نزيم باية… صيدليٌّ في حلبة السخرية السوداء
(نزيم باية)

نزيم باية… صيدليٌّ في حلبة السخرية السوداء

سخريةٌ سوداء ضمن معايير الخبر الصحافي. كانت تلك وصفةَ "المنشار" التي سُرعان ما ستسترعي الانتباه إلى صوْتٍ نقدي ساخرٍ في وقتٍ يخفت النقدُ وتتوارى السخرية لصالِح لُغةٍ خشبية ثقيلة. هنا لقاءٌ مع مؤسّس الموقع.

في أكتوبر/ تشرين الأوّل 2013، أطلَق شابٌّ مِن مدينة بومرداس، شرق الجزائر العاصمة، صفحةً ساخرة على فيسبوك باسم “المنشار”؛ وهي تسميةٌ تستعيد تجربة أوّل صحيفةٍ جزائرية ساخرة، كان قد أصدرها سِيد علي ملواح (1949 – 2007) ومجموعةٌ من الكُتّاب والرسّامين الجزائريّين مطلعَ التسعينيات.

قبل أشهر مِن ذلك، نُقل الرئيسُ الجزائريّ السابق، عبد العزيز بوتفليقة، إلى مستشفىً عسكريٍّ فرنسي، بعد إصابته بـ”وعكة” صحّية سيتّضح لاحقاً أنها أفقدَته القدرة على الوقوف والكلام، مِن دون أنْ تُفقِد “أنصاره” حماستهم لرؤيته مُرشَّحاً لعهدةٍ رئاسية رابعة. وكانت تلك الأجواء المشحونة سياسياً واجتماعياً كافيةً لإلهام الشاب، غير المعروف في المشهد الإعلاميِّ المحلّي، بكثيرٍ مِن النصوص التي تندرج ضمن الكوميديا السوداء.

سيترشَّح بوتفليقة لعهدةٍ رابعة في أبريل/ نيسان 2014. وفي الشهر نفسه، ستتعزَّز الصفحة الفيسبوكية بـ موقعٍ إلكتروني. وكانَ ذلك بمثابة عودةٍ أُخرى وفي زمنٍ آخرَ لصحيفةٍ لا يزالُ العديد مِن الجزائريّين ينظرون إليها بكثيرٍ مِن الحنين.

لكن، وعلى خلاف ملواح ورفاقه في تجربتهم الورقية التي لم تستمرَّ طويلاً، لن تكونُ رسومات الكاريكاتير والكوميكس أداةَ نزيم باية (1984) في “منشاره” الإلكتروني؛ إذ ستتّخذ السخريةُ السياسية عنده شكلَ مقالاتٍ إخبارية ستبدو، للوهلة الأولى، حقيقةً تماماً، ليسَ فقط لأنَّ شكلَ الموقع لا يُوحي بأنّنا أمام صحيفة ساخرة، بل لأنَّ الواقع الجزائريَّ لم يكُن يقلّ كاريكاتيريةً ولا يزال.

 بين السخرية والأخبار الزائفة

سخريةٌ سوداء ضمن معايير الخبر الصحافي. كانت تلك وصفةَ نزيم باية، أو خلطته “السحرية”، التي سُرعان ما ستسترعي الانتباه إلى صوْتٍ نقدي ذكّيٍ وساخرٍ في وقتٍ يخفت النقدُ ويحتجب الذكاء وتتوارى السخرية لصالِح لُغةٍ خشبية ثقيلة بدا أنّها لم تعُد تكتفي بفضاءاتها التقليدية، فأخذت تتمدّد لتصل إلى الوسائط الجديدة أيضاً. يقول: “حاولتُ محاكاة ما يفعله الصحافيّون في كتاباتهم الجادّة. وربّما بسبب ذلك، كثيراً ما يُشارك القرّاء منشورات الموقع على أساس أنّها أخبار حقيقية”.

كان طبيعياً أنْ يلفت “المنشار”، الذي يعتمد على ثلاثة محرّرين اليوم، الأنظارَ في بلدٍ يفتقر إلى صحافة متخصّصة في السخرية. لكنَّ اللافتَ هو أنْ يتحوَّل إلى “مصدر للمعلومة”، ليس للقارئ العاديّ فحسب، بل لعددٍ من وسائل الإعلام التي كثيراً ما كانت تسقُط في الفخّ، حتّى أنَّ قناةً فضائيةً جزائرية خاصّةً افتَتحت إحدى نشراتها بواحد مِن أخباره الساخرة.

موقع المنشار

(مِن الموقع)

في لقائه مع “رحبة”، يذكُر باية أمثلةً عن أخبار ساخرة نشرَها “المنشار” وتناقلتها وسائلُ إعلامية جزائرية وغير جزائرية باعتبارها أخباراً حقيقية؛ مِن بينها خبرٌ يتحدّث عن إعلان “الوكالة الوطنية لدعم تشغيل الشباب” منحها قروضاً مصغَّرةً للشبّان الراغبين في الزواج، وآخر عن تصريحٍ للفنّان الأميركي جاستن تمبرليك “يكشف” فيه أنه ابنٌ غير معترَف به لوزيرة الثقافة السابقة خليدة تومي، وثالث عن اعتزام كمال شيخي، المتَّهمِ الرئيسي في قضية تهريب قرابة 700 كيلوغرام من الكوكايين إلى الجزائر، إنشاءَ مصنعٍ لـ”تركيب” الكوكايين في مدينة سيدي بلعبّاس.

يُعلّق قائلاً: “كانت إحدى الجرائد تُعيد، وبشكلٍ دائم، نشر مقالاتنا على أنّها أخبارٌ حقيقة، حتى اعتقدنا أنّها تفعلُ ذلك عمداً”. لكنّه يلفت إلى أنَّ الأمر بات قليل الحدوث في الآونة الأخيرة: “صار معروفاً للجميع أنَّ “المنشار” موقعٌ ساخر، وأصبح مِن النادر أخذُ أخباره على محمل الجدّ”.

وبرأي باية فإنَّ تلك الأخطاء تكشف عن حالةٍ مِن الرداءة في المشهد الإعلامي الجزائري، وخصوصاً في المواقع الإلكترونية؛ حيث “يبحث البعض عن الإثارة والسبق سعياً لاستقطاب الزوّار، فيُعيدون نشر أخبارٍ مِن دون التحقُّق مِن صحّتها، وربما مِن دون قراءتها حتّى”.

صار معروفاً أنَّ “المنشار” موقعٌ ساخر، وأصبح مِن النادر أخذُ أخباره على محمل الجدّ

يأخذنا الحديث إلى مسألة الأخبار الزائفة التي تنتشر بشكلٍ واسع على مواقع التواصُل الاجتماعي، وبعضُها يبدأ في شكلٍ منشوراتٍ ساخرة لكنه سرعان ما يتحوّل إلى أخبارٍ مضلِّلة. أسأل نزيم باية، هنا، عن الحدود الفاصلة بين الخبر الساخر والخبر الزائف، فيُجيب: “لا شكَّ أنَّ الأخبار الكاذبة تُمثّل مشكلةً حقيقيةً في زمن الشبكات الاجتماعية. لكن ينبغي أنْ نُفرِّق بينها وبين الأخبار الساخرة؛ فالثانية تهدف إلى النقد والترفيه، بينما للأولى أهدافٌ سياسية غالباً.”، مضيفاً:“على القارئ أنْ يُطوّر دائماً مِن مهاراته في التحقُّق مِن الأخبار الكاذبة”.

ثمّة خيطٌ رفيع بين النوعَين. ودفعاً للالتباس، يرى المُتحدّث أنَّ مِن الضروري الإعلانُ عن طبيعة الوسيلة الإعلامية وتوجُّهها العام، مِن خلال تعريفٍ يُنبّه القارئ/ الزائر إلى أنّه بصدد الاطّلاع على محتوىً ساخر: “هذه الإشارة موجودة، منذ البداية، على موقعنا الإلكتروني وصفحاته في مواقع التواصُل الاجتماعي. وحين نستخدمُ شعاراً لوسيلةٍ إعلامية في صورةٍ تتضمّن محتوى ساخراً، فإنّنا نُضيف إليها شعار موقعنا مِن باب التنبيه”.

 جزائريّون…

هل يتقبَّل الجزائريّون السخرية؟ يُجيب نزيم باية عن سؤال “رحبة” بالقول إنَّ الأمر نسبيٌّ إلى حدّ ما: “لِكلّ مجتمعٍ خصوصيّاته. والمجتمعُ الجزائري لا يتقبّل غالباً السخرية السوداء”. ويُضيف:“ثمّة مواضيع كنّا نتناولها في السابق، لكنّنا لم نعُد نفعل في الآونة الأخيرة، خصوصاً مع بروز ظاهرة الذباب الإلكتروني. وثمّة مواضيع لم نُحاول الاقتراب منها مِن الأساس؛ فمنذ البداية، رسمتُ خطوطاً لا يُمكن تجاوُزها، مثل الدين والجهوية، أو أيّ أمرٍ مِن شأنه تقسيم الجزائريّين”.

مِثل صحيفة “المنشار” التي صدرت لبضعة أشهر في التسعينيّات، يُخاطِب موقع “المنشار” قرّاءَه باللغة الفرنسية. هل يعكس هذا الخيار اعتقاداً بأنَّ الجمهور “المفرنَس” في الجزائر أكثرُ انفتاحاً وتقبُّلاً للسخرية؟ يجيب باية: “ليست اللغةُ، بالتأكيد، مجرّد وسيلة للتواصُل، بل هي حاملُ فكر ونمط عيش؛ فلِكلِّ لغةٍ مرجعيّاتها الخاصّة. لكنّني لا أستطيع إعطاء إجابة مؤكَّدةٍ عن سؤالك، لأنّني لم أُجرِّب الكتابة بالعربية. مع ذلك، أنا واثقٌ أنَّ الحمقى موجودون في الطرفَين. ربّما لأنَّ عدد المفرنَسين قليلٌ في الجزائر، يبدو عددُ الحمقى المفرنَسين أقلّ، بينما الحقيقة أنَّ النسبة متساويةٌ بين الجهتَين”.

تبدو ردود الفعلِ المتشنّجةُ، التي قد نلتقي بها في بعض التعليقات، شكلاً مِن الرقابة البَعدية التي يُمارسها أشخاصٌ عاديّون على السخرية. لكن ماذا عن السلطة؟ يُجيب نزيم باية عن سؤالٍ حول رأيه في واقع حرية الصحافة في الجزائر اليوم قائلاً: “إنْ كُنّا نتحدّث عن وسائل الإعلام التقليدية، مِن صُحفٍ وقنواتٍ تلفزيونية، فالأمرُ لم يشهد أيَّ تغيُّر: كانَ الإعلام في يد السلطة ولا يزال. أمّا إن تحدَّثنا عن الصحافة الإلكترونية ومواقع التواصُل الاجتماعي، فالمؤكَّد أنَّ الأمر ازداد سوءاً منذ فبراير/ شباط 2019. في السابق، كانت ثمّة حريةٌ شبه تامّة، أمّا اليوم، فهناك توجُّهٌ إلى مزيدٍ مِن الرقابة والتضييقات، وهذه مؤشّراتٌ إلى أنَّ زمن الحرية في الفضاءات الافتراضية أصبحَ مِن الماضي”.

تقلُّص هوامش حرية التعبير في السنتَين الأخيرتَين كان السبب الذي دفع نزيم باية، في مايو/ أيار الماضي، إلى إعلانه تعليق موقع “المنشار” وصفحاته على مواقع التواصُل الاجتماعي. وحول ذلك يقول: “لم أتعرَّض إلى ضغوطات مباشرة، لكنَّ الجوّ العام كان خانقاً؛ خصوصاً مع تزايُد الاعتقالات التي طاولت صحافيّين مثل خالد درارني وناشطين مثل الرسّام نيم (عبد الحميد أمين) ووليد كشيدة بسبب منشوراتٍ على فيسبوك. وقد كنتُ صريحاً حين قلتُ حينها إنَّ السبب الذي دفعني لاتّخاذ تلك الخطوة هو الخوف”.

بات مؤكّداً في الجزائر أن زمن الحرية في الفضاءات الافتراضية أصبح جزءاً مِن الماضي

هنا، يستطرد: “بشكل عام، لم أتعرَّض إلى مضايقات مباشرة، لكنّني تعرّضتُ إلى مضايقات غير مباشرة بسبب “المنشار”، خصوصاً في نشاطي النقابي”.

في سبتمبر/ أيلول، عاد نزيم باية لاستئناف النشر في “المنشار” مُجدّداً. واليوم، يعمل على إطلاق نُسخةٍ باللغة العربية خلال السنة الجارية: “نُحضّر لتكون النسخةُ جاهزةً في غضون الأشهر القليلة القادمة. ولم نُحدِّد بعد إنْ كُنّا سنكتفي بترجمة المقالات مِن الفرنسية، أمْ سنكتُبها بالعربية مباشَرةً”.

نشرة الواقع المُرّ

وفي تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أطلق باية برنامجاً سياسياً ساخراً على مواقع التواصُل الاجتماعي باسم “Le vrai journal – نشرة الواقع المُرّ”. وعن هذه التجربة يقول: انتقلتُ إلى الفيديو لأنّه أكثر انتشاراً وتأثيراً من المقالات المكتوبة. وفي الحقيقة، كان الأمرُ بالنسبة إليَّ بمثابة رهانٍ شخصيّ… لا أرتاحُ أمام الكاميرا، لذلك أردتُ أنْ أتحدّى نفسي”. يُواصل متحدّثاً عن ردود الفعل التي أثارها البرنامج: “هناك مِن أُعجب به، وهناك مَن كان ينتظر ما هو أحسن، وهناك مَن قال إنّني لم أُخلَق لأكون أمام الكاميرا… لكنّني مستمرٌّ على أي حال”.

هل سنرى “نشرة الواقع المُر” على قناة تلفزيونية خاصّة؟ قطعاً لا، يُجيب باية، قبل أن يُردف: “بالتأكيد، فإنَّ هامش الحرية المتوفّر حالياً لا يسمح بعرض البرنامج على أيّ قناة جزائرية. رأينا المصير الذي تعرّضَت له برامج ساخرة، رغم أنها لم تكُن تُسمّي الأشخاص بأسمائهم. في كلّ الحالات، أُفضّل أن أعمل لوحدي؛ حيثُ ضميري هو الوحيد الذي يُملي عليَّ ما أفعله وما لا أفعله”.

هنا، يُشير إلى أنَّ مظاهر تدهوُر حرية الصحافة في الجزائر لا تقتصر على غياب البرامج الساخرة فحسب؛ إذ “ينسحب الأمرُ على البرامج الجادّة التي تتناول القضايا السياسية الملحّة. بدلاً مِن ذلك اتّجهت القنوات التلفزيونية إلى البرامج الاجتماعية الفضائحية”.

يردُّ عن سؤالٍ حول ما إذا كان قد تلقّى دعواتٍ للمشاركة في برامج على القنوات الجزائرية وعن موقفه منها، فيجيب: “شاركتُ مرّةً واحدة فقط في برنامج على قناة خاصّة سنةَ 2015، ولم أُدعَ بعد ذلك باستثناء مرّة طُلب منّي فيها المشاركة في شريطٍ وثائقي، لكنّني رفضت. لم أكُن لأكرّر التجربة مِن دون وجود حرية تعبير كاملة وغير منقوصة”.

درس نزيم باية الصيدلة في الجزائر العاصمة، وتخرّج عام 2008، قبل أن يواصل دراسته ليتخرّج كصيدلي متخصّص في 2010، ويلتحق بالعمل في “الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية”. وقبل تجربة “المنشار”، كان يُريد أن يُصبح روائياً. يُخبرني في نهاية اللقاء أنّ مشروع كتابة روايةٍ لا يزال يراوده: “أحياناً أبدأ في الكتابة لكنّني أتوقّف بسبب ضيق الوقت. لعلّني سأفعل قريباً، لكنَّ المؤكّد أنني لن أكتب روايةً ساخرة”.

كاتب وصحافي جزائري ومؤسّس موقع “رحبة”. من مواليد 1983. بدأ الكتابة الصحافية مدوّناً في 2005، قبل أن يعمل في عددٍ من المؤسّسات الصحافية الجزائرية والعربية، بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. صدرت له مجموعة قصصية في 2008، ورواية في 2013.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة