بمقاييس أبناء جيلي، حقّقتُ نجاحاً معقولاً في المهنة؛ إذ اشتغلتُ صحافياً ومحقِّقاً ومراسلاً ومراسل حرب ورئيس تحرير مساعد. إنّه مشوار يمكن يُؤهّل صحافياً للفرح بما حقّقه، ولكنّه أهّلني في يوم الرابع عشر من أغسطس/ آب 2007 إلى مغادرة البلد.
لم يبتدع بوتفليقة في كيفية خروجه من السلطة، وهو قبْلاً لم يبتدع في كيفية مجيئه إليها؛ إذ لم يغادر رئيسٌ جزائري واحدٌ السلطة باختياره ورغبته أو عند انقضاء ولايته، بمن فيهم زروال نفسه، ولم يأت رئيس جزائريٌّ منذ بن بلّة إلى السلطة بطريق غير طريق العسكر.
لئن كان الرئيس الجزائري، الذي رحل أمس السبت، قد تنحّى عن السُّلطة رسمياً في خضمّ الحراك الشعبي عام 2019، فإنَّ كثيرين يعتقدون أنّه لم يعُد يحكم فعلياً قبل ذلك بكثير، أيْ منذ إصابته بوعكةٍ صحّية في 2005، أو على الأقلّ منذ إصابته بـ"نوبةٍ إقفارية" في 2013.
لماذا تُقدِّم السلطةُ روايتَها الرسمية عبر قناة خاصّة تنسب أخبارها إلى مجهول؟ ربما لأنَّ بإمكان النائب العام الحديث عن مؤامرة، لكن ليس بوسعه الخوضُ في الحياة الخاصَّة للطفل القاصر والمعتَقلين؛ فذلك لن يُظهره كممثِّلٍ للقانون، بل كمذيع في قناة فضائحية.
مِثلما عكَس توقُّفُ الظاهرةِ خلال ستّة أشهر حجم الآمال التي عقدها الجزائريّون عند بدايات الحَراك الشعبي، فقد كانت عودتُها مؤشّراً إلى مدى اليأس الذي تملّك كثيراً منهُم بسبب مُضيّ النظام في تجديد نفسه.
مع انطلاق حَراكهم في مِثل هذا اليوم مِن 2019، بدا أنَّ الطلبة الجامعيّين قرّروا القطْعَ مع صورة تصِمُهم بالانعزال وقلّة الوعي، ومع دورٍ انخرطت فيه الجامعة الجزائرية كمُجرَّد أداة مسانَدة لحُكم بوتفليقة.
في مقابِل الأخبار الكاذبة وخطابات الكراهية، لم نقرأ ولم نسمع ولم نشاهد على وسائل الإعلام الجزائرية، طيلةَ سنتَين مِن الحَراك الشعبي، أيّ تحقيقٍ أو ريبورتاج أو بورتريه جادّ حول قضايا تناولَتها وسائلُ إعلامٍ أجنبية وأثارت ردود فعلٍ صاخبة في الجزائر.
ليسَ المطلوبُ، اليوم، حسم كلّ الخلافات والاتّفاق على كلّ شيء. لكن، بالإمكان السعيُ إلى ضمان الاتفاق على "الحدّ الأدنى" مِن المبادئ العامّة والخطوات التفصيلية التي تسمح للحَراك بطرح ورقة طريق واضحة المعالم.
باتت الساحة التاريخية في باريس رمزاً لحَراك الجالية الجزائرية في فرنسا. يكفي قضاء بعض الساعات مِن يومَ الأحد فيها لنلمس التزام الجزائريّين المهاجِرين بقضايا بلادهم وحجم الآمال التي يعقدونها بغدٍ أفضل.
ما يتمنّاه التونسيّون يتخيّلون بأنَّ الجزائريّين قد حقّقوه، والعكس صحيح، في حين أنَّ البلدين يراوحان مكانهما منذ سنوات. هذه الصُّوَر المتخيَّلة التي تسير ذهاباً وإياباً ليست سوى "أزهار شرّ" متبادَلة مِن دون قصد.