نزهة في غابة روحي

راح ينظر عبر النافذة للشارع الذي لا تتوقف سياراته، حتى في أيام الحروب والأيام الممطرة، والأيام الفارغة، السيارات تمر دائما، هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

نزهة في غابة روحي
"رجل في الغابة" (1971)، لـ جيروم سي. كراوزه

نفش كوم التبغ على الطاولة، وتحسّس جفافه الواضح. ربما قد تسرّب الهواء إلى علبة التبغ وجففه، ثم استدرك شح مائدته، وراح يسكب لنفسه في كأسه الخشبي القليل من الويسكي الأيرلندي، والذي عادة ما يُضيف إليه ثلاث حبّات من القرنفل، وقد لا يكون القرنفل قرنفلاً حتى يتم سحقه (تبرز جودة الأشياء حينما توضع تحت الضغط) وما إن يبث القرنفل زيوته الطيارة في السائل، يُلحقه بإضافة عود من القرفة، ويترك الوقت للأطعمة أن تتجانس مع بعضها.

حينها تلقى اتصالا هاتفيا شغله عن كأسهِ وتبغه. راح يجوب الصالة وينظر عبر النافذة للشارع الذي لا تتوقف سياراته عن المرور، حتى في أيام الحروب والأيام الممطرة، والأيام الفارغة، السيارات تمر دائما، هذه حقيقة لا يمكن تجاهلها.

ما إن أنهى اتصاله، حتى عادة يجلس خلف المنضدة البيضاء، وتنبه أن مخلوط الويسكي مع التوابل صار ينزّ من أسفل الكأس الخشبية، وجرى خيط من السائل المسكوب صوب كومة التبغ، الذي امتص السائل كله، لم يؤخر ذلك رغبة الرجل في لف “سيجارة العاشرة ليلا”، هكذا كان يسميها.

مع النفس الأول الذي لحقه بجرعة من المخلوط الأيرلندي، وجد الرجل نفسه قد غادر ليلته كلها، كان قد أنبثق فجأة عاريا في غابة رطبة من غابات الإكوادور، هكذا تبدو الصورة أو الحلم.

لم تكن الإكوادور نفسها، ربما بلد صغير من بلدان أمريكا اللاتينية، ربما غابة تقطن في لاوعيه. لم يهمه كثيراً موقعه في العالم حينها، ما كان ينبههُ للحياة، هو سرعة جريان قطرات العرق فوق جسده، التي ما إن تنتهي عند أطراف أصابع يديه، حتى تنهمر أرضا، حتى صار يسقي حشائش صغيرة من حوله. تسارعت الحشائش بالنمو بعد أن امتصت عرق الرجل، وصارت تحيط به، لم يدرك بعد قواعد الحياة التي يختبرها الآن، لكنه أدرك أن عليه السير قبل أن تخنقه الحشائش من حوله، بينما هي تنمو كأنها في فيديو يتم التلاعب فيه.

صار الرجل يمشي بينما يمكن ملاحظة خط سيره، من غابة الحشائش التي تنمو خلفه، وما إن تنبه لملاحقته من تلك الحشائش الخبيثة، حتى وجد نفسه ينتهي عند النهر، الذي أخذت مياهه تختلط بقطرات عرقه الجارية، حتى صار النهر يغلي في داخله، كأنما بفعل نمو مفاجئ للطحالب المتورمة.
دفعت الحشائش الرجل من الخلف، بينما تلقفته الطحالب من داخل الماء وذاب وانتهى هناك.

السيجارة هذه كانت لتبدو تذكرة ذهاب وعودة لغابته التي تنمو سريعا، وجد نفسه على الطاولة من جديد، تحرك من كرسيه، نظر للنافذة، السيارات ما زالت تقطع الشارع بسرعتها المعهودة، صوت اختراقها للهواء ذاته، الكأس ينز بالسائل على المنضدة، السيجارة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

السيارات تمر، الحروب بخير، والزمن الذي يسير نحو حتفه، لا شيء يجعل الرجل يفهم وجوده المتكرر خلف النافذة، غير ذلك الألم الذي يتسلق بلعومه، يتجه نحو عيونه يمسك بها من الداخل، يسحبها إلى جوفه، حيث في داخله غابة، وخلف نافذته غابة.

كاتب عراقي من مواليد مدينة البصرة عام 1993 ويقيم في بغداد.  له في الرواية “خطّة لإنقاذ العالم”  (صدرت عام 2020، ونشرت ترجمتها الإنكليزية عن دار Sandorf Passage الأميركية عام 2026)، وله في القصة القصيرة “كتاب الكوابيس” (2022) . يعمل في مجال النشر والتدريب.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة