تفريغ صوتي.. إلى مريم جودة قبل وبعد استشهادها

سمِعتُكِ تضحكين من بطلة القصّة/ فعرفتُ أنّكِ تكوّنين فكرةً حسنةً عن الألم/ سمِعتُكِ تنتحبين عندَما غادرَت/ فاقتنعْتُ أنّ الرّبوةَ العالية/ كانت-واحسرتاه-أصغر أجزاء فرحك.

تفريغ صوتي.. إلى مريم جودة قبل وبعد استشهادها
جدارية في مدينة غوادالاخارا، المكسيك، 2023 (رحبة)

اختناق
 
“إليك عنّي”، هو ردّي الأولي
على نظراتٍ يفترشُها زوّارُ المقبرة
تقطرُ منها التراتيلُ الحزينةُ
ذاك أنّ هناك ولدًا من تلامذتي
مشاغبًا في الفصلِ كثيرَ الضّحك
معاقبًا وجهَ العالمِ بصمتٍ أعمى فيما عداه
أعلنَ بجرأةٍ عزّ نظيرُها:
“إذا كان الموتُ درسًا يبحثُ عنّا
فأنا أشدّ من ارتحلوا إليه علمًا”!

– نفسٌ عميق –

كلّ ما نقوم به الآن
سأمٌ من التاريخ
الذي رأى في المنام أنه يبدّل معطفه الأحمر
لكنه حين استيقظ
سئمَ بدوره من أسمائنا المتكرّرة
وحكايانا المشتعلة على ماء النهر
وأبجديّاتنا العالقة بين الضفّتين.

الكلمة التي لن أقولها
والتي ستومض في عزلة المخلوقات
هي ردّي المتعقّل على شذرات الضّوء
وأنت تغمضين عينيّ بيديك
وتهمسين مع حفيفٍ من سراب
بكامل التناغم بين الغرباء الذين صرناهم
والتوأم الذي نحن عليه:
“أتسمعين”؟

– نفس أعمق –

هذا المساء هو شاهدة قبرٍ
لأحلامٍ جميلةٍ
وهذا الصّمتُ نشيدٌ وطنيّ
تتساقطُ منه الخسارات.
أما عن خسارتنا الكبرى المشتركة
أننا بلغنا أشدّنا
وافترستنا معرفةُ الحياة.

***

مطر

أمطرت
رفعَ النّاسُ المظلّاتِ
والشّجرُ أطلقَ العصافيرَ إلى السّماء.

*
طائرٌ مهاجرٌ
بقايا ريشه
نشيدٌ وطنيّ.
*

جداريّةٌ حمراءُ على مدخل البلاد
كُتب عليها: “رافقتكم السّلامة!”
بعد عراكِ رسّاميها بالألوان.
*

فورَ نهاية العرضِ الأخير
ستقتحمُ الحربُ المسرح
ولهذا، الشّعبُ يصفّقُ بلا انقطاعٍ.
*

يحلو عشُّ الحمام في خوذةِ جنديٍّ
ويطيبُ هديلُه على أضرحةِ الشّهداء
وشرفاتِ البيوتِ المنكوبة.
*

أترابي الذين هاجروا في يومٍ ماطرٍ
ذكرياتُهم بقعٌ على الخريطة
تُدرّسُ للجيلِ القادم.
*

لا تعودُ الفراشةُ إلى الزّهرةِ محبّةً بها
بل لأنّها انتظرَتْ عودتَها
عامًا كاملًا.
*

ولأنّ العيونَ أوطانٌ أيضًا
يمكننا أن نمنحَ طيورَ الرّوح دربًا
يفضي إلى نظراتٍ بليغةٍ.
*

أنتِ، أنا، جسرٌ خشبيٌّ
وعيونٌ فضوليّة
تقفزُ في النّهر.
*

ليلة باردة
قمرٌ محاقٌ
وأغنية تضيءُ في قلبي.
*

أمطرت
رفعَ الناسُ المظلّاتِ
تعالتْ من عينَيَ القصائدُ إلى السّماء.

***

أعيديني إليّ أيّتُها الحياةُ

طالبتُ الحياةَ بأكثرَ ممّا تطيقُ
أن تُخرجَ من الأرضِ كلامًا بدل النّباتات
نقطفُه بصمتٍ جنائزيٍّ
ندسُّه في قيعانِ الزّجاجاتِ حتّى أعناقِها
ونزيّنُ به الطّرقاتِ
بين ربيعٍ يستقلُّه العمرُ إلى طفولةِ الأشياء
وشتاءٍ يسكبُ البردَ في حقائبِ الأطفال.

أنا الدرّاجةُ
التي داسَت أوراقَ الممتلئين بذواتهم
كي تعودَ إلى البيتِ باكرًا
قبلَ أن ينطفئَ الضّبابُ
وتشتعلَ عيونُ اللّيلِ حيرةً .

أنا البيتُ
الذي تثقبُ عقاربُ السّاعاتِ جدرانَه البيضاء
مسابِقةً سوادَ عينيّ إلى مكيدةِ الكلمات
وغرفٍ لا يتّسعُ قلبي لنزلائها المحتمَلين
أطلقُ عليهم أسماءَ أقلّبها بين يديّ
حتّى إذا صارَت على تماسٍّ واضحٍ مع النّور
لطمتُ بها السّقفَ
وتناثرتُ في البياض .

أنا البلادُ التي تفرِطُ في كلِّ شيءٍ
لدرجةِ أنّني أداوي المرضى بالأغنيات
وأشرّعُ بوّابتي لأشجارِ الغرباءِ
باعتبارِها شقائق الإنسانِ
في حراسةِ البارحةِ من الـ أين،
لدرجةِ أنّني أجمعُ خيباتي على مائدةٍ واحدة
كي يسهلَ على النّسيانِ التهامُها لقمةً واحدة،
بل حتّى أرفضُ إعطاء بسمتي للمواليد الجدد
خوفًا من تفوّقِ الأمواتِ أنفسهم
على صورِهم في بسملات ذاكرتي حول ظلالهم .

وبناءً على ما تقدّم
أوصي الحياةَ بأن تنساني برهةً
ريثما وجدتُ امرأةً أُخرى
أختبئُ من ظلمتي في شموعِها .

***

هائمتان بالمعجزة

البيت فكرةٌ في رؤوسِنا فقط
تنافسُ في إلحاحِها دمعةً تنسكبُ إلى السّماء
على تخومِها البرّاقة مزاريبُ حبٍ بحجمِ السّر.
*

فرارُنا إلى المستحيل واقعٌ تلمسُه أوتادُ الخيمة
وهي تحتضن قدمَي الطّفلِ الحافي
إذ يبولُ على النّملةِ
كتدريبٍ أوّليٍّ على التّخلّي عمّا يملك.
*

سخريتُنا من العدالة هي محضُ تفريغٍ صوتيّ
لشهقاتِ مَن تختبرُ أمومةً لا طفولةَ فيها؛
نحن أمّهاتُ أنفسِنا
والصّمت-لا نهائيّ الضّوء-حفيدنا البكر.
*

كما رائحة الصّنوبر إلى الرّئة
يتغلغلُ همسُكِ إلى وجداني الأنثويّ
يا شبيهتي في التّلويح إلى الأحاسيس المفضّلة
وشريكتي في الاختفاء
إذا داهمَنا في تيهنا الطّريق.
*

سمِعتُكِ تضحكين من بطلة القصّة
فعرفتُ أنّكِ تكوّنين فكرةً حسنةً عن الألم
سمِعتُكِ تنتحبين عندَما غادرَت
فاقتنعْتُ أنّ الرّبوةَ العالية
كانت-واحسرتاه-أصغر أجزاء فرحك.
*

فضائلُنا تستمتعُ بنا
بينما نستمتعُ بغرورِ آرائِنا عن الحياة
حقولٌ من الشّعر تنبتُ على جباهِنا
تطعمُ خيولَ إنسانيّتِنا عمرًا طويلًا
كي يكمنَ كلُّ الخيرِ
في كلِّ صهيلنا.

***

نازحون نحوَنا

لا الليلُ كاملًا يأتي
بينما مباهجُه الصّغيرةُ تساوي العالم
لمن تساوت عنده النقمةُ والنعمة
لا النهار كاملًا يأتي
وهو يحتلُّ صدمةً
تشاركه إيّاها وعودُ اللّيل ..

من أضاعَ طريق البيتِ مثلنا
سيدرك يومًا
أن العقلَ يُستخدَم لإجبار القلب
على إيواءِ ما لا يحبّ
خوفًا على ما يحبّ
من بيوتٍ كلما أوينا إليها
أضاعتنا في الطّريقِ إلينا.

***

ليلة رأس السّنة

تخلّيتُ عن فكرةِ أنّ الأعوامَ
تلدُنا باستمرارٍ
لأنّني لم أعد أصدّق فكرة
أنّ رحمَ العدالة يتّسعُ لإنسانٍ
مهما تعدّدت مواهبُه.
*

الأعوام تضربُ الإنسانَ بالتّكرار
والإنسانُ يضربُ الأرضَ بقدميه
الأرضُ تبتلعُ الزّمن
والزّمن لا يعترف بالكبرياء
ذلك الجنون الذي يفسدُ كلّ اللّحظات.
*

المساءاتُ رسائلُ سرّيّة
لكنّ الصّمتَ لم يعدْ جوابًا صادقًا
ولم تعدْ الدّموع آلاتٍ موسيقيّةً مدهشة.
ماذا لو تنازلنا أيضًا عن خوفِنا
من كلِّ كلمةٍ تولدُ في منتصفَ اللّيل؟
*

تنظرُ ابنتي إلى صورةٍ عائليّةٍ
التُقِطت قبل ولادتِها
تخبرُنا أنّها رأتنا من السّماءِ وقد كانت نجمةً
وأنا أهجرُ أكوامَ الكتبِ
لأتقصّى المعرفةَ في بريقِ عينيها.
*

أصعب ما تكون الأمنية للغريب:
فلتخلدِ الصّلواتُ إلى النّومِ باكرًا
لتذهب النّوايا أدراجَ الغيب
ولتنتظمِ الأقنعة على مراياي ساخرةً
فما عاد يُغريني أن يعرفَني أحدٌ.
*

يا شبيهي الذي مات هذا العام
لستُ ناقمةً على لغةٍ
لم ندقّق في مفرداتِها
لكنّ اتّصالَنا اليوميّ بما وراء اللّغة
هو الجزءُ الأصعب من التّجربة.
*

كلّ عامٍ وأنتم سعداء
أيّها المقامرون بأحزانكم
أمّا نحن الذين نحرقُ سنواتِنا
كأنّها عيدانُ ثقابٍ
فقد قلنا “النّار” كأننا الإنسان الأوّل.

 

*قصائد من ديوان “الصمت لم يعد جوابًا” الصادر حديثًا عن دار نينوى.  كُتبتُ القصائد كمواساة لصديقتي الفلسطينية مريم جودة، التي استشهدت في غزّة. مريم اختارتني دونًا عن كلّ أصدقائها رغم سوء الأنترنت؛ حتّى تشاركني همومها من داخل خيمتها، ووعدتها بنشر هذه القصائد وإيصال صوتها في كلّ مناسبة تتاح لي. لكن، لم يمنحها الصاروخ الإسرائيلي فرصة أن تشهد ولادة هذا الديوان.

شاعرة وقاصة لبنانية، حاصلة على درجة الماجستير في الكيمياء الحيوية. تعمل في تدريس الكيمياء الحيوية واللغة الفرنسية، إلى جانب عملها في الترجمة. لها مجموعة شعرية بعنوان “الصمت لم يعد جوابًا” (دار نينوى، 2026).

لتصلك أحدث قصصنا على بريدك الإلكتروني
التعليقات
شاركنا رأيك!
لا توجد تعليقات!
قصص قريبة