كيف أخرجُ من غَزّة؟

عُدتَ إلى مبالغاتِك يا عزيزي. يريد منّا مالك الجريدة أن نعرض شيئا ما عن "التوازنات الإقليميّة". من مكاتبنا هذه، لن نفهم جذور الصراع الدائر بين الأقطاب الكبرى التي تتنافس على السيطرة على شرقنا العريق. تأثيرنا في الرأي العام محدود...

كيف أخرجُ من غَزّة؟
غرافيتي في قبرص حول الإبادة في غزة، 2025 (رحبة)

مَكتب مدير الجريدة فسيح. في وَسَطه طاوِلتان فَخْمتان على كلّ واحدة منها حاسوب وأوراق مُبَعثَرة. خَلْف كل طاولة كرسيّ فاخر مُريح. أمام الطاولة الكبرى، أريكَتان يفصل بَينهما خِوان صغير، عليه عُلبة شوكولاتة وبعض الحلوى ومِنفضة. في الخلفيّة، لوحة زيتيّة يظهر فيها حِصانٌ أبيض يركُض في السّهوب المترامية بِحُرّية وانشِراح. جَسده ممتلئ فارِه وعُنُقه باسق. كأنه يتوجّه إلى شاطئ لازَورديّ. رحَّب بي مدير التحرير، في مكتبه وطلب مني -بابتسامته العريضة -أن أغلق البابَ ورائي. عَرضَ عليَّ علبة الشوكولاتة الفاخرة ثم أشار إلى الحلوى:

– تفضّل، من إنتاج “شركتنا”. هي من النوع الرفيع. نحتاج إلى تقرير حول نقص المواد الغذائية في قطاع غزّة. حاولْ أن تعتمدَ على وسائل الإعلام العالميّة. طبعًا، لا حرجَ في العودة إلى الإحصاءات اليومية التي توفّرها وزارة صحة الحركة الإسلامية: “حماس”– وشدّد قليلًا على الكلمة الأخيرة. وبعدها يمكن مقارنة هذه الأرقام بما يَرِد في تقارير هيئة الأمم المتحدة والمُنَظّمات غير الحكومية. عمومًا، تقارير هذه الأخيرة أكثر شفافيّة وصدقًا.

– تمام. لكنني أقترح منهجيّةً أخرى: سأجمع صور المُجَوَّعين وأسماءَهم. جلّهم في الرمق الأخير وأضمها لصُور مَن تُوفّيَ منهم. سأرسم مجموع الأسماء في لوحة واحدة. هذا كفيل بأن يقدم للرأي العام لائحةً بمَن قَضوا جوعًا.

– قد تكون المنهجية جيدة. لكني لا أراها مفيدة. ما يعنينا الأرقام لا الأسماء. الأعداد أبْلغ تأثيرًا من القصص الجزئيّة. تُحرّك الناس أكثر من التقارير العامة. فقد شاعت هذه الأخبار كالفِطْر، وهي متماثلة في أساليبها وموضوعاتها. لم تَعد تعني أحدًا. صارت مُمِلة. صَدِّقْني، عزيزي، مَلّت الناس من هذه الصور ومن التعليقات المُكرَّرة. لم يعد يَأبه لها أحدٌ.

– بالعكس، يحتاج القارئ إلى أن يُمسِك بتلابيب القِصص الهاربة لهؤلاء المُرَوَّعين. عليه أن يدرك أنّ وراء كل صورة حُلمًا ذَوى وأسرةً كانت قبل سَنَتَيْن تطمح لغدٍ وتَستشرف المستقبل.

– معك حق. لابد أن تُظهِر في تقريرك الصحفي أنّ أطفال غَزّة كانوا، نِسبيًّا، في جَنّة. كانوا يتابعون المسلسلات على شبكة نتفليكس، مثل أي شعب متقدم، وهم يَلتهمون الوَجبات السّريعة والبطاطس. كانت محلات البوظة مكتظة على شواطئ غزة الفسيحة. الصّبايا يَرفلن في فساتينهن القشيبة…

– لكن هذه الصورة غير دقيقة تمامًا.

– بالعكس، من أجل إظهار نقص المواد الغذائية، لابد من المقارنة بما ساد من خيرات في قطاع غزة خلال السّنوات الماضية.

– لكن هذا تجويع، وليس مجرد نقص في المواد ولا حتى مَجاعة.

– لا علينا. اختلاف بسيط في المصطلحات. المهم أن تذكر في تقريرك عمليات السطو المُؤَكّدة التي ارتكبها بعض عناصر “حماس”. حتمًا، ليسوا جميعًا كذلك، ولكن الظاهرة مُوثقة. ولا بأس من تخصيص فقرة عنها.

 أعلم أن تأثير الجريدة ضئيلٌ، مع ذلك علينا أن نستمرَّ في معادلة الحلوى والصحافة

– حاضر. مع أنني أشكك فيها وأعتبرها هامشيّة. حتى وإن صَحَّت، لا بد من وضعها في السياق العام للحرب. أخشى أن تحتل حيّزًا من وعي القارئ، فيغفل عن جريمة التجويع وينسى أصلَ المأساة. سأحاول التوفيق بين الفقرات.

– تفضل قطعة ثانية من الشوكولاتة! في سنّكَ الفَتي، لا تخشَ السّكري ولا السّمنة. على فكرة، هل لاحظتَ أن أغلبَ رجال حَماس بطونهم ممتلئة؟

– بصراحة، لم ألحظ ذلك. هم كغيرهم من رجال الشرق. هذا ينطبق على أيّ واحد من شعوبنا المُتخَمَة.

– لا، الظاهرة عندهم أعَمّ. هذه الملاحظة يمكن أن تكون موضوع فَقرة على حدة. لكن اربطها، مثلًا، بطول اجتماعات الحَركة وعُقم مُفاوضاتها أو بإقامة جُلّ قادتهم في الفنادق والصالات الوثيرة.

– فقط أخشى أن يبتعد بي ذلك عن موضوع التجويع. سأسلط الضوء على أسماء الضحايا، الذين بلغوا اليوم أكثر من مائتي شهيد. وراء كل اسمٍ، طفلٌ كان يَبحث عن لقمة بعد أن كان يَحلُم ويجري…

– كما أسلفتُ في اجتماعاتنا السابقة، يَحسن تلافي المفردات الدينية، حتى لا نقع في تأويل الحقائق بدلًا من عَرضها…

– بذلت جهدًا كبيرًا في توثيق أسماء الضحايا. وأرجو أنْ…

– المهم التركيز على جهود الوساطة التي تقوم بها دول المنطقة. بلْ، دعنا من الوساطة وتعقيداتها. لي فكرة أخرى: يمكنك أن تعود إلى تصريح نائبة فرنسية، مفاده أنّ عدد ضحايا الصحافيين في غزّة فاق ضحايا ست حروب مجتمعة، بما فيها نزاعات العراق واليمن. بتفكيك إحصاءات كل حرب تنجز تقريرًا مدعوما بالأرقام. وهذا أفضل من الوجدانيات. الأعداد هي ما يهمّنا.

– وجدانيات؟ التجويع هندسة حقيقية لكسر الإرادة.

– ها قد عُدنا إلى العواطف. أنت صحفي محترف، ولكنك أحيانًا تنزلق إلى…

– سيدي المدير! الجريمة مُوثقة بالصور. وخلف كل صورة حكاية بشر حقيقيين. ناسٌ من لحمٍ ودمٍ، رَغم هزالهم. مادتي مكتملة. سأصوغها بأسلوب واضح وأعرضها على حضرتك.

– لا داعي لذلك. تَعلم مَدى تعلقي بحُرية الكُتّاب. اكتب ما يَرتضيه قلمك. في جريدتنا، حَقّ المحررين مُقدس. ولا نراجع المواد إلا للتثبت من مدى احترامها “للتوازنات الدقيقة”، وهي لم تَعد تخفى عليك. فكّر رجاءً في قائمة الموضوعات التالية. في هذا الشهر نحتاج ثلاثَ مواد أخرى. نوّع، واخرج قليلًا من غَزة.

– كيف أخرجُ من غَزة وقد ملأت العالَمَ وغشيت كلَّ بيتٍ من بيوتِه؟

– يعني، نَوِّع قليلا في المواضيع وفي صيغ العرض…

واجتاحني من جديد صوتُ مالك الجريدة – صاحب شركات التوريد والتصدير العملاقة – يشرحُ لي خططَ هياكله في توسيعِ الاستثمارات: “سَتَسمَنُ أرباحنا أكثر بفضلِ عمى المستهلكين الذين يملؤون بطونَهم بحلوياتنا ومرطّباتنا. كلما راجت بضاعتُنا غيَّرنا أساليبَ الدعايةِ وصيغَ التسويقِ…”. هاجَت في خاطري صورُ هؤلاء الرُّضَّعِ والأطفالِ وقد صاروا لَحمًا على عظمٍ. أستمعُ إلى أمّهاتهم يَروين قصصَ معاناتِهم للحصولِ على قطراتِ حليبٍ أو لَفّةِ رغيفٍ. ألمس بيديّ آلام الآباء وهم يرون أبناءَهم يتضوّرون جوعًا حتى الموت.

الصحافي لا يجزم. هو مثل الأرنب الأبيض الذي يقودك إلى “بلاد العجائب”

فَيَنتحبون لعجزهم عن إيصالِ حفنة طَحينٍ. بعضهم لجأ إلى النباتات الحامضة والأوراق الذابلة. طارت كلماتُ صاحب الشركة واختلطت بصياحِ الأطفال حتى نفذت إلى وجوهم النحيلة وعيونِهم الغائرةِ. دَقَّت سيقانهم النحيفة وارتفعت في الفضاء مُشَكّلة ما يشبه السوط الذي يلهبُ الفرسَ الأبيض الراكض في أعلى اللوحةِ: تسارع ركضه حتى كأنّه يطير نحو الشاطئ. وسرعانَ ما أعادني صوت المدير إلى مكتبنا بالجريدة:

– نعم، نَوّع قليلا في المواضيع. لحسن الحظّ، تمدّنا العربيّة بصيغ كثيرة تدلّ على الاحتمال وعدم القطع. لا بدّ من توظيفها حتى تترك هامشًا للتحرّي. الصحافي لا يجزم. هو مثل الأرنب الأبيض الذي يقودك إلى “بلاد العجائب”.

– لكنّ صور الجوعى لا تَكذب. لن تُجدي صيغ التشكيك نفعًا في التخفيف من آلامها. قد تكون التورية تقتيلا أفظع من قَصف المقاتلات.

– عُدتَ إلى مبالغاتِك يا عزيزي. يريد منّا مالك الجريدة أن نعرض شيئا ما عن “التوازنات الإقليميّة”. من مكاتبنا هذه، لن نفهم جذور الصراع الدائر بين الأقطاب الكبرى التي تتنافس على السيطرة على شرقنا العريق. تأثيرنا في الرأي العام محدود…

قبل سنةٍ، كنتُ قد التقيتُ بهذا المالك في مَكتبه الفاخر في الطابق العلوي من عمارة حديثة حيث يمتدّ في الدور الأرضي مَركز تجاري ضخم والبقية مكاتب شركة التصدير والتوريد التي يديرها. أفهمني هذا الثريّ أنّ الصحيفة التي نصدرها ليست سوى واجهة من أجل تلميع صورة “الجهات العليا”. لا تشكل ميزانيتها سوى نزر يسير من أرباح الشركة. لكنهم، فَوقَ، يَحتاجونها حتى يحققوا توازنات دقيقة…

فهمتُ حينها أنها تتعلق بعقود ضخمة مع شركات عملاقة في أوروبا. ثم واصلَ شرحَه لهذه الأمور بابتسامة عريضة لكنْ بلهجةٍ حاسمة: أعلم أن تأثير الجريدة ضئيلٌ وأن الناس يستهلكون ولا يقرؤون. مع ذلك، علينا أن نستمرَّ في معادلة الحلوى والصحافة.

رافقني إلى الباب. انخَفَض صوتُه وألقى إليّ بهذه الكلمات: “هل تقبل هذه المهمة؟” وأسرَّ لي بفحواها. ثم أضاف بابتسامة: “ستَجني من وراء ذلك منحة شهريّة قدرها ألف دولار. هل يناسبك هذا؟”. طبعًا، قَبلتُ المهمة وخرجتُ شاكرًا. تبعني ليسَلَّمني كيسًا فيه علب شوكولاتة فاخرة عليها علامة “شَركتنا”.

خرجتُ من مَكتب المدير واجمًا. أعرف جيدًا الخط التحريري للجريدة وأدرك تمامًا هذه “التوازنات الدقيقة” التي يستحضرها بتفاصُح بعد أن يُصيّر لهجتَه رسمية. “من يملي هذه التوازنات؟ الجهات العليا؟ أم مالك الجريدة؟ ماذا يعني مقال مُهمَّش في زاوية لا يقرأ عنوانَه إلا بضع مئات؟ ومَن يُكمِله مجرد عشرات، وربما لا يفهمه إلا واحد أو اثنان؟ اختلطت أسئلتي بِقصص المجوّعين وهم مُلقون على بطانيات متسخة. بعد دقائق، عدتُ إليه ومعي وَرَقتان: الأولى خطاب استقالة والثانية مطلع قصيدة حرة:

شاطئَ غزةَ، التهمْ من الأطفال كفايةً،
حتى تشبعَ أمواجُك من اللحم الطري،
ثم ابتلعْ هؤلاء الصّبايا سؤالاً ورواية،
وأتِ على أحلام العَذارى كَخُبزٍ شهي
ثم التفتْ، يا شاطئُ، إلى الضاد فَاقتُلْ فيها صيغَ الاحتمال

ألقيت الورقتيْن على المكتب. ونظرتُ إلى الحصان الأبيض يركض في البراري وطَرْفاه إلى السماء الزرقاء. تصطف خلفَه جموعُ المجوَّعين وفي أيديهم أوانٍ فارغة وصَحيفة. مدير التحرير ثُعبان، يشتّت اهتمامي بمكر. يفضل الأعداد المُجرّدة على أنين الثكالى. لا يعلم أني اكتشفتُ خيوط اللعبة وأنَّ مالك الجريدة وَظَّفَني لأراقبَه. تلك هي المهمة التي أسَرَّها إليَّ. لكنّني صَحوتُ. لا احتِمالَ بعد اليوم. لن أخضعَ لهذا ولا لذاك.

كاتب وباحث تونسي  متخصّص في الألسنيّات والمعجميات وكاتب قصة قصيرة  يقيم في باريس، وهو حالياً أستاذ دكتور بجامعة ليون الفرنسية. نشر قرابة ثلاثين كتاباً بين العربية والفرنسية.

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة