ثمّة من ينتقد تركيز الإعلام على حكاية ريان وانشغال مجتمعاتنا بها، بدعوى أنّه ليس الطفل الوحيد الذي يجدر الاهتمام به. والمسألة أنّ حادثةً من بين مليون يُكتب لها أن تكون مرئية، ويجدر بنا ألّا نرى هذه المأساة إلّا بوصفها مثلاً عن واقع يعمل كرحى تطحن الجميع.
بعد كل ما حدث طوال هذه السنوات من منعطف للثورات، من خصومات والتواءات وإحباطات، كيف لا يكون التعطّل التاريخي نتيجة طبيعية؟ الأصح، هو أن نفخر بأنّ شريحة واسعة من شعوبنا نجحت، رغم كلّ ذلك، في حماية شعلة الأمل من الانطفاء داخلها، ولا تزال تبحث عن مخرج.
بدت رحلةُ لاعبي المنتخَب الوطني الجزائري لكُرة القدم مِن الدوحة إلى الجزائر، مِن شاشة "بي إن سبورت" إلى شاشة التلفزيون العمومي الرديئة، مثلَ انتقال بين زمنَين متباعدَين: الحاضر والمستقبَل اللذين شاهدناهما أمس، والماضي الذي لا زلنا نعيشه اليوم.
بتنا أشبهَ بأسماك في حوض بلّوري عملاق يَرمي فيه زوكربيرغ ما يمدُّنا بالحياة متى شاء. فإن سها عن ذلك لحظةً واحدة، متنا على الفور. تحوّلَت المنصّاتُ الاجتماعية إلى رحِمٍ كبيرة، ونحنُ داخلَها مثل أجنّة لا تحيا من دون الحبل السرّي الذي تمدُّنا بِه هواتفُنا.
لم يبتدع بوتفليقة في كيفية خروجه من السلطة، وهو قبْلاً لم يبتدع في كيفية مجيئه إليها؛ إذ لم يغادر رئيسٌ جزائري واحدٌ السلطة باختياره ورغبته أو عند انقضاء ولايته، بمن فيهم زروال نفسه، ولم يأت رئيس جزائريٌّ منذ بن بلّة إلى السلطة بطريق غير طريق العسكر.
كان الرئيس الجزائريُّ الراحل أكثر مجايليه ذكاءً، لكنّه استخدم ذكاءه في حروب صغيرة خاضها ضدّ الجميع وقادته إلى نهاية صغيرة، وتلك نتيجةٌ طبيعية لاستخدام المواهب الكبيرة في مشاريع تُخاصِم المبدأ الأخلاقي.
يُؤكِّد الرئيس الجزائري لمحاوِرَيه ألّا وجود لأيّ تابوهات، وبأنّهُما حُرّان في طرح الأسئلة. لكنَّه يُغفِل أنَّ تحديدَ نوعية الأسئلة يبدأ بتحديد نوعية الصحافيّين الذين يُحاوِرونه في لقاءاته الإعلامية الدورية.
لا يغطّي محمد شرفي، رئيس ما يُسمّى "السلطة الوطنية المستقلّة لمراقبة الانتخابات"، أنفه بكُرةٍ حمراء، لكنّه يؤدّي دور المهرِّج ببراعة منقطعة النظير. ثمّة موهبة تتجاوزُ الابتسامةَ البليدة والنظرات البلهاء والقدرةَ على إلقاء النكات - التي لا تُضحِك أحداً في حالته.
ذكورية تصنعها النساء أيضاً: تُخفي مترشِّحات للبرلمان وجوههنَّ عن الملصقات الدعائية في ممارسَة لا يعدلُها سوى التوظيفِ الرخيس للمرأة، لدرجةِ أن يصف رئيس حزب مرشّحاته بـ"حبّات الفراولة المنتقاة بعناية".
لا تشفعُ لشمس الدين صفةُ رجل الدين المتسامِح ليُقدِّم برنامجاً تلفزيونياً يُحقِّق في أحوال المجتمَع، ولا تشفعُ لمحمد بارتي "طرافتُه" ليُقدِّم برنامجاً يُثير قضايا تتطلّب مختصِّين ولا ينفع فيها التهريج.
لماذا تُقدِّم السلطةُ روايتَها الرسمية عبر قناة خاصّة تنسب أخبارها إلى مجهول؟ ربما لأنَّ بإمكان النائب العام الحديث عن مؤامرة، لكن ليس بوسعه الخوضُ في الحياة الخاصَّة للطفل القاصر والمعتَقلين؛ فذلك لن يُظهره كممثِّلٍ للقانون، بل كمذيع في قناة فضائحية.
كان يُتابع كلامي بعينيه المفتوحتَين على اتّساعهما. تردَّدتُ قليلاً ثم "طعَنتُه": بطلُ روايتك يُشبهك تماماً؛ فأنت خلال سنوات الدم لم يصدُر عنك موقف أو استنكار. لقد فضّلتَ الصمت، فهل "الوليُّ الطاهر" هو أنت؟
يُصبح تبادُل الخبرات والتجارب وجهاً مِن أوجُه التضامُن النسائي الذي قد تقوم به النساء مِن دون وعي بقيمته وأثره، لكنّه يمنح شعوراً بالقوّة والأمان والراحة. يحتاج الأمرُ فقط أن تقول النساء إنّهن في أيام دورتها الشهرية وإنهُنّ يعانين من آلامها، فهل يفعلن؟