نوال السعداوي… بحثاً عن الدين الصحيح؟
(تصوير: توم بيلستون)

نوال السعداوي… بحثاً عن الدين الصحيح؟

بغضّ النظر عن مواقفها المعروفة مِن ختان البنات وتعدُّد الزوجات والحجاب والمثلية، فإنَّ جانبَين أساسيَّين يُميّزان تجربةَ الكاتبة المصرية الراحلة: ربطُها قضايا المرأة بالنضال ضد الاستعمار والرأسمالية، وتأكيدها على أنَّ نضالها موجَّه ضدّ الفهم الخاطئ للدين.

في الواحد والعشرين من مارس/ آذار الجاري، رحلَت الكاتبةُ والمناضلة النسوية والطبيبة المصرية نوال السعداوي (1931 – 2021)، تاركةً وراءها مسيرةً بارزة مِن النضال الفكري والسياسي، إلى جانب أكثر من أربعين كتاباً بين الرواية والمسرحية والفكر والمذكّرات.

خلّف رحيلُ السعداوي جدالات باتت معتادةً في مناسباتٍ مشابهة؛ فبينما أعاد الموتُ اسمها إلى الحياة، كانت أعدادٌ غير قليلة من مستخدمي مواقُع التواصُل الاجتماعي مُنشغلةً بمناقشة جواز الترحُّم عليها مِن عدمه.

أبصرَت صاحبة “الأُنثى هي الأصل” (1971) النور في زمنٍ لم تكُن نزعة التعصُّب والتكفير ورفض الآخر قد غزت المجتمعات المجتمعات العربية بعدُ؛ إذ وُلدَت مطلع ثلاثينيات القرن الماضي في عائلة بسيطة بقرية كفر طلحة بمحافظة القليوبية.

ولمّا كانت الطفلةَ الثانية مِن بين تسعة أطفال، فقد تحمَّلت المسؤوليةَ في سنّ مبكرة، خصوصاً أنّها نشأت في عائلة تقليديّة تُدلِّل الذكور وتُثقِل كاهلَ البنات بالأعباء.

غير أنَّ ما يلفتُ الانتباه في طفولة السعداوي هما أمران أساسيّان: الأوّلُ أنّها خُتِنت في السادسة من عمرها، وهو ما سيترك تأثيراً كبيراً عليها وعلى نضالها مُستقبَلاً ضدّ ختان البنات، والثاني أنّها ظلّت دائماً مَدينةً لوالدها الذي كان مثقَّفاً مسؤولاً في وزارة التربية والتعليم، وشارك في ثورة 1919 ضدّ الاحتلال البريطاني ليُنقَل بسبب ذلك مِن القاهرة إلى قرية صغيرة في الدلتا، ويُحرَم من أيّ ترقية طيلة عشر سنوات.

وعلى الرغم من التناقُض الواضح بين مسألة الختان وطبيعة شخصية الأب التي كثيراً ما أشادت بها ابنتُه في كُتُبها وحواراتها، فقد كان للأمرَين مجتمعَيْن أثرٌ كبير في وعيها المبكّر بالحيف الذي تتعرّض إليه المرأة مِن ناحية، وبِقيَم احترام الذات وحرّية التعبير وتحمُّل المسؤولية مِن ناحية أُخرى.

نوال السعداوي في طفولتها

(نوال السعداوي مع إخوتها، يمين الصورة، 1938)

منفّذةً وصيّةَ والدها، ستُواصل صاحبة “موت الرجل الوحيد على الأرض” (1989) تعليمها في وقتٍ كانت نسبة تمدرُس الفتيات في مصر منخفضةً. وبينما كانت الأخيرةُ تعيشُ عصراً جديداً مع “ثورة الضبّاط الأحرار”، درست السعداوي في كلّية الطب بالقاهرة لتتخرّج منها عام 1955 بشهادة بكالوريوس في الطبّ والجراحة، قبل أن تتخصَّص في الأمراض الصدرية، وتواصِل مسيرة مِن التحصيل المعرفي المزدوج بين العلوم التجريبية والفلسفة والعلوم الإنسانية.

ورغم انخراطها المبكّر في النضال الاجتماعي والسياسي التقدُّمي ومساندتها – في البداية – للإصلاحات السياسية والاقتصادية الناصرية، لم تجمع السعداوي علاقةٌ طيّبة بالنظام المصري؛ سواء في عهد جمال عبد الناصر الذي سَجَن زوجها شريف حتاتة ثلاثة عشر عاماً بسبب أفكاره الماركسية، أو في عهد محمد أنور السادات الذي سجنَها بعد تأسيسها مجلّة “المواجهة” النسوية سنة 1981.

قضت السعداوي فترةً وجيزة في السجن؛ إذ أُطلق سراحُها بعد اغتيال السادات عام 1982. لكنَّ تلك الفترة كافية لتخرُج مِنها بكتاب “مذكّراتي في سجن النّساء” (1983) الذي أثار ضجّةً كبيرة في العالَم العربي وتُرجِم إلى أكثر من عشرين لغة، مُحقِّقاً بذلك ما حقّقه كتابُها الأبرز “المرأة والجنس” (1972) مِن اهتمام.

لم يكُن النضالُ النسوي في حياة السعداوي معزولاً عن حياتها الشخصية. يتّضح ذلك من خلال تجارُب الزواج المختلفة التي خاضتها وفي مواقفها من أزواجها. ولئن فشل زواجُها الأوّل من أحد زملاء دراستها في كلّية الطب بسبب معاناته الطويلة مِن “اضطرابات ما بعد الصدمة” بعد مشاركته في حرب السويس سنة 1956 وإخفاقها في مساعدته على معالجة الإدمان من المخدّرات، فقد فشلت تجربتاها الثانية والثالثة بسبب ما اعتبرَته “ازدواجيّة وعدم إيمان حقيقي بقضايا المرأة” لدى زوجَيها، وخصوصاً زوجَها الثالث الذي أنجبَت منه ولداً وبنتاً واستمرّت علاقتُها به ثلاثةً وأربعين عاماً.

ربطت قضايا المرأة بقضايا التحرُّر الاجتماعي والسياسي والنضال ضد الاستعمار والرأسمالية

وفي حوار لصحيفة “الغارديان” البريطانية عام 2015، قالت عنه: “زوجي الثالث هو شريف حتاته. كان رجُلاً حُرّاً وماركسيّاً جرى سجنُه. عشتُ معه وقلتُ للجميع: هذا هو الرجل النسوي الوحيد على وجه الأرض. وبعد ذلك اضطررتُ إلى الطلاق. أعتقد أنّه يعكس تعقيد الشخصية ذات الطابع الأبوي. ألَّفَ كُتباً عن المساواة بين الجنسَين ثم خان زوجته”.

بسبب مواقفها وكتاباتها الأدبية والفكرية، حظيت صاحبة “امرأتان في امرأة” (1983) باهتمام عربي وعالمي؛ خصوصاً بعد مغادرتها مصر سنة 1988 إثر تهديدها بالقتل في غير ما مناسبة ورفْع العديد من الدعاوى القضائية ضدّها بتُهمة “ازدراء الأديان”. وفي الولايات المتّحدة الأميركية التي التحقَت بها للتدريس في عددٍ من جامعاتها، ستتّضحُ أكثر ملامح أطروحاتها الفكرية ومواقفها من القضايا النسوية.

وبغضّ النظر عن مواقفها المعروفة مِن ختان البنات وتعدُّد الزوجات أو أفكارها التحرُّرية إزاء مسائل الحجاب والمثلية الجنسية وغير ذلك من المواضيع التي تُطرح في أيّ نقاش حول واقع المرأة العربية، فإنَّ جانبَين أساسيَّين يُميّزان تجربةَ السعداوي الفكرية: يتمثّل الأوّل في ربطها قضايا المرأة بقضايا التحرُّر الاجتماعي والسياسي والنضال ضد الاستعمار والرأسمالية؛ فتحرير المرأة مِن القيود التي تُكبِّلها غير ممكنٍ بالنسبة إليها خارجَ النضال الطبقي من أجل مجتمع ينتفي فيه ظلم الإنسان للإنسان، وهي في ذلك قريبةٌ مِن التصوُّر الماركسي الذي يجعل من أفق النضال ضدّ سلطة رأس المال أفقاً يستوعب النضال ضد السلطة الأبوية الذكورية.

ويتعلَّق الجانبُ الثاني بتأكيدها الدائم على أنَّ النضال من أجل تحرير المرأة ليس موجّهاً ضدّ الدين، بل ضدّ الفهم الخاطئ للدين.

وإذا كان الجانب الأوّل يعكس وعيَ صاحبة “معركة جديدة في قضية المرأة” (1982) بالطبيعة السياسية للنضال النسوي، فإنَّ الثاني يجعلها في مسافةٍ بعيدةٍ عن مرتكزات الفكر النسوي الحديث والمعاصر، بل ويُقرِّبُها ممّا يُسمّى بمشاريع “تجديد الفكر الديني” التي لا تُراهِن على فهم الدين فهماً علمياً بقدر ما تُراهِن على إعادة تأويله بما يتماشى مع أطروحاتها الحداثية.

ما يقف حقّاً في وجه تحرير المرأة ليس الدين وإنّما أولئك الذين يحتكرون التكلُّم باسمه

هكذا، تبدو مسيرتُها الفكرية مرتبطةً في أغلبها بالبحث عن “دين صحيح” مقابل “دين خاطئ” يتبنّاه خصومها في الفكر والسياسة. وإنْ كانت قد حاولت تدارُك هذا المأزق في كتاباتها الأخيرة، وخصوصاً في كتابها “قضايا المرأة المصرية الجنسية والسياسية” (2006).

وفي أكثر من مناسبة، ولعلَّ أبرزها مناظرتُها مع مؤسِّس “المجلس الأعلى للشورى”، مع يوسف البدري، على قناة “الجزيرة” سنة 1998، كانت السعداوي حريصةً على التأكيد بأنّها وُلدت في عائلة مسلمة وأنَّ والدها علّمها “الدين الصحيح”، وأنَّ هذا الدين لا يتناقض مع المساواة التامّة والفعلية بين المرأة والرجل، وأنَّ ما يقف حقّاً في وجه تحرير المرأة ليس الدين وإنّما التقاليد الاجتماعية البالية وأولئك الذين يحتكرون التكلُّم باسم الدين.

وإذا كانت هذه الآراء مرتبطةً، في جانب منها، بوعي السعداوي بطبيعة المتلقّي العربي الذي يرفض الاستماع إلى من يتكلّم مِن خارج دائرة الدين (وهي حجّة دعاة “تجديد الفكر الديني” الأهمّ)، فقد أثبتت الأيام أنّ لهذا النوع مِن الخطاب نتائج عكسية؛ إذ ينحرف بأيّ نقاش فكري مِن طبيعته العلمية إلى طبيعة أُخرى فقهية/ سجالية، ليس فقط لاختلاف بنيتَي الخطابَين الديني والعلمي، وإنّما أيضاً لأنَّ هذه الطريقة في التأويل تعني التفكير بأدوات الفقهاء الذين تريد دحض أطروحاتهم.

لا ينفي ذلك بالتأكيد أنَّ نوال السعداوي ظلّت مُفكِّرة حُرّةً ومعتنقةً لقضايا المرأة، والأهمّ من ذلك أنّها أنّها كانت تُشبه نفسها ومحيطها وباراديغمات التفكير التي توفّرت لديها؛ سواء بجناحها السياسي المرتبط بإيمانها قضايا التحرُّر في العالم، وهو جانبٌ مغيَّب في بعض حركات النضال النسوي المعاصرة، أو بجناحها الفكري والعلمي المرتبِط باعتبارها قضيةَ المرأة قضيةً أساسية وجوهرية في تقدُّم المجتمعات.

حلّقت نوال السعداوي في حياتها بالجناحَين معاً، على الرغم من محاولات القنص الكثيرة التي استهدفتها. وبالجناحيْن نفسيهما، ها هي تُحلّق مغادرةً هذه الحياة لتصبح فكرةً لها فضلُ الريادة والتأسيس والتمهيد لنقاشات أكثر تطوُّراً حول قضايا النسوية في العالَم العربي والعالم.

شاعر ومُترجِم تونسي مِن مواليد 1994. صدر له في الشعر: “أرض التوليب والجلّنار”، و”حجرٌ يؤوّلُ ظلّه”، وفي النقد: “السيري وقلق الهوية الأجناسية في التأمّل الشعري”، وفي الترجمة من الفرنسية: “آموك، سُعار الحب” لستيفان زفايغ، و”الفراديس المصطنعة” لشارل بودلير.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!

قصص رائجة

معذرة, لا يوجد محتوي لعرضه!
قصص قريبة