المحارِب… لا أحدَ يُكلّمه
لأنّه فشل في رواية قصص الحرب على كلّ مَن استدرَجَهم، سيُرسل بطائرات من ماضيه المعذَّب لتُلقي غازات على قسنطينة، ويُحاول إقناع صحافيّ بكتابة القصّة. لكنَّ هذا سيتهرّب من مسؤوليته، قبل أن يكتشف في النهاية موت السكّان بوباء مجهولٍ حذّر منه محارِبٌ قديم.
– لقد عادت الطائرات، لكنّكم لم تتحدّثوا عنها!
يُلقي جملته بلا مُقدِّمات، ثم يُواصل: “لن أسكت… أخبرتُ مصالح الأمن بما حدث، سجَّلوا انشغالي وقالوا إنّهم سيُتابعون الأمر، وسوف أراسل القيّادة. الأمرُ خطيرٌ والوقتُ ليس في صالحنا”.
بدأَت قصّةُ الطائرات التي تَعبر قيلولته وتُعكِّر صفوَها في صائفةِ 2019، حين استوقفَني أمام مقهى “الجودي” بوجهٍ شاحبٍ: “أين اختفيتَ؟ بحثتُ عنك طيلة الأُسبوعَين الماضيَين، لكنّك هربتَ على ما يبدو!”.
وحين شرع في سرد قصّة الطائرات الفرنسية التي اخترقَت الأجواء الوطنيّة وأطلقَت غازات سامّة، أدركتُ أنّ عمي “ح” قد وضع القدَم الثانية على تلك الأرضيّة السخيّة حيث يتعايشُ الماضي والحاضر والأحلام والكوابيس في وئامٍ تامّ، أي أنّه اهتدى، أخيراً، إلى الحلّ الذي يقتضيه تدبيرُ مخارجِ حياةٍ حافلة بالصّدمات… الحلّ الذي لا حلَّ سواه لمشكلةِ رجل وحيدٍ ينامُ في السابعة وينهض باكراً مِن دون أن يدري ما الذي سيفعله بنهارٍ طويلٍ بلا طائل.
– انظُر إلى السماء! ها هو الأثر… يبدو حتّى للعميان. انظُر، ها هي خيوط الغاز !
ثم يضيف في غضب: “إنّهم عائدون للقبض علينا، لكنّ تضحياتنا لن تذهب سُدىً، سأحمل السلاح إذا اقتضى الأمر”.
في الخامسة والثمانين، يبدو أصغَر من سنّه بلباسه العصريّ ووجهه الحليق الذي يُفصِح عن شبابٍ دائمٍ جادَت به جيناتُ سلالةٍ كريمة، خصّته أيضاً بعيْنينِ خضْراوين لم تَتْعبا من رصدِ التفاصيلِ الصّغيرة وأشباحِ الحربَين التي تُلاحِقه، روى أكثر من مرّة، طبعات تحتفظ بالجوهر وتختلف في التفاصيل، مِن قصّة هروبه من “ثكنة الساليغان” بُعَيد الاستقلال بالشاحنة التي قادها من الحدود، حين اكتشف أنّ جيش الحدود غير مُرحَّب به في قسنطينة: “ركنتُ الشاحنة داخل الثكنة… قال لي الحارس انتظِر قليلاً، وفهمت من الإشارات التي جرى تبادلها أنّهم ينوُون القبضَ عليّ، أدَرتُ المحرِّكَ وانطلقتُ بسرعة، أخذتُ الباب في طريقي ونجوت، لم يُمسكوا بي إلى يومنا هذا… “.
أُجاريه قليلاٍ، ثمّ أستدرجه إلى شؤونٍ أُخرى ليغفل عن حكاية الغازات القاتلة، لكنّه يُصرّ في نهاية الحديث على طلب الكتابة عن الطائرات في الجريدة، بلهجة عتابٍ تُذكِّر بإغفال طلبٍ سابقٍ من نفس النّوع حرّكته رغبةٌ في التشهير بجاره الطبيب الذي أغلق المدخنة وكاد يتسبّب في موته، وفشلَت كلّ محاولات إقناعه بأنّ الطبيب يفتقدُ للحسّ الحضاري، وليس مُنخرِطاً في مؤامرة، وظلّ يردّد: “ابحثوا في تاريخه… ستجدون خيطاً يقودكم إلى فرنسا”.
رجُلٌ وحيد ينامُ في السابعة وينهض باكراً مِن دون أن يدري ما سيفعله بنهاره الطويل
اختفَت الطائرات مِن أحاديثه لأشهر، ساءت علاقته بطبيبٍ آخر “حاول قتله” بوصف دواءٍ أدخلَه في ما يشبه الغيبوبة، وأسرف في إبداءِ الأسف على عدم قدرته على قيادة السيّارة بسبب دوار يُصيبه في كلّ مرّة، ما دفعه إلى بيع آخر سيّارة قبل نحو سنتين، وهو لا يُصدِّق أنّه لن يقود ثانيةً في جبال سكيكدة، لن يعود إلى قرباز، لن يصعد إلى فلفلة ولن يُطلّ على البحر من شطايبي، ولن يُدلي صنّارته ليمارس لعبة الانتظار في رطوبة الليل وبرودته اللذيذة، تلك الرحلات التي كان يسرد تفاصيلها بشاعرية لإغرائي بتلبية وعد مرافقته.
بدا كمن يستسلم لمشيئةٍ جائرةٍ مضطَرّاً، تثاقلت خطواته، نصحتُه بالكفّ عن السَّير في القيلولة، لكنّه لم يتجاوب: ينزل من الكدية إلى شارع بن مليك، يقف عند زاوية المقهى، يجلس بباب الكشك إن لم يكن في حالةِ خصامٍ مع “ي” الذي كثيراً ما رافقه سائقاً في رحلاته الأخيرة لاستنشاق “اليود” الذي يُرخي أعصابه لأيّام، وغسْلِ عينيه بالخضرة في جبال الله التي أنبَتته قبل أن تدفع به إلى المدينة التي لم يعد يُكلّمه فيها أحدٌ لتقلُّب مزاجه ولسوء تقديرها للوحيدِين الذين لم يعودوا قادرِين على تلبية نزواتها.
كبُر الأبناء وذهبوا إلى حيواتهم، قسّم عليهم ما يُمكن تقسيمه… أخذ الذكَرَان حظّهما والأُنثيان أيضاً وثالثةٌ متبنّاة، قال إنّه تصرّف معها كابنة كاملة الحقوق. بقيّ وحيداً في شقّته وسط المدينة، يُعدّ طعامه بنفسه وينام في السابعة وفق بروتوكول اقترحه جسده للتحايل على الليل. تزوَّج لفترة قصيرة بعد وفاة زوجته، لكنّ الزوجة هربَت لعدم قدرتها على احتمال وساوسه وفق ما رواه مناوئون لا يكفّون عن نصحي بعدم مخالطته، لأنّه يختلقُ المشاكل، كما يقولون، ويتَّهم من يصاحبونه بالطمع أو محاولة استغلاله.
لكنّ علاقتي به ظلّت خفيفة لا يترتّب عنها أيّ التزام: دقائق من الحديث حول قهوة أو شاي، أو جولة صباحيّة قصيرة في المدينة، يستعيد فيها تاريخه البعيد كأنّه حدَثَ قبل قليل، وما الذي يمكن أن تنتظره، غير اجترار الماضي المُنقضي، من رجلٍ وحيد ليس في حياته ما يربطه بما يجري، أخذ كلٌّ نصيبه منه وذهب ليكمل دورته الطبيعية؟
ربّما أخفَت “مصاحبةُ” الشيخ الوحيد رغبةً في زيّارة المُستقبل للاطمئنان على مصيرٍ مُشابه، وربّما تعلّق الأمر برغبةٍ في تصيُّد قصّة غريبة، حيثُ تقترحُ حياة عمي “ح” موتيف روايةٍ مُذهلة: رجل وحيد يعيشُ في مدينة لا يكلّمهُ فيها أحدٌ، يترقّب منحته ويتسلّى باستعادة حياةٍ صاخبة عاشها في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن ينخرط في ثورة التحرير فدائيّاً في قسنطينة وينتقل إلى الحدود الشرقية، وعند الاستقلال تصدمه خصومات “الخاوة” وسوف ترافقه آثارها إلى وقتٍ متأخّر، فيعمد إلى الاختفاء والتنكُّر.
لا يُشاهد تلفزيونات العالم وهي تشرح لسكّان الكوكب الطُّرُق المثلى لتجنُّب الموت
وكما أبطال “غابو” سيعيش عزلة مثمرة، يغالبها باختلاق عصابة إرهابيّة تطارده من القلّ إلى قسنطينة ولا تُفلح في النّيل منه لبراعته في قيادة السيّارة، ولا يتردّد في تصويب مسدّسه، في نوبات خوفٍ، إلى غرباء يتوقّع منهم شرّاً. ولأنّه فشل في رواية قصص الحرب على كلّ الجلساء الذين استدرجهم، سيُرسل بطائرات من ماضيه المعذَّب لتُلقي غازات تقتل السكّان في صمتٍ، ويُحاول إقناع صحافيّ بكتابة القصّة، لكنّ هذا سيتهرّب من المسؤولية، قبل أن يكتشف في نهاية المطاف موت السكّان بداءٍ مجهولٍ حذّر منه المحاربُ القديم الذي رأى الطائرات!
أترقَّبُه كلّ صباحٍ لأطمئن على خروجه من الليلة السابقة مِن دون أضرار، لا أفعل ذلك مع عمّي “ع” لصعوبة الفكاك منه، وأترجّى حارس الحظيرة أن يدقّ على بابه إذا لم يظهر مخافة أن يُسرف في النوم كما حدث لعمي مولود الذي اكتشفه أقارب استغربوا غيابه، متعفِّناً في نومه، وكذلك يفعل الوحيدون الذين لم يعُد بين أيديهم ما يجودون به على فراخ الانتظار، يُطيلون النوم إلى غاية قدوم الورثة لاقتسام ريع البيت.
أعرف، أنّ “مصاحبتهم” سفرٌ ماكر إلى المستقبل غرسته أمّي فيَّ بلسان اللوعة في نصيحةٍ قديمة: “لا تَنَم مفتوح الفمِ، الذين ينامون بأفواه مفتوحة يموتون غرباء”.
أترقَّبُه في الحيّ، يُقبل شاحب الوجه:
– لقد عادت الطائرات لكنّكم لم تتحدّثوا عنها.
كان يضع القناع بطريقةٍ خاطئةٍ لأنّه ينامُ في السابعة ولا يُشاهد تلفزيونات العالم وهي تشرح لسكّان كوكبنا الطُّرُق المثلى لتجنُّب الموت.
قلتُ له: “هذه المرّة سأكتُبُ عنها”.
– قُولْ والله…
– والله!
ثم رفعتُ عينيَّ إلى السماء. كانت آثار الطائرات واضحةً يراها الأعمى.
كاتبٌ وصحافي من مواليد 1970، درس علم النفس الإكلينيكي في جامعة قسنطينة. يعمل في الصحافة منذ قرابة خمسةٍ وعشرين عاماً؛ حيث انتقل بين عددٍ مِن الصحف الجزائرية، آخرها “النصر” التي يتولّى إدارة تحريرها منذ 2000، وفيها يكتب عموده الأسبوعي “أجراس”.