنسان وكرامته. وإذا قُدّر للجزائر أن يحكمها مستبِدٌّ جديد، فقد يُبرِّر سياسته بأسباب كثيرة، ولكنه لن يزعم أبداً أنه يمثّل الشعب بعد أن أعلن الشعبُ كلمته صريحة عالية.

نجيب محفوظ

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة