صباحٌ تحت أجنحة الطائرات
من يعرف هذا الصباح غيرُ العصافير والشجر؟ ألقت الطائراتُ ما تحمله، وولّت. قالت العصافير: «ماذا جرى؟!» مرّت دراجةٌ، وصفّرت سيارةٌ، وكنتُ الزوال في خلية النحل، وأثنت عليَّ الدنيا حين شبهتُها بالزمرد والحنين.
***
الجلنارُ يسقط على الأرض
اشتَبكَ في جرحي الخبزُ والملحُ؛ واشتَبكَ في جرحي الميزانُ والخمرُ، وامرأةٌ لم تكن عزاءً أزرق، أرشدتني إلى الفضة. وروحي نقطةٌ بين عينين، روحي قطرةٌ على زجاجة المطر، روحي فطرةُ السنابل في موسم الحصاد. وقُصفت مدرسةٌ في جرحي، في جرحي قُتلت تلميذاتٌ صغيراتٌ، وفي جرحي سقط الحائط، وسال الجُلَّنارُ على الأرض.
***
تقصفُ الجنةَ في العقل
حالَ بيني وبين الغيم صوتُ الطائرة؛ تقصفُ الجنةَ في عقلي، تقصفُ أُمنيةً بعيدةً كالجبل، تقصفُ الميزانَ وعمرَ القوارب. وعندما فتحتُ البابَ، كان الجريحَ شبابي الذي نثرتُه على الشجر، شبابي الذي تركتُه تحت المطر.
***
الفلكُ النائم
أُزيلُ الترابَ عن هذا الفلك، فيقول: «دعني نائمًا». فلكٌ لا يحبُّ النجاة، ولا يحبُّ صورته العالية، ويموت إنسانٌ مع اقتراب الربيع، ويموت إنسانٌ على مشارف البحر، ويموت إنسانٌ في مزرعته، ويقول الفلك: «دعني نائمًا».
***
الجندي النائم
مليئًا بنفسي، وفارغًا أسيرُ إلى من يمنحني الماءَ في جرّةٍ من المستحيل. يدور قطبُ الرحى، تدور الساعات، تدور الطواحين، ولا فرقَ بين آتٍ وماضٍ، ولا بين هابطٍ وصاعد. مليئًا بنفسي، وفارغًا، وجدتُ جنديًّا نائمًا في خوذته، ناسِيًا زمنَ الحرب.
***
على شاطئ الحنين
تحنُّ الأيامُ إلى أيامِها، تشتاق فتاةٌ إلى رسالةِ الحبِّ الأولى؛ فأصبحَ الضوءُ جنديًّا ميّتًا في زهرةٍ، وأصبحت الروحُ نشيدَ الموت في الظلال الفتيّة. تحنُّ الأيامُ إلى غزارتِها، وعلى البحرِ واقفٌ أتأمّلُ جنونَ العظمة.
***
أفتحُ البابَ على حزن العصافير
أفتحُ البابَ على المدينةِ الطيّبةِ، على سكانِها الطيّبين؛ يبتسمون عندما يلتقون بك، ويتحدثون عن قصفٍ أو حمامةٍ ضائعة. أفتحُ البابَ على العصافيرِ، أفتحُ البابَ على حزنِ العصافيرِ، أفتحُ البابَ لكلِّ العصافيرِ التي لم تجد مأمنًا في المغيبِ.
***
لأتأكد من صحة ما يحدث
أفتحُ النافذةَ لكي أتأكد من صحةِ ما يحدث؛ أطيلُ الإصغاءَ، فلم يكن ثمةَ صوتُ بكاءٍ، ولا طائرةٌ حربيةٌ، ولا عزاءٌ. أغلقُ النافذةَ. رجلٌ يبكي في جهةٍ بعيدة، طائرةٌ تقصف، جمعٌ غفيرٌ في بيتٍ؛ أفتحُ النافذةَ، أطيلُ الإصغاءَ لكي أتأكد من صحةِ ما يحدث خلف النافذة.
***
مرايا وطائرات
تطير الطائرات، تقصف الطائرات، تنزل الطائرات، وعقلُك لم يسكت أمام مرآةٍ أو خلف أبوابٍ مغلقة. تطير الطائراتُ؛ إنها رسلُ الآلهة، والفراغ يثقبُ الهواء، والبدايات تخترق الأمس، وعن مسافةٍ غير مرئيةٍ رأيتُ شكلي في جميع المرايا.
***
زائر الليل
لم يعد النهرُ يحبُّ ساعاتِه، لم يعد المقهى ينتظرُ زائرَه، لم يعد ساعي البريد يحمل رسائل وقد تغيَّرت المدينة، والعناوينُ تغيَّرت. دراجتُه تحت المطر، ينظرُ إليها من خلف الزجاج، ينظرُ إلى النهر الذي أضاع ساعاتِه، وينظرُ إلى المقهى الذي لم يعد ينتظرُ زائرَه الليلي.
***
القصب وحده
يصدأ وادي المشاعر في الصمت، تصدأ الشمسُ على أبوابٍ لم يفتحها ظلٌّ ولا معركة، ويصدأ البحرُ في مفردته. الطفلُ والجنديُّ يرغبان في شمسٍ أخرى، وشمعةٍ أخرى، وحباحبَ أخرى. والقصبُ وحده في هذه البركة، قربه المنازلُ المهجورة، والساعاتُ السائلة على الجدران.
***
الطائرات تقصف
لم تضع الحربُ أوزارَها، والجرافاتُ تهدمُ التراث، تُغيِّبُ الروح. والطائراتُ تقصفُ زهرةَ الإنسان، وكان الإنسانُ زهرةً، زهرةً بلونها الأحمر، في يدِ امرأةٍ تقف على الجسر، والطائراتُ تقصف.
***
تأتي الطائرةُ
تأنُّ الحمامةُ على السطوح، تأتي الطائرةُ وتذهب. صوتُ باعةِ الخضروات، وهناك ما يعصفُ في الأحرف ويتركها تتناثر. صوتُ طفلٍ يعيدني إلى الزهرة، وقطارٌ يحمل بضائع وجنودًا. تأنُّ الحمامةُ، الطفلُ تُناديه أُمُّه، والعصافيرُ بصوتها الأزرق تجعل الساعة، تجعلها متعادلةً.
***
دفاعًا للشعر
لم تدعني الحربُ أن أكتبَ هايكو، ولم تدعني أن أنظرَ إلى قواقعَ ساكنةٍ على ساقِ نبتةٍ، ولم تدعني أن أطيلَ النظرَ إلى ليمونةٍ في صحنٍ خزفيٍّ، لم تدعني أن أشيرَ إلى عنكبوتٍ رماديٍّ. تمرُّ دراجةٌ هوائيةٌ في الشارعِ الفارغ، ستبقى الدراجةُ الهوائية، ستبقى دفاعًا للشعر.
***
صباحاتٌ بين الطائرات والعصافير
السيدةُ جارتُنا ترشُّ الماءَ على عتبةِ بابِ منزلِهم، والطائراتُ قصفت شرقَ المدينةِ فجرَ اليوم. جاءت طائرةٌ عندما استيقظت العصافير، وغادرت الطائرةُ، والعصافيرُ تواصلُ صوتَها على السطوح، وعلى الشجرة، وعلى الأسلاكِ الكهربائية. يمرُّ بالشارعِ غجريٌّ يحمل الكراتِ الملونة، وأنواعَ البهارات، وأنواعَ الإبر، وأنواعَ الألعابِ الطفولية. يمرُّ بائعُ السجاد، وتمُرُّ بائعةُ الخضروات، ويمرُّ بائعُ الأسماك.
***
رسائل لا ينقطع طريقها
لو انقطع الخطُّ بيني وبينك، لو انكسر الجسرُ بيني وبينك، هناك حمامةٌ تنتظرُ أن تحملَ رسالةً مني إليك، وهناك عصافيرُ تسافرُ في طريقٍ يؤدّي إليك. لو انقطع الاتصالُ، لو انقطع خطُّ البريد، لو انفجرت طائرةُ البريد، لو انفجرت سيارةُ البريد، هناك أوراقٌ وقصاصاتٌ أُطيِّرُها في الهواءِ الرحب حتى تصلَ إليك.
***
سانت-إكزوبيري لم يصل بعد
لم أعرفْ عن الطائراتِ إلا القصفَ، لم أسافرْ بطائرةٍ، ولم أعرفِ الأرضَ من العلوِّ الكبير؛ قد تكونُ بيضةً ذهبيّةً، قد تكونُ حقلًا أزرق، قد تكونُ برتقالةً أو نخلةً عاليةً. لم أعرف من الطيران إلا مواقعَ تُقصَف، وقلقًا دائمًا في الوجوه، المنازل، الجدران، السطوح. قد يأتي أنطوان دو سانت-أكزوبيري ويحملني بطائرته إلى المرتفعات.
***
أنبأني محارٌ
أنبأني محارٌ بالنهر، بالجسرِ جاءه القصفُ، بالشاطئِ جاءه القصفُ. هنا أمامَ الماء، في فاصلةٍ قريبةٍ من القاربِ مقهى، أكوابٌ وأسرار. أنبأني محارٌ بالصوتِ الذي دوّى بالجسر، وحطّمَ القاربَ والمقهى.
***
منعطفٌ نحو الأنقاض
منعطفٌ، ثم أصلُ إلى منزلٍ، إلى أنقاضٍ، إلى خرائبَ، وما يذهبُ بالنازحين، إلى مدنٍ عميقةٍ. منعطفٌ، عربةٌ تسيرُ بهدوءِ مرارةٍ إلى منزلٍ من الهجرة، والجدرانُ تكتمُ الدمَ، والجدرانُ تكتمُ قبضَ الروح. منعطفٌ، والمطرُ ينزلُ على العربة.
***
بين عزفٍ وقصف
بين عزفٍ وقصفٍ يستمرُّ القدرُ، والعنقاءُ كالأرض، والعنقاءُ كالشمس، والعنقاءُ كالأفعى. بين عزفٍ وقصفٍ يستمرُّ الجبلُ كائنًا من النار والأمنية، كائنًا بين الغيم والهاوية. بين عزفٍ وقصفٍ ثمة كرسيٌّ فوق الأنقاض.
***
بائعة التذاكر في ليل القطارات
أريدُ أن أحجزَ تذكرةً لأركبَ قطارًا. قالت بائعةُ التذاكر: لا توجد حركةٌ للقطارات، فقد تمَّ قصفُ السككِ الحديدية. لكنني أريدُ تذكرةً. ذهبتُ إلى مكتبٍ كان مغلقًا، وذهبتُ إلى مكتبٍ آخر، كانت بائعةُ التذاكر ترتجفُ مثل غصنٍ، ترتجفُ في ليلِ القطارات.
***
على الأنقاض أغنيةُ العصافير
قد يكون الجمالُ قبل القصف، قبل وصولِ الطائرات، قد يوجدُ بعد القصفِ بأعوام. ما بوسعك أن تفعل؟ هل ترسمُ على ما تبقّى طفلةً وعاصفةً؟ هل تخطُّ كلماتٍ تدعو الطفولةَ أن تنهضَ مرةً أخرى؟ لا أعرفُ بالتأكيد لماذا أسأل، والعصافيرُ تغنّي، لا تزالُ على الأنقاضِ أغنيةُ العصافير.
***
أنباء لا تحبُّ السلام
أتشبّثُ بظلي، أنباءٌ لا تشيرُ إلى جنّةٍ، أنباءٌ لا تحبُّ السلام. صورةٌ من كاريكاتيرٍ واقعيٍّ لم تبدعه مجلةٌ، إنما الشرّ. أتشبّثُ بظلي، في ظلالِ الشجرةِ أجلسُ دون أن أعي عاصفةً أو لهاثَ الصحف. أعملُ ساعيَ بريدٍ بين الكلمات، أعملُ في صباحاتِ أسلافي ساقيًا، يذهبُ بالماء إلى مراتعِ الموتى.
***
هدوء لا يراه أحد
غادرتِ الطائراتُ المدينةَ، وبقيتِ المدينةُ في هدوئها، بقيتْ تعاني في أعماقِها. لم ترَها السماء، لم تشعرْ بها الآلهة، بقيت هناك هادئةً تمامًا، بشوارعِها، بمقاهيها، بأسرّتِها، بقيتْ في هدوئها. دون أن تشعرَ بها الآلهة، دون أن تراها السماء، دون أن يذكرَها رحّالةٌ من عصرِ الكتبِ الفاخرة.
***
دراجاتٌ في الشارع
تمرُّ دراجةٌ ناريةٌ في الشارع، يغنّي سائقُها عن المحارِ والبحر. تمرُّ دراجةٌ هوائيةٌ، سائقُها طفلٌ في السنِّ العاشرة من عمره، في وجهه رجلٌ قديمٌ يحنُّ إلى طفولته. يمرُّ مراهقٌ يحمل خنجرًا، يحمل درعًا، ويمرُّ طائرٌ خائفٌ لم يسبق أن جاءني بخبرٍ سارّ. قصفٌ في بيروت، قصفٌ في قرى تقطنُ على شواطئ كارون.
***
رسالة إلى صائد السمك
أذهبُ إلى مركزِ البريد، فقد كتبتُ رسالةً إلى قريب، كان يعملُ صائدَ سمكٍ قبل دمارِ المدينة، وفي منفاه يعملُ نسّاجًا في معملٍ صغير. ألقيتُ الرسالةَ في صندوقِ البريد، وذهبتُ إلى النهر. كان صائدُ السمك جالسًا في انتظارِ ارتجافةٍ في الماء.
***
ما يراه الطيار
هناك ما يجعل الحياة أقوى من سفينةِ الضوء، التزامٌ بما يضعُها في طريقِها الصحيح. قال الطيّار: هناك قريةٌ تحلمُ بالزرعِ والذهب، وهناك مقهى يلتقي فيه زوجان، وهناك في الحقل رؤيا رجلٍ ورؤيا امرأة. هناك حبقٌ وريحانٌ وزنابقُ وسنابل. وقال الطيّار: هناك من تنتظرُ أحدَهم عند النافذة.
***
لم نحضر تشييعهم
لم نودّعِ الموتى، لم نحضر تشييعَهم. سوف يعبرون على الخيول، أو يحملون البضائعَ إلى قرىً في غمامِ الصمت، في صباحاتٍ فارغةٍ على الطريق، إلى قرىً بها حاناتٌ يرتادها مسافرون ملثّمون بحريرِ الأغاني.
***
رجلٌ يمشي مسرعًا
يحملُ في رأسِه المصابيحَ، يحملُ رملَ البحر، يحملُ الزيتونَ والجنون، ويحملُ في عقلهِ المشنقةَ، يحملُ الجسورَ والسككَ الحديديةَ، يحملُ علبةً فارغةً جرحت يدَه. لاقَيْتُه على الطريق، كان يمشي مسرعًا. قلتُ له: إلى أين تذهب؟ قال: إلى القتال، إلى جبهاتِ القتال أذهبُ.
شاعر ومترجم من مواليد الأهواز عام 1983. من أعماله الشعرية: “في البدء كان الجسر” (سلسلة الإبداع العربي/ الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2018). يُترجم الشعر بين العربية والفارسية، وأحدث ما ترجمه ديوان “استيقظنا مرّةً في الجنّة” لنجوان درويش (دار نشر مركز، طهران 2025).