هذا التنميط من أسباب رفضنا للشعر العمودي المعاصر؛ ليس طعناً في كونه شعراً، بل لأن ما يُكتب منه الآن يفتقر لشخصيات أصحابه. هم بالفعل بلا سمات مميزة، وتُكبلهم قوالب الوزن والقافية التي تجبرهم على حشو القصيدة بأمور لا طائل منها.
يلوح في ذهنه ما قرأه عن تباهي ديكسون باستغلال ضيافته للبدو في جمع المعلومات عما يدور في الصحراء، ويُلقي نظرة خاطفة على شريط الفيديو الذي جاء به بدر من الكويت خلال الصيف الفائت، "تَمُن علينا فيوليت بسرقتهم نفطنا ونحتفل بصورتنا في عينيها".
في تجربة إيهاب شغيدل الجديدة، الناس لا يُرون ولا يُحسّ بهم، لكن روائحهم كفيلةٌ بفتح خزائن وجودهم التي تعتّقت في قيعانها تجاربهم المجهدة بثقل السنوات، من هنا تغدو المراقبة فعل حياة ويصبح التأمل جوهراً شعرياً بامتياز.
جداريّةُ المتحف البونيقي في صبراتة تشير إلى وقتٍ يترنّح رافعاً أطراف ردائه فوق جدول ماء، مكانٍ فيه يَتركُ الغرقى آخر الصرخات، نومٍ ينزلق ناعماً على جلودٍ مدهونة بزيت الزيتون، يقظةٍ تحملها وعولُ الجبل على قرونها، خُمار سُكرٍ تأتي به الشمس كلّ صباح...
تعلّمتُ ألّا أتشبث بمزيدٍ من الأشياء/ وأن أترك مساحات بيتي فارغة/ كي يراقص فيها نسيم الليل ستائر الأورغنزا/ تعلّمتُ ألّا أتشبث بنيلوفر مونيه/ ستكون أفضل في حوضها المائي/ حتى ولو غطستْ عند الغروب.
عُدتَ إلى مبالغاتِك يا عزيزي. يريد منّا مالك الجريدة أن نعرض شيئا ما عن "التوازنات الإقليميّة". من مكاتبنا هذه، لن نفهم جذور الصراع الدائر بين الأقطاب الكبرى التي تتنافس على السيطرة على شرقنا العريق. تأثيرنا في الرأي العام محدود...
لم نودّعِ الموتى، لم نحضر تشييعَهم. سوف يعبرون على الخيول، أو يحملون البضائعَ إلى قرىً في غمامِ الصمت، في صباحاتٍ فارغةٍ على الطريق، إلى قرىً بها حاناتٌ يرتادها مسافرون ملثّمون بحريرِ الأغاني.
أيها القارئ الفضولي، تريدني أن اخبرك بما يجلب العار للإنسان، بما اقترفته لأكون هنا؟ سأقول لك أنني لم أفعل شيئاً، وهذا لا يعني أنني لا أستحق هذا الكرسي، في هذا المكان البارد هنا؛ أبداً، إنه يليق بي وبمسيرتي.
أوَّلَ مرَّةٍ فهمتُ معنى الحُرَّيَّة، أصابتْني خيبةٌ جعلتْني أتماهى لا شُعورياً مع فرانتس كافكا وهو يُعلِّقُ والدَه جِرابَ مُلاكمة؛ يُفرِغُ فيه كلَّ الكبتِ الناشئِ عن عُقَدِ الطفولة وأوَّلِ الشَّباب.
بين الفن المفاهيمي والعمارة والكتابة، يفتح "هندسة الشعر" أفقاً للتفكير في العلاقة العميقة بين الفضاء واللغة، ويعيد طرح سؤال لا عن ضرورة البحث عن مكانٍ شعريٍّ للسكن، بل "أين يسكن الشعر ذاته"؟