"اجبُر هذا الأَمَلَ إِن استَطَعت" عمل جديد للشاعر الفلسطيني نجوان درويش، صدر عن "دار الرافدين" في بغداد وبيروت في مئة وعشر صفحات من القطع المتوسط. في هذا العمل، وهو العاشر منذ ديوانه الأول الصادر قبل ربع قرن، يقدّم نجوان درويش تجربة جديدة لا تشبه أيّاً من أعماله السابقة، إذ يقترح شكلاً أدبياً جديداً هو "المخاطَبة" الموجود في التراث العربي الإسلامي بروحيته ومواضيعه العرفانية. غير أن نجوان درويش يذهب بهذا الشكل الأدبي نحو المشاغل الأرضية وأقدار الإنسان الدنيوية، وبشحنات سياسية تشتبك مع اللحظة الراهنة وأسئلة الحرية العميقة.
أصوات وأطياف، تنطلق من أقدم طبقات الشعر العربي والنصوص التأسيسية، تتحدث عبر الشاعر أو يتحدث الشاعر عَبْرها. تمتدُّ من جغرافية المنطقة العربية وجوراها الفارسي والهندي والأفريقي، ضمن مناخات شرقية تحفر عميقاً في هوية حضارية منفتحة ومتجدّدة. وكأنما العمل مرافعة حضارات شعوبٍ محاصَرة ومعتدى عليها لا تتنازل عن كرامتها وحقها في قول كلمتها كاملة.
في نهاية العمل وعلى غلافه الأخير نقرأ: "لا تتوسَّلُ هذه المُخاطَبات أَن تَستأنِفَ فَنَّ المُخاطبةِ الصُّوفيّةِ أَو أَن تَنسِجَ على مِنواله، بل على العكس؛ إِنها -بتواضِعٍ يَعرِفُ حُدودَهُ- تَقطَعُ مع المَوضوع العِرفاني ولا تدّعيه، تُطوِّعُ الشَّكلَ والرُّوحَ القديمَيْن مِن أَجلِ قولٍ جديدٍ معاصر، وتحاول إِرساء مخاطَباتٍ أَرضيّةٍ مَدارُها الإنسانُ وحُرِّيتُهُ وحياتُهُ القصيرةُ على الأَرض. وإِن كانت هذه المُخاطَبات تَستفيدُ مِن إِرثِ الكتابةِ الصُّوفيّةِ ومِنَ الكتابةِ الشَّذْريّةِ وقصيدةِ النَّثرِ، إِلا أَنّ مَسعاها وطُموحَها الفَنّي أَبعدُ مِن ذلك".
مختارات من الكتاب (سبع مخاطبات)
قالَ لي: كانَ كُلُّهُ بِلا أَمَلٍ
الأَمَلُ كانَ بِلا أَمَلٍ
القَمحُ وهو يُحصَدُ كانَ بِلا أَمَلٍ
الثَّلْجُ وهو يَفتَرِشُ الحُقولَ كانَ بِلا أَمَلٍ
صَوتُ مُغَنّي التِّينور
وصَوتُ مُغَنِّيَةِ السُّوبرانو كانا بِلا أَمَلٍ
كُنّا بِلا أَمَلٍ
وكانَ هذا سِرَّ أَمَلِنا.
***
قالَ لي: عِشْتُ صَنّاجَةً
ظَنَنتُ أَنَّني أُغَنّي للعَرَب
وظَنَّ العَجَمُ أَنَّني لَهُم أُغَنّي
وكُنتُ بِصَوتي الأَسوَدِ
أَشُقُّ عُصورَ الجَليد
لِأُقَدِّمَ أُغنِيَتي للإِنسانِ الأَوَّلِ
يَأساً مِنَ الإِنسانِ الأَخير.
***
قالَ لي: نَلتَقي في شيراز
في قِنّسرين
في قَندهار
في بُخارى أَو أَصفهان
في دِلهي وتاج مَحَل
في احتِراقِ النّارِ الكَريمَةِ
فوقَ جَبَلِ سِنجار
وَدَعْ سَمَرقَند
تَرقُصُ تَحتَ السَّماءِ والشَّمْس
ودَعْ وَراءَنا مُدُناً
تَحكُمُها دُمىً وأَصنامٌ
ليسَ لِأَيٍّ مِنْها جَمالُ الدُّميَةِ
أَو عِفَّةُ الصَّنَمِ.
***
قالَ لي: اكسِر حاجِزَ الصَّوت
واكتُب
بَيْنَما أَنتَ تَقْفِزُ
في صَفاءِ الدَّوْخَةِ
بَيْنَ التّاسِع والعاشِر مِنْ يناير،
بادَ قَومٌ لَمْ يَكتُبوا قَفْزَتَهُم
ولا دَوْخَتَهُم
وارتَفَعَ حاجِزُ الصَّوتِ مِنْ حَوْلِهِم
حَتّى صارَ سُورَ مَقبَرَة.
***
استَيقَظَ مِنَ النَّومِ وقالَ لي: لا أُريدُ أَنْ أَعيشَ أَكثَر هَهُنا
لا أُريدُ أَنْ أَستَنْشِقَ أَكثَرَ
رَوائِحَ الاحتِلالِ
الشَّبيهةَ بِرائِحَةِ بَولِ الجُرذان
لا أُريدُ أَنْ أَنظُرَ إِلى الغِربانِ
وهي تَأكُلُ أَعيُنَ الأَطفال.
ثُمَّ أَبعَدَ يَدَيهِ عَنْ عَيْنَيه
فإِذا هُما قد أُكِلَتا مُنذُ زَمَنٍ بَعيد.
***
قالَ لي: كَمْ لي مِنْ جُذُورٍ قَطَعَها المُستَعمِرونَ
بِمَخالِبِ الجَرّافاتِ والأَسلاكِ الشّائِكَةِ وجُدرانِ الإِسمَنت
بِقَصفِها مِنَ السَّماءِ
واستِجوابِها على الحَواجِزِ
وتَهديدِها بالسِّلاحِ النَّوَوِيِّ
وبالطَّبع لَنْ أَغفِرَ لَهُم
لَكِنّي أَيضاً لَنْ أَغفِرَ لِنَفْسي
التي ظَنَّتْ نَفْسَها طائِرَ الرَّخّ
وراحَتْ تُسافِرُ في الدُّنيا وتَنتَمي إِلى كُلِّ أَرضٍ
وبَدَّدَتْ بَقِيَّةَ الجُذُورِ
التي لَمْ يَستَطِع الغُزاةُ قَطْعَها.
***
قالَ لي: احفَظْ عَنّي: كُلُّ ساقٍ
سَيُسْقى
بِما سَقى
انظُر لهؤلاءِ المَسْمومينَ في سَكَراتِ الضَّيم
انظُر لهؤلاءِ المُهانين
لقد كانوا سُقاةَ سُمٍّ
وهؤلاءِ كانوا سُقاةَ خِذلان،
واحفَظْ عَنّي هذه أَيضاً
إِنْ سَقَيْتَ الحُبَّ فاقتَصِد
فإِنّي عَهِدْتُكَ مُفْرِطاً.