يوم لم يعُد بوتفليقة رئيساً
(عبد العزيز بوتفليقة في تيزي وزو، 27 مارس 2009 – أسوشيتد برس)

يوم لم يعُد بوتفليقة رئيساً

لئن كان الرئيس الجزائري، الذي رحل أمس السبت، قد تنحّى عن السُّلطة رسمياً في خضمّ الحراك الشعبي عام 2019، فإنَّ كثيرين يعتقدون أنّه لم يعُد يحكم فعلياً قبل ذلك بكثير، أيْ منذ إصابته بوعكةٍ صحّية في 2005، أو على الأقلّ منذ إصابته بـ"نوبةٍ إقفارية" في 2013.

يُشرّفني أن أُنهي رسمياً إلى علمكم أنّني قرّرتُ إنهاء عهدتي بصفتي رئيساً للجمهورية، وذلك اعتباراً مِن تاريخ اليوم الثلاثاء… إنَّ قصدي مِن اتخاذي هذا القرار إيماناً واحتساباً هو الإسهام في تهدئة نفوس مواطنيَّ وعقولهم، لكي يتأتّى لهُم الانتقال جماعياً بالجزائر إلى المستقبَل الأفضل الذي يطمحون إليه“.

بهذه الكلمات، التي وردت ضمن رسالةٍ مقتضَبة وجّهها إلى “المجلس الدستوري” في الثاني مِن إبريل/ نيسان 2019، أَعلن عبد العزيز بوتفليقة (1937 – 2021) استقالته رسمياً مِن رئاسة الجمهورية الجزائرية، بعد عشرين عاماً قضاها على رأس السلطة.

ولئن كان بوتفليقة قد غادر السُّلطة بشكلٍ رسمي في 2019، فإنَّ كثيرين يعتقدون أنّه لم يعُد يحكم فعلياً قبل ذلك بكثير، أيْ منذ إصابته بوعكةٍ صحّية وُصفت بالخطيرة (شخّصتها السلطة بأنّها قرحة مَعدية) في السادس والعشرين مِن نوفمبر/ تشرين الثاني 2005، جرى نقله في إثرها إلى “مستشفى فال دوغراس” الفرنسي، أو على الأقلّ منذ إصابته بـ”نوبةٍ إقفارية” في 2013.

 

الاستقالة الثالثة

ليس عبد العزيز بوتفليقة، الذي رحل أمس الجمعة، أوّل رئيس جزائري يُغادر “قصر المرادية” (مقرّ الرئاسة) قبل انتهاء عهدته؛ بل إنَّ طريقة المغادرة هذه كانت القاعدة منذ أوّل رئيس بعد الاستقلال، بينما كان علي كافي الذي ترأّس “المجلس الأعلى للدولة” بين سنتَي 1992 و1994، بعد اغتيال محمد بوضياف، الاستثناء الوحيد.

البداية كانت بأحمد بن بلّة، أوّل رؤساء الجزائر، والذي تولّى السلطة عام 1963 ثمّ أُطيح به عام 1965 في انقلاب عسكري (يسمّيه أنصاره “التصحيح الثوري”) قاده وزير الدفاع حينها محمد بوخرّوبة المعروف باسم هوّاري بومدين، والذي فارق الحياة عام 1978 وهو في سدّة الحكم، بعد سنتَين فقط من تنظيمه “انتخابات” فاز فيها بنسبة قاربت المائة بالمئة.

خليفة بومدين سيكون الشاذلي بن جديد الذي استلم منصبه عام 1979 خلال مؤتمر “جبهة التحرير الوطني”، قبل أن يُنتَخب لعهدتين أُخريَين. لكنه لن يُكمل الثالثة؛ إذ سيُقدّم استقالته عام 1992 بضغطٍ من الجيش الذي سيعمد إلى إلغاء أوّل انتخابات تعدّدية في الجزائر المستقلّة.

تلتقي استقالات بوتفليقة وزروال وبن جديد في نقطةٍ واحدة هي دور المؤسّسة العسكرية

في السنة نفسها، سيعود محمد بوضياف، أحد الوجوه البارزة خلال الثورة الجزائرية من منفاه في المغرب ليتولّى رئاسة هيئة جديدة أُنشأت بعد استقالة بن جديد وإلغاء المسار الانتخابي، سُمّيت “المجلس الأعلى للدولة”. لكنَّ الرجل لن يعيش لأكثر من ستّة أشهر؛ إذ جرى اغتياله وهو يُلقي خطاباً في مدينة عنّابة (شرق البلاد) في التاسع والعشرين من يونيو/ حزيران 1992.

وبعد فترة انتقالية برئاسة علي كافي، سيتولّى اليامين زروال منصب رئيس الدولة عام 1994، قبل أن “يفوز” في أوّل انتخابات رئاسية تعدّدية عام 1995. لكنه سيدعو إلى انتخابات رئاسية مبكرة قبل انتهاء عهدته التي كان يُفترض أن تستمر إلى نوفمبر/ تشرين الثاني 2000، وهي الانتخابات التي نُظّمت في إبريل/ نيسان 1999 وأوصلت بوتفليقة إلى كرسيّ الرئاسة الذي لن سيغادره في الشهر نفسه بعد عشرين عاماً.

هكذا، يكون بوتفليقة ثالث رؤساء الجزائر الذين قدّموا استقالاتهم من منصبهم بعد بن جديد وزروال. تلتقي الاستقالات الثلاث في نقطةٍ واحدة هي دور المؤسّسة العسكرية، وتختلف في بقية التفاصيل. فإن كان الأوّل قد استقال في وضعٍ استثنائي عاشت فيه البلاد مقدّمات الأزمة الأمنية التي ستُعرف لاحقاً بـ”العشرية السوداء”، والثاني استقال في ظلّ احتدام الصراع بين أجنحة السلطة الذي انعكس في إقالة مستشاره الخاص محمد بتشين، فإن الثالث سيكون أوّل رئيس يستقيل تحت ضغط الشارع.

 

عشرون سنة

وصل بوتفليقة إلى سدّة الحُكم عام 1999، بينما كانت الجزائر تعيشُ أزمةً أمنية استمرّت عشر سنوات، وأسفرت عمّا لا يقلّ عن مئتين وخمسين ألف قتيل، بحسب الأرقام الرسمية. بعد ولايتَين رئاسيّتَين، سيعمد ثامنُ رؤساء جزائر ما بعد الاستقلال إلى تعديل الدستور نهاية 2008، فاتحاً بذلك باب العهدات الرئاسية على مصراعيه، ما مكّنه مِن الاستمرار في منصبه لولاية ثالثة، في انتخاباتٍ وُصفت كسابقاتها – ولاحقاتها أيضاً – بالمزوَّرة.

في 2014، ووسط معارضة أطياف شعبية وحزبية واسعة، سيترشّح بوتفليقة مجدَّداً للانتخابات الرئاسية، بعد فترة مِن الغياب عن المشهد السياسي بسبب إصابته بـ”نوبةٍ إقفارية” في 2013 نُقل على إثرها إلى المستشفى العسكري الفرنسي “فال دوغراس”؛ حيث ظلّ، منذ ذلك التاريخ، يخضع للعلاج، بين فترةِ وأُخرى، بين فرنسا وسويسرا.

رغم مرضه، بدا ألّا شيء سيمنع عبد العزيز بوتفليقة مِن الاستمرار رئيساً مدى الحياة

طيلة تلك الفترة، بدا جليّاً أنَّ الرَّجُل، الذي لم يُخاطِب الجزائريّين منذ خطابه الشهير في مدينة سطيف، شرق البلاد، في 2012، والذي قال فيه إنه حان الأوان لجيله لتسليم السلطة، لم يعُد سوى واجهةٍ للمجموعة الحاكمة. فبعد الحديث عن دورٍ هام له في دواليب السلطة منذ 2005، تاريخ أولى أزمات الرئيس الصحية، سريعاً، سيبرز اسم شقيقه ومستشاره، السعيد بوتفليقة، مجدَّداً، بوصفه “الحاكم الفعلي” للبلاد، ومعه مجموعةٌ مِن رجال الأعمال المقرَّبين مِنه، وفي مقدّمتهم علي حدّاد الذي سيتولّى رئاسة “منتدى رؤساء المؤسّسات” في 2014.

رغم مرضه، بدا ألّا شيء سيمنع أطول رؤساء الجزائر بقاءً في السلطة بعد هوّاري بومدين (13 سنة)، من الاستمرار رئيساً مدى الحياة. وكان واضحاً أنَّ أقطاب السلطة لم تنجح في إيجاد أو التوافُق على بديلِ له، يضمن مصالح المجموعات التي أفرزتها سنوات حكمه. ولعلّ الأدقّ هو أنَّ أحداً لم يجرأ على طرح سيناريو ما بعد بوتفليقة، لأنَّ مجرَّد التفكير في ذلك قد يُعدّ خيانةً للرئيس الذي كرّس في الحياة السياسة منطق الولاء المطلَق لـ”الرجل الملهَم والأوحد”.

غير أن رسالةً منسوبة إليه، وُجّهت إلى الجزائريّين في العاشر من فبراير/ شباط 2019، وأَعلن فيها ترشُّحه لولاية خامسة، ستكون بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس. في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، سيخرج الآلاف من الجزائريّين في مظاهراتٍ حاشدة وغير مسبوقة، في العاصمة ومدنٍ جزائرية أُخرى، رفضاً لترشُّحه، وسيرتفع سقف المطالب تدريجياً ليصل إلى المطالًبة بتغيير النظام برمّته، ورحيل جميع الوجوه التي شاركت في السلطة طيلة حكم بوتفليقة.

 

اليوم الأخير

بعد أقلّ من شهرين على بدء الحَراك الشعبي، سيُشاهد الجزائريون رئيسهم، على التلفزيون الرسمي، مساء الثاني من إبريل/ نيسان 2019، وهو يُقدّم استقالته لرئيس المجلس الدستوري في ذلك الوقت، الطيّب بلعيز، بحضور عبد القادر بن صالح، رئيس مجلس الأمّة و”الرجل الثاني” في الدولة حينها.

قبل ذلك، وخلال إعلان ترشُّحه لعهدةٍ خامسة في رسالة منسوبة إليه بتاريخ الثالث مِن مارس/ شباط 2019، أي بعد أيّام قليلة من بَدء الحراك، وعد بوتفليقة بأنه سيدعو مباشرةً بعد انتخابه إلى تنظيم “ندوة وطنية شاملة” تُناط إليها مهمّة “إرساء نظامٍ سياسي جديد”، وإعداد دستور جديد، ثمّ تنظيم انتخابات رئاسية مُسبقة.

سرعان ما رفض المتظاهرون مقترحات بوتفليقة، ما دفع به، تحت ضغط الشارع، إلى الإعلان، في رسالةِ بتاريخ العاشر مِن مارس/ آذار، عن إلغاء الانتخابات الرئاسية التي كان مقرَّراً إجراؤها في الثامن عشر من إبريل/ نيسان مِن السنة نفسها، لكنْ مع استمراره رئيساً، حتّى يتمكّن مِن الإشراف على “مرحلة انتقالية” والتأسيس لـ”جمهورية ثانية”، وفق تعبيره، وهو ما اعتبره الرأي العام التفافاً على مطالب المتظاهرين.

خلال هذه الفترة من الحراك، كان موقفُ المؤسّسة العسكرية هو الأكثرُ إثارةً للاهتمام، في ظلّ صمتٍ مطبق خيّم على الوجوه الممثّلة للسلطة السياسية، والتي سرعان ما ركب كثيرٌ منها موجة المطالب الشعبية وانقلب على الرئيس؛ كما هو الأمر بالنسبة إلى حزبَي “جبهة التحرير الوطني” و”التجمُّع الوطني الديمقراطي” الحاكمَين. استعادةٌ سريعة لتصريحات رئيس أركان الجيش الجزائري الراحل، أحمد قايد صالح، منذ بدء المظاهرات، ستُوضّح التغيُّر التدريجي الذي انتهى بالتخلّي عن بوتفليقة.

وصف قايد صالح الحَراك بالمناورة المشبوهة قبل أن يعود ليطالب بإعلان شغور منصب الرئيس

في السابع والعشرين من فبراير/ شباط 2019، اعتبر قايد صالح أنَّ المظاهرات الرافضة لترشُّح بوتفليقة هي نتيجة “مناورات مشبوهة”، ووصفَ المتظاهرين بـ “المغرَّر بهم”. لكن الجيش سحب التعبيرَ، الذي كان يُستَخدم لوصف الملتحقين بالجماعات الإسلامية المسلَّحة في التسعينات، من بيانٍ وزّعه على وسائل الإعلام.

بعد شهر، وتحديداً في السادس والعشرين من مارس/ آذار، سيدعو قايد صالح، لأوّل مرّة، إلى تفعيل المادّة 102 من الدستور الجزائري، والتي تعني إعلان شغور منصب رئيس الجمهورية، بعد اجتماع المجلس الدستوري وجوباً.

لم يجتمع المجلس الدستوري، الذي كان يرأسه الطيّب بلعيز المقرَّب من بوتفليقة والمعيَّن في منصبه قبل أسابيع قليلة مِن ذلك. وقد خاطب بوتفليقة، بعد أدائه اليمين الدستورية في الواحد والعشرين من فبراير/ شباط، قائلاً: “أعاهدكم، كما عادتكم دائماً في السابق، على أن أبقى صادقاً وفيّاً لكم ولوطني“.

عدمُ تحرّك المؤسّسة الدستورية سيدفع قايد صالح إلى قطع خيط الرجعة مع بوتفليقة ومحيطه، حين دعا مجدَّداً، في الثلاثين من مارس/ آذار، إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، وأيضًا إلى تفعيل المادتين السابعة التي تقول إنّ “الشعب مصدر كل سلطة، والسيادة الوطنية ملك للشعب وحده”، والثامنة التي تنصّ على أن “السلطة التأسيسية ملكٌ للشعب”.

في الثاني من أبريل/ نيسان، وبعد اجتماعٍ لكبار القادة العسكريين، دعا قايد صالح إلى إعلان حالة شغور منصب الرئيس وتنحّي بوتفليقة “فوراً”، كما تحدّث عن “مؤامراتٍ تُحاك ضدّ الشعب” مِن طرف من وصفها بـ”العصابة” التي قال إنها “امتهنت التدليس والخداع”، في إشارة إلى محيط الرئيس الراحل، متسائلاً: “كيف تمكّنت هذه العصابة مِن تكوين ثروات طائلة بطرق غير شرعية وفي وقت وجيز؟”. وكانت تلك هي المرّة الأولى التي يستعير فيها رئيس أركان الجيش تعبير “العصابة” الذي استخدمه الحَراك الشعبي لوصف السلطة الحاكمة.

بُعيد ساعات قليلة من بيان قايد صالح شديد اللهجة، وجّه بوتفليقة رسالة “إنهاء عهدته” إلى المجلس الدستوري، قبل أن يظهر على التلفزيون العمومي، في وقتٍ متأخّر من اليوم نفسه، وهو يُسلّم رسالة الاستقالة للطيّب بلعيز. سيجتمعُ المجلس في اليوم الموالي ويُثبت الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية، ويُبلغ البرلمان الجزائري بشهادة التصريح بالشغور، حسب ما ينصّ عليه الدستور.

 

كسر عظام

كان مِن الواضح أنّ الاستقالة مثّلت نهاية معركة كسر عظام بين الجيش وبين الرئاسة ممثّلةً في شقيق الرئيس؛ السعيد بوتفليقة، الأستاذ الجامعي سابقاً، والمعروف بتوجُّهه اليساري قبل أن يجد نفسه في قلب لعبة المال والسلطة.

في الساعات التي سبقت الاستقالة، كان السؤالُ الأكثر تردُّداً في الشارع الجزائري هو: لمن ستُحسَم المعركة؟ لصالح قايد الصالح إن نجح في الدفع إلى تفعيل المادّة 102، أم لشقيق الرئيس إن استبق ذلك بإزاحة قائد الأركان؟

في الأوّل من إبريل/ نيسان، أفاق الجزائريّون على خبر تنحية قايد صالح وتعيين اللواء سعيد باي خلَفاً له على رأس الجيش. لكنَّ وزارة الدفاع سارعت إلى تكذيب الأمر، وهو الخبر الذي نفاه، أيضاً، مستشار الرئيس، محمد علي بوغازي، الذي اعتبر أنّ بيان الإقالة، الذي انتشر على نطاقٍ واسع عبر الشبكات الاجتماعية، “مزوَّرٌ ولا أساس له من الصحّة”.

قبل ذلك، وفي مؤشّر على أن الصراع بين دوائر السلطة بلغ أوجه وخرج إلى العلن، تحدّث بيانٌ للجيش عمّا وصفه بـ”اجتماع مشبوه” عُقد في الثلاثين من مارس/ شباط، بحضور “شخصيات معروفة”، بهدف شنّ حملةٍ إعلامية شرسة ضدّ الجيش الوطني، معتبِراً أن “كلّ ما ينبثق عن هذه الاجتماعات المشبوهة من اقتراحات لا تتماشى مع الشرعية الدستورية أو تمس بالجيش الوطني الشعبي هي غير مقبولة بتاتاً، وسيتصدّى لها الجيش بكل الطرق القانونية”.

استقال بوتفليقة في خضمّ ما وُصف بالمؤامرة على الجيش والدولة، والتي انتهت إلى تبرئة المتّهمين فيها

لم يُسمّ البيان “الشخصيات المعروفة”، مفضّلاً كشف أسمائها في “وقتٍ لاحق”، غير أنّ وسائل إعلامٍ محليّة تحدّثت عن أنّ الاجتماع جرى بحضور السعيد بوتفليقة، ورئيس المخابرات السابق محمد مدين المدعو توفيق، وخلَفِه على رأس الجهاز بشير طرطاق، إضافةً إلى “عناصر من المخابرات الفرنسية”، وأنه كان يهدف إلى الالتفاف على مطالب الحَراك بفرض مرحلةٍ انتقالية بقيادة الرئيس السابق اليامين زروال.

سيُسارع توفيق إلى نفي مشاركته في الاجتماع المذكور، أو في أيّ اجتماعٍ آخر مع مسؤولين في الدولة منذ تنحيته مِن على رأس جهاز المخابرات في 2015. غير أنّ زروال سيخلط الأوراق حين يُصدر بياناً يؤكّد فيه بأنه التقى توفيق فعلاً بطلبٍ من طرطاق، وبأنَّ الرجل قدّم له عرضاً مِن السعيد بوتفليقة لقيادة المرحلة الانتقالية بعد رحيل الرئيس، موضِّحاً بأنه رفض العرض.

في الرابع مِن مايو/ أيار، سيبثُّ التلفزيون الجزائري مشاهِد تُظهِر اعتقال شقيق الرئيس، إلى جانب الجنرالَين مدين وطرطاق، وسينقُل بياناً للنائب العام لدى المحكمة العسكرية في البُليدة، غربَي العاصمة، يوكّد إصدار أوامر لإيداع الثلاثة الحبس المؤقَّت، في انتظار محاكمتهم بتهمتَي “المساس بسلطة الجيش والتآمُر ضدّ سلطة الدولة”، قبل أنْ يُشير إلى “متابعة كلّ مَن يَثبت تورُّطه في القضية”.

بعدها بأيّام، تلقّت رئيسة “حزب العمّال”، لويزة حنّون، استدعاءً مِن القبل المحكمة العسكرية للإدلاء بشهادتها في التحقيق المفتوح ضدّ الثلاثي بوتفليقة ومدين وطرطاق، قبل أن يأمر قاضي التحقيق في التاسع مِن مايو/ أيار بإيداعها الحبس المؤقَّت، لتواجِه التُّهَم نفسها.

بعد سلسلةٍ مِن جلسات المحاكَمة التي لم يحضرها كاملةً سوى محمد مدين ولويزة حنون، ستقضي المحكمة العسكرية، في الخامس والعشرين مِن سبتمبر/ أيلول، بالسَّجن 15 سنة على كلّ مِن سعيد بوتفليقة ومدين وطرطاق وحنون بتهمة “التآمر ضد الدولة لتغيير النظام”، إضافةً إلى السَّجن النافذ عشرين سنة، غيابياً، ضدّ وزير الدفاع الأسبق اللواء السابق، خالد نزار، وابنه.

ما وُصفت بـ”محاكمة القرن” ستأخذ مساراً آخر بعد رحيل أحمد قايد صالح في الثالث والعشرين مِن ديسمبر/ كانون الأوّل 2019؛ إذ سيبرّأ مجلس الاستئناف العسكري بالبليدة، في الثاني مِن يناير/ كانون الثاني 2021، المتَّهمين الأربعة مِن تهمتَي “التآمر بغرض المساس بسلطة قائد تشكيلة عسكرية”، و”المؤامرة بغرض تغيير نظام الحكم”.

 

فوق المحاسبة

لئن كان تسارُع الأحداث في الأيام والساعات التي سبقت تنحّي بوتفليقة، قد أوحى بأنَّ الاستقالة كانت نهايةً لمعركة كسر عظامٍ بين الجيش والرئاسة، فإنَّ مؤشّرات عدّة أوحت بأنَّ المؤسّسة العسكرية حرصت على تأمين “خروج آمن” للرئيس، وعلى حفظ كرامته بعد تخلّيه عن السُّلطة.

أبرز ما يُعزِّز هذا الطرح هي طريقة تناوُل الحدث في التلفزيون الجزائري الذي “ودّع” الرئيس السابق، عشية استقالته، بوثائقي بعنوان “مسيرة قائد”، عاد فيه إلى محطّاتٍ من سيرة الرجل.

وعلى عكس ما كان متوقَّعاً، لم تنشغل وسائلُ الإعلام كثيراً بإعادة نبش مرحلة بوتفليقة لتسليط الضوء على ما شهدته مِن تجاوُزات في مختلف المجالات. وأكثر مِن ذلك، ظلَّ الرئيس السابقُ بمنأىً عن أيّ مساءلةً قانونية أو أخلاقية في جميع القضايا التي لوحِق عددٌ غير قليل مِن رجاله وسُجنوا فيها، ولم يُستدع كشاهد في أيٍّ مِن تلك القضايا.

وظلَّ بوتفليقة، الذي فقد قدرته على الوقوف والحديث منذ 2013، يعيش في إقامةٍ مجهَّزةٍ طبّياً في زرالدة (غربَي الجزائر العاصمة)، منذ مغادرته السلطة.

وبعد رحيله، أعلنت الرئاسة الجزائرية، في بيانٍ نشرته على صفحتها الرسمية في فيسبوك، اليوم السبت، عن “تنكيس العلم الوطني لثلاثة أيام ابتداءً من اليوم عبر كامل التراب الوطني”، لكنّها لم تتحدّث عن إقامة جنازة رسمية له، بينما يُتوقَّع أنْ يُدفَن في “مقبرة بن عكنون” بالجزائر العاصمة في “جنازة عائلية”.

يوم لم يعُد بوتفليقة رئيساً

صحافية وكاتبة من الجزائر، مِن مواليد بومرداس عام 1989. مهتمّةٌ بالشأن الثقافي وبحقوق المرأة والقضايا الجندرية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة