بيتٌ قديم أرى جانباً مِن سطحه المُطلّ على الشارع. على السطح، شدّت انتباهي شابّة واضحة التقاسيم، جلبابها البسيط يكشف أعلى الصدر، ويُعرّي ذراعَين بلون صباحنا المنعش. ببطنها تلامِس سور السطح، وتُطلُّ على الشارع مشغولةً بجمع الملابس المنشورة على حبال رفيعة.
لأنّه فشل في رواية قصص الحرب على كلّ مَن استدرَجَهم، سيُرسل بطائرات من ماضيه المعذَّب لتُلقي غازات على قسنطينة، ويُحاول إقناع صحافيّ بكتابة القصّة. لكنَّ هذا سيتهرّب من مسؤوليته، قبل أن يكتشف في النهاية موت السكّان بوباء مجهولٍ حذّر منه محارِبٌ قديم.
أُقيمت على شرف الحَكم الإسباني مأدبةُ عشاء كان السمكُ طبقَها الرئيسي. ولعلَّ المنظمّين ظنّوا أنه الاختيار الأفضَل، غير أنَّ الضيف سيُغادر المطعم مستاءً: "توقّعتُ أن يكون الكسكسيّ أوَّل طبَقٍ أتناوله في بلدكم... لكنَّ السمك جعلني أشعر أنّني لم أغادر برشلونة".
أتذكّر لحظة وصولي إلى المسرح الملكي. كانت عربات الكوتشي تتوافد على المدخل، تحمل أقواماً من الأميركيّين والأوروبيّين. لمحتُ بينهم رونالد ريغان. وبدت لي القبّة الحمراء الخمريّة مثل نهد بحلمة داكنة تعوم في النبيذ.
وحدَنا نعرف ما جرى: أنا والرجلُ الذي فارق الوعي بعد الارتطام مباشرةً، وقد سال دمُه في الطريق وكأنه تلقّى رصاصةً في الرأس. الشيءُ الوحيد الذي فهمتُه هو أنه معروفٌ في الشارع الذي وقع فيه الحادث. لاحقاً سأعرف أنه أستاذٌ جامعي. لكن ما الذي يُغيّر ذلك في الأمر؟
الثانية بعد منتصف الليل ولا يزال الماء غائباً والأواني والصحون المتّسخة مكدَّسةٌ في المطبخ، لذا آل على نفسه ألّا ينام حتى تتكرّم عليه آلهة الأرض بساعة من الكهرباء لعلّه يستطيع فيها مساعدة الدينمو في شفط ما علق من ماءٍ أسفل أنابيب شبكة المياه.
شعر الطفل بالحزن قليلاً، حسنًا، ما يتوهم أنه حزن، حتى لا يزعج والدته، ولكنه لا يشعر بأي شيء. تجمّدت الأم في مكانها، أمام الجثة الصغيرة، بليك، ينفد صبره، سحبها من ذراعها "أمي، هيا بنا، لا فائدة من البقاء هنا، لقد مات، هيا نذهب سأتأخر عن كرة القدم".
شيئاً فشيئاً، اندمَجت السائحة الفرنسيةُ مع الشاب الذي راح يلعب دور المُرشِد السياحي. وبدا أنَّ الدنيا تضحك لصاحبنا مع كل ابتسامة تُفرِج عنها، ومع كل لحظة إعجاب تُظهِرها حين يُحدّثها عن مآثر منطقته التاريخية... ضحكةٌ فابتسامةٌ فسلامٌ... فموعد للرحيل.