أجلس الآن في مكان لا يحب أحدٌ الجلوسَ فيه، حتى المجرمين، وربما حتى القتلة السايكوباتيين، مكان تخاف أن تجلس فيه؛ صندوق كبير من الزجاج، صندوق العار. ربما لم يتفق اثنان على تسميته بهذا الاسم، لكنك حين تراه ستقول في نفسك إنه بالفعل صندوق العار.
لا أحد من المارة يُطلق كلمة تجاهك، كأن يقول لك انظُر أنت هناك، لا أحد يشير إليك، لكن وجودك هناك وحده يكفي. ما إن يمر أحد قربك حتى يعرف ما أنت عليه، وما إن أدرك أنه نظر إليّ حتى أعرف ما أنا عليه، من يحتمل ذلك الثقل منكم؟ من هو أقدر منّي ليحمل عن البشر كلهم هذا العار، من منكم قادر أن يتخيل نفسه مكاني، من؟
لكني رغم ذلك أستريح في جلستي، في مقعد العار هذا، ورغم أن الهواء هنا ثقيل. لنقل إن الهواء لا يتحرك أبداً، لكني أجلس دون أن أشعر بضيق في صدري جلسةَ قرفصاء المتأمِّلين، أحبس النفس ولا أتردد في إخراجه، رغم أنني فكرت مراراً أن أحبس النفس ولا أتركه يمر، وأن أدعه ينفجر في صدري، لكني أفكر دائما وأقول من سيخلفني هنا؟ من منهم قادرٌ على أن يشغل مكاني؟
لا أحد صدقاً، لا أحد. ربما تقول في سرك أنني أُبالغ، ربما تقول وأنت تعي أن حياتك تالفة ولا يوجد في الكون أسوأ من تلك الحياة، فتقول إنك أجدر مني بشغل هذا المقعد؟
أجلس دون أن أشعر بضيقٍ في صدري جلسةَ قرفصاء المتأمِّلين
لا يا صديقي، ليس الأمر كذلك، ليس مثلما تظن أو يظنون، ولنفرض أن ظنك صحيح، فلماذا اختارني الله ولم يخترك؟ لأنه وحده الذي يعرف ما في نفوس البشر، يعرف قدراتهم ونواياهم، ويعرف قدرتي، يعرف أنني وحدي القادر على الجلوس هناك، ليخيفكم بي، ليقول للذين لا يشكرونه، لا يمتنون إليه، أنني سأضعكم مكان ذلك الرجل، فتهابون وتفكرون كثيراً قبل أن تنطلقوا في خيالكم وتطمعون بمكاني.
أيها القارئ الفضولي، تريدني أن اخبرك بما يجلب العار للإنسان، بما اقترفته لأكون هنا؟ سأقول لك أنني لم أفعل شيئاً، وهذا لا يعني أنني لا أستحق هذا الكرسي، في هذا المكان البارد هنا؛ أبداً، إنه يليق بي وبمسيرتي، ربما لم أُخير بكرسيّ ثانٍ، لكني سعيد بمكانتي وبمهنتي التي اشغلها.
أنا أحد العاملين عند الله، مثالٌ من أمثلته، يعظ بي البشر ويُخيفهم من غضبه. ورغم أني لا أكسب أجراً على ذلك، ولست ممن يفكر بالأجر، فروحي تشتاق ملاقاته، أنا مدين بروحي إليه، وسأعود إليه حتماً، أعود نظيفاً لامعاً لا يشوبني شيء، ولا يخيفني سراط، بينما أنتم كلكم، كل الذين شاهدوا في التلفاز الأطفال يتطايرون بينما تأكلون البطيخ، وتقولون: “أوف أوف أوف والله خطية شنو ذنبهم”. ستُوضعون جميعاً في صندوق العار، بينماأقف من بعيد، لا أشير إليكم ولا ألمح وجودكم، لكنكم رغم ذلك ستشعرون ببرودة الهواء وثقل الهواء، وستدركون حينها على أيّ كرسي تجلسون.
كاتب عراقي من مواليد مدينة البصرة عام 1993 ويقيم في بغداد. له في الرواية “خطّة لإنقاذ العالم” (صدرت عام 2020، ونشرت ترجمتها الإنكليزية عن دار Sandorf Passage الأميركية عام 2026)، وله في القصة القصيرة “كتاب الكوابيس” (2022) . يعمل في مجال النشر والتدريب.